إسرائيل وإيران عداء وهمى بين رعاة الإرهاب فى الشرق الأوسط

آلاء البدرى
كشفت الأحداث الأخيرة فى منطقة الشرق الأوسط، أن العداء بين إسرائيل وإيران مجرد وهم، خاصة أن أواصر التعاون بينهما مستمرة رغم الخلافات المعلنة والتصريحات العنترية الرنانة التى يطلقها قادة البلدين عبر وسائل الإعلام المختلفة ومواقع التواصل الاجتماعى.
بينت الوقائع الملموسة على أرض الواقع أن الخوف من اندلاع حرب مباشرة بين إيران وإسرائيل، ليس مجرد تخوفات، لأن العداء المتنامى الذى تظهره إيران لإسرائيل والعكس عداء كاذب ووهمى.
واكتفت إيران بكونها مجرد ناقد من خلف الكواليس، حيث تستمر فى إصدار خطب نابية ملونة ضد إسرائيل فى حين تكتفى بالدفاع عن القضية الفلسطينية من خلال ميليشياتها العسكرية.
وتجاهلت إسرائيل الخطاب الإيرانى، لتيقنها أن شعارات طهران لا تعكس السياسة الإيرانية الحقيقية، مما يفسر تجنب واشنطن الدائم التعامل مع التوترات الإسرائيلية - الإيرانية المزعومة إلا فيما يخص الملف النووى باعتبارها صراعًا هامشيًا.
تركز الولايات المتحدة، على النزاع الإسرائيلى - الفلسطينى رغم أنه صراع غير متكافئ لكنه حقيقى وفى أسوأ الأحوال فى حالة اندلاع حرب أوسع نطاقًا ستجد إيران وإسرائيل أنفسهما محاطين بدول عربية لديها العديد من الأسباب لعدم الرغبة فى الصراع، ومن المرجح أن تكون عواقب مثل هذه الحرب سلبية لجميع الأطراف المعنية فى المنطقة لكنها ستكون كارثية لإسرائيل وإيران وخاصة بعد أن خسرت إيران معظم ميليشياتها فى المواجهات الأخيرة والمؤكد أن كلا الدولتين لن تدخلا بيد جيدة فى أى صراع لم يجر جيرانهما العرب إلى الهلاك.

فى كلمة تاريخية أثنى فيها رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو على إيران خلال المناقشة العامة للدورة الثامنة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة، قائلا أن المستقبل يحمل تحديًا من جانب إيران المسلحة نوويًا والتى تسعى إلى تدميرنا ولكننى أريدكم أن تعلموا أن هذا لم يكن الحال دائمًا، فقبل نحو 2500 عام أنهى الملك الفارسى العظيم كورش المنفى البابلى للشعب اليهودى وأصدر مرسومًا شهيرًا أعلن فيه حق اليهود فى العودة إلى أرض إسرائيل وإعادة بناء الهيكل اليهودى فى القدس، وكان هذا مرسومًا فارسيًا تاريخيا بدأت به صداقة طويلة الأمد بين اليهود والفرس استمرت حتى العصر الحديث، وعلى عكس المعتاد ألمح نتنياهو خلال كلمته أن إيران رغم برنامجها النووى؛ فإنها صديق وليس عدوًا.
عقيدة المحيط وحلقة النار
وتبنت إيران طوال تاريخها الذى يمتد لثلاثة آلاف عام، عقيدة أساسية تقوم على السيطرة الإقليمية، فيما تحلم إسرائيل بقيام دولة إسرائيل الكبرى، بعد أن كان موقفها متجذرًا فى المقام الأول فى «عقيدة المحيط» وهى الاستراتيجية التى تبناها ديفيد بن جوريون والمستشار الدبلوماسى رؤوفين شيلواح ورئيس الموساد إيسر هاريل لتحقيق حلم اسرائيل الكبرى، عبر استبدال الدعم المفقود من قوة عظمى بمصدر آخر للدعم.
وكان المفهوم الأساسى هو أن إسرائيل قادرة على تجاوز الأنظمة العربية المعادية على حدودها من خلال تنمية تحالفات بحكم الأمر الواقع مع دول غير عربية على حافة العالم العربى ومجموعات عرقية غير مسلمة ضعيفة داخلها.
وتبنت القومية العربية رؤية الاتحاد تحت قيادة ثورية واحدة بهدف هزيمة إسرائيل وتدمير أحلامها فى أراضى العرب وأن تجعل دولًا أخرى على هامش المنطقة خاضعة للهيمنة العربية بطريقة أو بأخرى.
وتمثل هوس طهران فى السيطرة الإقليمية وعودة أمجاد الفرس وتوسعاتهم فى «استراتيجية حلقة النار» التى تدعى إيران أنها تسعى إلى إحاطة إسرائيل بقواعد صاروخية وطائرات بدون طيار ضخمة ليس فقط فى لبنان وقطاع غزة وسوريا، ولكن أيضًا فى العراق واليمن البعيدين ولكن الحقيقة أن فكرة حلقة النار هدفها فى الأساس تطويق الدول العربية ذات النفوذ الإقليمى مثل مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وأيضا العراق بعدد من الميليشيات المسلحة التى تخلق توترًا دائمًا فى الشرق الأوسط ويجعل فكرة التنمية مستحيلة وليس من المستغرب أن تظهر استطلاعات الرأى التى تجرى فى إيران والتى انتشرت مؤخرا على كل وسائل الإعلام أن الإيرانيين حقًا يعربون عن تعاطف أقل مع الفلسطينيين ويفضلون إسرائيل والتعاون معها ما دام عدوهم واحدًا وأهدافهم من دعم الإرهاب واحدة.
العداء الوهمى والتعاون السرى
قدم خطاب طهران المعادى لإسرائيل بشكل مستمر وعنيف فرصة كبيرة لاعتبارها بطلة المعركة ضد العدو الصهيونى المشترك فى مواجهة الأنظمة العربية من أجل تقويض القاعدة الشعبية لهذه الأنظمة العربية المناهضة لإيران وميليشياتها من خلال جعلها تبدو وكأنها حليفة للصهيونية وخائنة للقضية الفلسطينية، وتعزيز ثقل محور المقاومة فى المنطقة الذى يهدف أولًا وأخيرًا إلى شق الصف العربى وتهديد الدول العربية ذاتها داخليًا.
وجسد رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو بمفرده، تقريبًا معارضة إيران ومنعها والمزايدة اللفظية فى مواجهة قادتها السياسيين والدينيين ووصم التهديد النووى التقليدى الذى من المفترض أن يستهدفها.
وزادت تحذيرات نتنياهو من إيران فى 2009 فى ضوء تنامى قدراتها النووية، ففى خلال الاجتماع السنوى العادى للجمعية العامة للأمم المتحدة فى سبتمبر 2012 قدم على المنصة رسمًا تخطيطيًا على شكل قنبلة فتيل من القرن التاسع عشر من المفترض أن تمثل الخطر العظيم وأيضا فى 6 مارس 2018 أمام إيباك وخلال خطابه فى واشنطن أمام الكونجرس.
وأشار رئيس الوزراء الإسرائيلى فى 16 يوليو 2017 فى حفل إحياء ذكرى اعتقالات النازيين أمام إيمانويل ماكرون، بأصابع الاتهام إلى إيران.
ردود فعل إسرائيل تجاه التهديد الإيرانى تثير العديد من التساؤلات، لأن القاعدة الأساسية لديها تتمثل فى فى ضرب التهديد المستهدف بشكل استباقى وبلا هوادة؟ حيث قامت إسرائيل من قبل بتدمير بالقاذفات المقاتلة المفاعل النووى العراقى أوزيراك قيد الإنشاء والمفاعل النووى السورى فى دير الزور، فقد كانت هناك التهديدات بالتدخل تؤخذ دائمًا على محمل الجد من قبل الدول الكبرى فلماذا هذا التساهل مع إيران التى قررت بين عامى 1985 و1986 التسلح بسلاح نووى يجنبها أى غزو جديد؟
الواقع يشير إلى أن كلا الطرفين يرعيان الإرهاب فى الشرق الأوسط لإضعاف العدو الحقيقى العرب وجعلهم دائما تحت تهديد الحروب الداخلية والأهلية والتهديدات الإرهابية تحت مظلة الدفاع عن النفس وهذا النهج من العداء الوهمى بين إسرائيل وإيران بدأ يتشكل منذ اعتلاء الإسلاميين الحكم فى إيران.

بدأت العلاقات الإسرائيلية - الإيرانية منذ إعلان الدولة الصهيونية وفى عهد الشاه تطورت العلاقات مع إيران وتبادلت إسرائيل البعثات التى تمتعت بامتيازات دبلوماسية وبنت علاقات اقتصادية وأمنية وثيقة فى الستينيات والسبعينيات أصبحت إيران المورد الرئيسى للنفط الخام لإسرائيل حتى بدأت إسرائيل فى تشغيل حقول النفط فى سيناء بعد النكسة.
وأصبحت إيران المصدر الرئيسى للنفط الخام لدولة إسرائيل فى عام 1975، حيث زودتها بـ 70 % من احتياجاتها.
وباعت إسرائيل بانتظام أسلحة إلى إيران خلال عهد الشاه وخاصة الأسلحة الصغيرة وقذائف الهاون والذخيرة كما قدمت خدمات إصلاح المحركات ودعم الصيانة للقوات الجوية والجيش الإيرانيين وقدمت الدعم الفنى لصناعة الدفاع الناشئة فى إيران وقد أعطت مبيعات الأسلحة لإيران دفعة كبيرة لإسرائيل فى الصناعات الدفاعية الناشئة وترتيبات المقايضة المضمونة.
وبعد حرب 48 عندما شنت العراق حملة صارمة على سكانها اليهود مع تنامى احتمالات وقوع مذابح جماعية سعت إسرائيل إلى إيجاد طرق لتهريب اليهود إلى خارج العراق، فقامت إيران بتوفير طريق لخروج اليهود ولكن بثمن باهظ وتم نشر عملاء إسرائيليين فى إيران لتسهيل إنقاذ اليهود العراقيين وأيضًا لإقناع المسئولين الإيرانيين بإقامة علاقات دبلوماسية مع الدولة الجديدة واحتفظت بوفد دائم فى طهران يعمل كبعثة دبلوماسية بحكم الأمر الواقع وفى نهاية المطاف تم تبادل السفراء فى سبعينيات القرن العشرين.
ساعدت إسرائيل الجمهورية الإسلامية الإيرانية عقب الإطاحة بالشاه، فى دعم للانفصاليين الأكراد فى العراق على أمل تعزيز المتمردين لصرف انتباه الحكومة العراقية عن الأنشطة المعادية لإسرائيل.
وزودت إيران الموساد بمعلومات استخباراتية تتعلق بنظام المعركة العراقى وحتى عندما بدا أن غزو صدام حسين لإيران فى سبتمبر 1980 يهدد بقاء النظام الإسلامى ويلوح بتحول العراق إلى قوة إقليمية بارزة أثبتت إسرائيل استعدادها لتقديم الدعم العسكرى السرى لطهران.
وعبر الوساطة الأمريكية أصبح نظام الملالى مستعدًا لتلقى هذا الدعم من الشيطان الصغير فيما أصبح يعرف إعلاميا فضيحة إيران-كونترا والخاصة بتوريد صواريخ أمريكية الصنع إلى إيران عبر إسرائيل فى مقابل أموال استخدمت لتزويد المتمردين المناهضين للساندينيستا فى نيكاراجوا بالأسلحة.
وفى أعقاب الغزو الإسرائيلى للبنان فى عام 1982 أرسلت إدارة ريجان بعثة حفظ السلام إلى لبنان وردًا على الدعم الأمريكى اللامتناهى للعدوان الإسرائيلى اختطف حزب الله الذراع العسكرية لإيران فى لبنان عددًا من المدنيين الأمريكيين ونتيجة لهذا فقد تم تسهيل المفاوضات السرية بين الولايات المتحدة وإيران بشأن الرهائن بشكل مثير للسخرية من قبل عدو إيران الإقليمى الوهمى إسرائيل.
وتفاوضت واشنطن وطهران على إطلاق سراح الرهائن الأمريكيين فى مقابل الأسلحة الأمريكية المتطورة التى تحتاج إليها إيران لهزيمة قوات صدام حسين والتى كانت تسلمها إسرائيل صديقة السر عدوة العلن وبمجرد أن اكتشف المجتمع الدولى هذه المحادثات السرية اضطر الرئيس الأمريكى رونالد ريجان إلى الاعتراف علنًا بأنه على الرغم من الحظر الذى فرضته الولايات المتحدة على الأسلحة وجهودها لمنع الدول الأخرى من بيع الأسلحة لإيران فإن إمريكا باعت أسلحة لإيران وحولت الأموال إلى جيش حرب العصابات الكونترا الذى كان يقاتل حكومة الساندينيستا فى نيكاراجوا.
وأكدت مصادر استخباراتية أمريكية أنه خلال سبعينيات القرن العشرين باعت إسرائيل لإيران أسلحة بقيمة نحو 500 مليون دولار سنويًا، وخططت لإطلاق برنامج مشترك بقيمة مليار دولار لتطوير صاروخ أرض-أرض وحتى بعد الثورة بلغ إجمالى المبيعات الإسرائيلية 500 مليون دولار إضافية بما فى ذلك صواريخ تاو المضادة للدبابات وقطع غيار للدروع والطائرات وكميات كبيرة من الذخيرة.
طهران تبيع هنية ونصر الله
كشفت إشارات إيران العلنية وبشكل خاص إلى عدم رغبتها فى رؤية حرب على مستوى المنطقة تشارك فيها إيران بشكل مباشر تورط إيران فى بيع قادة المقاومة على الجهتين الفلسطينية واللبنانية لإسرائيل على طاولة مفاوضات الولايات من أجل إكمال مشروعها النووى، وبدا ذلك واضحا بعد أن أكد الرئيس الإيرانى الأسبق محمود أحمدى نجاد أن رئيس الوحدة السرية المكلفة مواجهة عمليات الموساد فى إيران كان فى الواقع عميلًا إسرائيليًا.
وأكد «نجاد» أن إسرائيل تنفذ عمليات معقدة داخل إيران وأن بوسعها الحصول على المعلومات بسهولة بعلم من إيران.
وأضاف أحمدى نجاد إن هذه ليست حادثة أو فهناك أكثر من 20 عميلا إضافيا ضمن فريق الاستخبارات الإيرانى المكلف بمراقبة أنشطة الاستخبارات الإسرائيلية يعملون أيضا لصالح الموساد فى إشارة غير واضحة للتعاون الاستخباراتى المشترك بين البلدين وتركز مهمتهم على تزويد إسرائيل بمعلومات حساسة عن البرنامج النووى الإيرانى.
وبين الرئيس الإيرانى الأسبق أن هؤلاء العملاء تورطوا فى سرقة وثائق نووية إيرانية فى عام 2018 وقتلوا العديد من العلماء النوويين الإيرانيين.
جاءت هذه التصريحات للرئيس الإيرانى فى أعقاب تقارير تفيد بأن جاسوسًا إيرانيًا أبلغ إسرائيل بمكان تواجد زعيم حزب الله حسن نصر الله قبل مقتله فى غارة جوية على مقر حزب الله فى بيروت وأيضا قائد المقاومة الفلسطينية فى غزة إسماعيل هنية.
إشارات أحمدى نجاد عن الاختراق الإسرائيلى والتعاون بين البلدين، تؤكد على تصريحات وزير الاستخبارات الإيرانى السابق على يونسى بأن جواسيس إسرائيليين زرعوا أنفسهم فى أعلى مستويات السلطة فى الجمهورية الإسلامية.
وأكد يونسى أن الموساد تسلل إلى العديد من الدوائر الحكومية فى السنوات العشر الماضية إلى درجة أن جميع كبار المسئولين فى البلاد يجب أن يخشوا على حياتهم.
وأوضحت تصريحات الرئيس الإيرانى بزشكيان وأيضا المرشد بعدم الرغبة فى دخول حرب مباشرة مع إسرائيل على أن الأمر لم يكن مجرد تفوق تكتيكى للموساد أو اختراق بل هو تواطؤ وتعاون بين البلدين على المستوى الاستخباراتى.
وتعد وفاة نصر الله ليست مجرد اغتيال آخر أو انتصار لإسرائيل فهو لم يكن رمزًا وزعيمًا لـمحور المقاومة الإيرانى ولاعبًا رئيسيًا لعقود من الزمان فى الشئون اللبنانية والإسرائيلية والسورية والفلسطينية والعراقية واليمنية فحسب بل إن وفاته ستكتب شهادة وفاة الهلال الشيعى فى المنطقة العربية مما سيضطر إيران إلى تحويل بوصلتها الإرهابية نحو إفريقيا وهو الأمر الذى لمسته إيران منذ فترة ليست بالقصيرة بعد أن ظهرت أمام وكلائها فى العراق واليمن وكأنها سلبية ولا تستطيع مساعدتهم بل وأنها تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة.