الجمعة 4 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

مصر قدمت أيقونة الحرب شهيدًا كيف كان أحمد عبدالعزيز

ربيع مصر الفاتن بنسائمه الندية الخضراء.. وسماء مصر الصافية تطل منها النجوم وكانها عيون السماء، ترقب أعمال البشر والليل وسيارة الجيب تنهب أرض الوطن نهبا فى طريقها إلى الأرض المقدسة، فلسطين هذه أول رحلة لي بصحبة قائدي البطل الشهيد أحمد عبدالعزيز.. عندما توجه إلى فلسطين لأول مرة، ليقود قواته المظفرة فى الحرب المقدسة، وطال الصمت، وطال التأمل.. وقد ركز كل منا عينيه على خواطره... ووصلنا إلى التل الكبير.. وقطع القائد الصمت، وكنت فى شبه غفوة روحية وسألنى (بماذا تتمتم؟) وانتبهت من إغفاءتى وقلت: (أقرأ الفاتحة على روح الميرالاى عبيد وجنود الآلاى السودانى، آخر من صمد فى معركة التل الكبير) وظهر الارتياح على وجه القائد، وأشرقت عيناه إشراقة مطمئنة وهو يقول (هكذا سنجد من يذكرنا بعد موتنا).



 

لم تؤثر فى نفسى كلمة مثلما أثرت فيها كلمته هذه.. تضرعت إلى الله الذى أتاح لى العمل تحت قيادة أحمد عبدالعزيز أن يحفظه ويرعاه مثلا حيا رفيعا للجندية الكاملة وللفناء فى سبيل الواجب، وقد سقط فى الميدان دفاعا عن وطنه ضد الاستعمار كما سقط عبيد من قبل..

 وفى ميدان المعركة كان أحمد عبدالعزيز يقود فرقة كاملة تمثل فيها الدول العربية جميعا.. وكما وحدتهم الآلام والآمال والمخاطر.. استطاعت أن توحدهم قيادة أحمد عبدالعزيز.

وسار أحمد عبدالعزيز إلى الأمام... إلى الأمام دائما.

كان يتقدم الصفوف رغم ما فى هذا من مخاطرة كلها آلام، وبين مستعمرات وقلاع يطل منها الموت في كل لحظة.. فكان الدرع الذى يقي صدور جنوده.. فاعتز به رجاله اعتزازهم بعقيدتهم لقوة إيمانه وشدة تفانيه فيما جاءوا جميعا لأجله.

وفى ليلة صمم القناصة اليهود على اصطياده.. وعرفنا نحن ذلك وكنت إلى جانبه وإذا بالنيران تطلق علينا من أوكار قناصة اليهود.. واستطعنا أن ننجو وأن نفلت..

وانتقلنا إلى مكان آخر.. وانتقلت النيران وراءنا، وعرفنا أن القناصة فى أثرنا..  وقال لى أحمد عبدالعزيز: (ماذا ترى) وقلت تختفى عن أعين القناصة فهم يقصدونك وقال البطل (ماداموا يقصدونني فلأشغلهم بنفسى عن مواقع جنودنا)، وأخذ يتنقل فى حركة سريعة من مكان إلى آخر بعيداً من الجنود وبعيدا عن أهداف الجنود والقناصة من ورائه وكلما أطلقوا الرصاص عليه أفلت منها..

وطلع النهار ولم يصب أحمد عبدالعزيز.. ولا أصيب جنده بسوء بهذه الروح النادرة المثال عرف أحمد عبدالعزيز كيف يظفر بقلوب  جنده وضباطه، وكيف ينتقل بهم عبر المسافات الشاسعة من نصر إلي نصر، وكيف يكون لقوته المحدودة فضل لا يستهان به في سقوط القدس القديمة واستيلاء المسلمين علي الأماكن المقدسة وحمايتها من العصابات المجرمة، وما تبع ذلك من اتصال بقوات المتطوعين التي كان يقودها بقوات الجيش المصري الظافر، فتم بهذا عزل فلسطين الجنوبية عن شمالها.

وفى يوم تقدم إليه بعض الضباط المتطوعين  الألمان وبعض الضباط الإنجليز يعرضون عليه أن يضعوا مواهبهم الحربية وخبرتهم الطويلة فى خدمة فرقة المتطوعين.

كانوا يتحدثون كأنهم آلهة الحرب وكأنهم رسل العناية الإلهية إلى قوات العرب.. واستمع إليهم أحمد عبد العزيز فى هدوء.. ثم انفجر فيهم بشهامة وفخر واعتزاز موضحا لهم حقيقة الجندى المصرى.. الجندى المؤمن بنفسه وقوته وقادته وإلهه.. الجندى الذى لا يثق إلا بضباطه المصريين.

والتفت بعد ذلك إلى الإنجليز وقال لهم (أما أنتم فقد كفانا ما لقيناه منكم.. أن كل مصرى يبتهل إلى الله ليل نهار أن يأتى اليوم الذى تغربون فيه عن وجوهنا.. وسيأتينا النصر من عند الله بفضل جهادنا وصدق وطنيتنا وإخلاصنا وبعدنا عنكم).

وقبيل عيد الفطر لقيته فى القاهرة وسألته إن كان سيقضى أيام العيد فيها بين زوجته وأولاده.. وقال أحمد عبد العزيز ( بل سأقضيها بين رجالى... فكل أيامى بينهم أعياد.. ولن يطيب لى عيد وأنا بعيد عنهم).

ومضى البطل إلى الميدان.. مضى ليستشهد بين جنوده وعلى الأرض التى جاهد فيها، فى سبيل الله والوطن والملك.