قبل أسابيع من انتخابات الرئاسة لماذا تنأى واشنطن بنفسها عن أحداث الشر ق الأوسط؟

مروة الوجيه
على مدار ما يقرب من عام تحاول الولايات المتحدة التعاطى مع الصراع القائم فى الشرق الأوسط، من خلال جبهتى قتال فتحتهما إسرائيل الأولى فى الجنوب عبر حرب تدميرية فى قطاع غزة، والثانية فى الشمال بمواجهات مسلحة مع حزب الله اللبنانى، ومعهما قامت واشنطن بدور داعم لحليفتها إسرائيل فى مجابهة ما تعرض له من تهديدات وهجمات من فصائل أخرى فى المنطقة.
وعلى مدى ذلك الصراع كانت إدارة بايدن ترسل التحذيرات والمخاوف من اتساع رقعته وكذلك ترسل الدعوات بتهدئته، ولكنها فى الوقت نفسه كانت دائمة التأكيد على استمرار دعمها المطلق لتل أبيب وما سمته حقها «فى الدفاع عن نفسها».
ومنذ السابع من أكتوبر وما تلاه من تصعيد توالت الجولات لكبار المسئولين الأمريكيين فى المنطقة، زيارات حملت مقترحات وشهدت جهودًا مكثفة مع الوسطاء لوقف الصراع وإنهاء ما خلفه من معاناة غير أنها لم تفلح حتى الآن فى تحقيق تلك الغاية ما دفع للتساؤل بشأن قدرة الولايات المتحدة فى ممارسة الضغط المطلوب على حكومة نتنياهو.
تساؤل أصبح مصحوبًا بشكوك حول استجابة تل أبيب لما تقدمه إدارة بايدن التى تعيش أيامها الأخيرة داخل البيت الأبيض.. فمع زيارتين أخيرتين لوزير الخارجية الأمريكى ومبعوث واشنطن إلى الشرق الأوسط بغرض الحد من التصعيد جاء بالفعل التصعيد الإسرائيلى خاصة على الجبهة اللبنانية.. ما أعطى انطباعًا بأن حكومة نتنياهو لم تعد تولى الاهتمام حتى لتحركات وجهود الوساطة من جانب إدارة بايدن.
انطباع عززته نتائج استطلاع للرأى أظهر أن 40 % من الناخبين الأمريكيين العرب والمسلمين الغاضبين من دعم واشنطن لإسرائيل.. يتحولون من تأييد كامالا هاريس إلى دعم المرشحة المستقلة جيل شتاين بأعداد قد تحرم المرشحة الديمقراطية من الفوز فى ولايات حاسمة ستحدد مصير استحقاق الخامس من نوفمبر.. فهل يدفع الديمقراطيون بعد أقل من شهرين فاتورة ذلك الدعم؟!
«قلة حيلة»
أسابيع قليلة وتنتهى ولاية جو بايدن الرئاسية فى البيت الأبيض، وعلى الرغم من انسحابه من السباق الرئاسى، اختار بايدن أن يعلن عن خططه قبل ترك منصبه الرئاسى بتأكيد جهوده لابرام اتفاق بشأن غزة قبل ترك البيت الأبيض، ولكن مع اشتعال جبهة لبنان اختلف الأمر، واتخذت إدارة جو بايدن نهج عدم التدخل أكثر من المعتاد خلال أسبوع من التصعيد الدراماتيكى بين إسرائيل وحزب الله فى لبنان، خشية مزيد من تفاقم الأوضاع.
ويأتى ضبط النفس هذا فى أعقاب انفجارات أجهزة الاستدعاء وأجهزة الاتصال اللاسلكى التابعة للجماعة المسلحة وغارة جوية إسرائيلية استهدفت أحد كبار عناصر حزب الله فى بيروت، ما يهدد بإثارة حرب شاملة بين إسرائيل وأعدائها فى الشرق الأوسط، ويقضى على أى أمل فى إحراز المفاوضات المتعثرة بالفعل من أجل التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار فى غزة أى تقدم.
وجاء التصعيد رغم زيارة اثنين من مسئولى إدارة بايدن للمنطقة للمطالبة بالهدوء، ما يزيد من الانطباع بأن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، تولى اهتمامًا أقل من أى وقت مضى لجهود الوساطة التى تبذلها حليفتها الرئيسية، رغم اعتمادها على واشنطن فى الحصول على السلاح والدعم العسكرى عامة.
ولم يجر أى اتصال أمريكى معترف به علنًا مع نتنياهو منذ زار المسئول البارز فى البيت الأبيض آموس هوكستين إسرائيل للتحذير من التصعيد.
وردًا على سؤال حول ما إذا كان لا يزال لدى الولايات المتحدة أمل فى التوصل إلى اتفاق فى غزة، وهو ما تصفه الإدارة الأمريكية بأنه حاسم لتهدئة الصراع الإقليمى، قال الرئيس جو بايدن إنه بالفعل مازال لديه أمل، وفريقه كذلك.
وخلال أسبوع من التصعيد الدراماتيكى بين إسرائيل وحزب الله فى لبنان، تتبنى إدارة الرئيس الأمريكى جو بايدن نهجًا يقوم على «عدم التدخل»، حيث يمتنع كبار المسئولين الأمريكيين عن التدخل فى الأزمة خشية تفاقم الأمور، بحسب وكالة «أسوشيتد برس».
التصعيد الميدانى فى لبنان يهدد بفتح مواجهة شاملة بين إسرائيل وحزب الله، مما قد يقضى على المفاوضات المتعثرة بالفعل للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار فى غزة.
وتنقل «أسوشيتد برس» عن زميل بارز فى السياسة الخارجية الأمريكية فى معهد الشرق الأوسط للأبحاث فى واشنطن، بريان كاتوليس، قوله: «تبدو الولايات المتحدة فى حالة من الصدمة فى الوقت الحالى». ويضيف: «فيما يتعلق بالأقوال والأفعال، فهى لا تقود الأحداث، بل تتفاعل مع الأحداث».
تعثر غزة
وكانت مفاوضات وقف إطلاق النار فى غزة فى مرحلة حساسة لدرجة أن وزير الخارجية أنتونى بلينكن زار مصر فقط فى رحلة إلى المنطقة لأن زيارته إلى إسرائيل قد تدفع نتنياهو لطرح شىء يقوض جهود الوساطة التى تقودها الولايات المتحدة، بحسب مسئولين أمريكيين.
وقال الرئيس جو بايدن للصحفيين ردًا على سؤال عما إذا كان لا يزال لدى الولايات المتحدة أمل فى التوصل إلى اتفاق فى غزة: «إنه فعل ذلك وفريقه يضغط من أجل ذلك».
وأضاف بايدن: «إذا قلت إن ذلك غير واقعى، فربما نغادر أيضًا، الكثير من الأشياء لا تبدو واقعية حتى ننجزها، علينا أن نستمر فى ذلك».
صمت أمريكى
إلى ذلك، رفض البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية التعليق علنًا على انفجار أجهزة اتصال يستخدمها حزب الله، مما أسفر عن استشهاد 37 شخصًا على الأقل وإصابة آلاف آخرين، بما فى ذلك مدينون، فيما تشير مصادر إلى أنها عملية استخباراتية إسرائيلية.
كذلك لم يقدّم الجانب الأمريكى أى تقييم للغارة الجوية الإسرائيلية التى استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت واغتيل خلالها القيادى فى حزب الله إبراهيم عقيل. وقد أسفر الاستهداف عن استشهاد 31 شخصًا على الأقل وجرح آخرين.
وقال بلينكن فى مصر ردًا على أسئلة الصحفيين إنه عندما يبدو أن الوسطاء يحققون تقدمًا فى صفقة غزة، غالبًا ما يكون هناك: «حادث، شىء يجعل العملية أكثر صعوبة، ويهدد بإبطائها، ووقفها، وإخراجها عن مسارها»، فى إشارة إلى تفجيرات أجهزة الاتصال.
«وضع محفوف بالمخاطر»
وصرح مسئولون أمريكيون مطلعون على المناقشات بأنه ربما تجرى اتصالات رفيعة المستوى مع نتنياهو عندما يسافر إلى نيويورك لحضور اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة.
لكن المسئولين يعترفون أيضًا بأن الوضع أصبح محفوفًا بالمخاطر لدرجة أن اتخاذ موقف علنى، سواء كان مؤيدًا بقوة أو منتقدًا لإسرائيل، قد يضر أكثر مما ينفع.
وفى واشنطن، رد المتحدث باسم وزارة الخارجية، ماثيو ميللر على سؤال بشأن جدوى زيارات مسئولى إدارة بايدن للشرق الأوسط على مدى عدة أشهر دون التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، قائلًا: «لقد نجحنا حتى الآن فى منع تحول الأمر إلى حرب إقليمية شاملة». وأرجع الفضل فى ذلك إلى الرسائل الأمريكية الموجهة إلى إيران وحلفائها فى المنطقة وإلى إسرائيل.
ويتهم المنتقدون الإدارة الأمريكية بالدفع نحو التوصل إلى اتفاق بشأن غزة، وهو اتفاق فشل مرارًا فى كسب تأييد الأطراف المتحاربة وتجاوزه نمو الصراع.
وقال المتحدث باسم الأمن القومى، جون كيربى: «سنكون أول من يدرك أننا لسنا أقرب إلى تحقيق ذلك مما كنا عليه قبل أسبوع»، مضيفًا: «لكن لا أحد يستسلم»، مكررًا أن الولايات المتحدة تعمل مع قطر ومصر لوضع مقترح نهائى بشأن غزة لتقديمه إلى إسرائيل وحماس.