
نبيل عمر
العالم مهدد بالتقدم إلى الخلف!
ما حدث فى العالم صباح يوم الجمعة قبل الماضى يثير قدرًا من الأسئلة الخطيرة، تتجمع فى سؤال محورى مفزع: هل صار مستقبل البشرية أسيرًا فى قبضة الفضاء الإلكتروني؟، نعم.. فحين تعطل ما يقرب من تسعة ملايين كومبيوتر فى أربعة أرجاء المعمورة بسبب خطأ صغير فى تحديث أجرته شركة أمن سيبرانى على برنامج حماية، تحول إلى سلسلة متعاقبة من الأعطال فى نظام تشغيل ويندوز، أصابت الحياة بالشلل فى مطارات وبنوك وشركات ومؤسسات وبورصات ومطاعم ومستشفيات ومراكز اتصال..إلخ، وخسر العالم 300 مليار دولار فى 24 ساعة فقط!
يا ترى ما الذى يمكن أن يحدث لو تعطلت «نظم التشغيل» أيامًا أو أسابيع أو شهورًا؟، سواء كان العطل مصادفة أو عملاً إجراميًا منظمًا؟
قولًا واحدًا.. يعود العالم إلى الوراء، تحديدًا إلى منتصف القرن العشرين، وربما إلى بداياته، فبدون ملايين المعلومات المخزنة على السيرفرات والهاردات سيبدو العالم مثل سائح تائه فى الصحراء الإفريقية الكبرى، فى ليلة معتمة، عليه أن يعتمد على النجوم فى تحديد الاتجاهات والمسارات.
تخيلوا مثلاً لو أن «قرصانًا فضائيًا» محترفًا تسلل إلى قمر صناعى، أو إلى مسبار فضائى، وتلاعب فى بياناتهما.
القمر الصناعى هو آلة مرسلة إلى الفضاء الخارجى تدور حول الأرض، لجمع المعلومات وتسهيل عمليات الاتصال، مثل أقمار الملاحة والطقس والتجسس والاتصالات ودراسة البيئة ومراقبة النجوم والكواكب.
المسبار مركبة فضائية آلية لا تدور حول الأرض ويمكنها الهبوط على الأجرام السماوية، وتستعمل لاكتشاف الفضاء الخارجى، محملة بأدوات علمية مختلفة على غرار كاميرات شديدة التطور، وأجهزة مطياف، ومقياس الطاقة الإشعاعية، ومقياس المغناطيسية..إلخ.
ونشرت الإصدارات المتخصصة فى نظم المعلومات دراسات كثيرة فى السنوات العشرين الأخيرة، عن الهجمات السيبرانية واستخدامها فى الصراعات المستعرة فى العالم، ولأن معظمها دراسات غربية فقد أولت اهتمامها بالهجمات القادمة من الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران، دون أن يكتب حرفًا واحدًا عن عشرات الهجمات المماثلة التى تشنها الدول الغربية على منافسيها.
ويعد الفضاء الإلكترونى ساحة قتال مفتوحة، أخطر من القتال التقليدى على الأرض، ليس فى الصراعات السياسية والعسكرية والاقتصادية فحسب، وإنما فى الجريمة المنظمة بدرجة لا يمكن تخيلها، حتى إن جرائم القرصنة زادت من 13 مليون عملية فى عام 2009 إلى 165 مليونًا فى عام 2013، ثم قفزت إلى 813 مليون عملية فى عام 2018!، وقدرت الأموال الطائرة فيها بحوالى خمسة تريليونات دولار سنويًا، ويتوقع أن ترتفع إلى 11 تريليون دولار فى العام القادم 2025، أى ما يعادل الناتج المحلى الإجمالى لمجموعة دول متقدمة هى «ألمانيا واليابان وبريطانيا» معًا، وقد يقترب من إجمالى الناتج المحلى الإجمالى لنصف سكان الكوكب، بالطبع نستبعد أمريكا والصين وبعض الدول الأوربية من الحسبة.
وتفيد دراسات أن أكثر من 200 ألف شركة على مستوى العالم فقدت القدرة على الوصول إلى ملفاتها بسبب الهجمات السيبرانية، منها ملفات مرضى فى مستشفيات فى إنجلترا واسكتلندا.
وعلى سبيل المثال.. وقف العالم على رأسه حين وقع الهجوم الشهير المعروف باسم «هجوم وناكرى» فى 12 مايو 2017، واستطاع فيها القراصنة اختراق 230 ألف جهاز إلكترونى فى 99 دولة حول العالم، وشفروا ملفاتها جميعًا بطريقة يصعب تفكيكها، وطلبوا فدية 300 دولار بالعملات الافتراضية «البتكوين»، ممن يريد تحرير ملفاته.
وقبل الخطأ الصغير الأخير الذى ارتكبته شركة «كراود سترايك»، كشف تقرير لشركة «ميدى سكيور» المتخصصة فى أمن المعلومات أن بيانات شخصية لما يقرب من 13 مليون استرالى قد تعرضت للخطر فى إبريل الماضى، من هجوم «الفدية»، مما أجبر الشركة مقدمة الخدمات إلى غلق موقعها الإلكترونى وخطوط تليفوناتها إلى نهاية مايو.
عمومًا ينتج القراصنة والمحتالون فى اليوم الواحد ما يقرب من 230 ألف عينة من برمجيات خبيثة، أغلبها يتعامل مع أنظمة الدفع الإلكترونى فى المصارف، وتأتى اليابان وإسبانيا وتركيا وفرنسا وألمانيا والنرويج وإيطاليا وكرواتيا والنمسا فى مقدمة الدول، التى يستهدفها القراصنة، ويتسللون إلى نظام أندرويد على تليفونات المستخدمين المحمولة.
باختصار القراصنة يصنعون نوعًا من الفوضى فى نظم تشغيل أجهزة المعلومات.
فماذا يحدث لو كانت نظمًا عسكرية خاصة بالتسليح وإدارة عمليات قتالية؟
حتى هذه اللحظة لم يقع هجوم إرهابى كبير يهدد العالم، لكنه احتمال قائم، وكما توقعت السينما أشكال «الجرائم الفضائية» قبل أن تحدث على أرض الواقع، لم تغفل احتمالات الأخطار الرهيبة التى تحلق فى فضاء العالم الإلكترونى.
تخيلوا مثلًا أن أول فيلم عن القرصنة على أجهزة الكومبيوتر صنعته هوليوود فى عام 1992، وتدور أحداثه فى عام 1969، حين كان الكمبيوتر فى حجم ديناصور، والفيلم اسمه «سنيكرز» عن طالبين جامعيين اقتحما شبكة كمبيوتر وأعادا توزيع موارد مالية من مؤسسات رأسمالية جشعة لمصلحة قضايا تحررية، وانقض عليهما البوليس فى مكان إقامتهما، وجند أحدهما للسطو على «صندوق أسود»، يحتوى على ابتكار لعالم رياضى شهير، صنعه للحكومة الروسية، وتمكن وفريقه من الاستيلاء على الصندوق، ووجدوا بداخله ما يشبه آلة الرد على التليفون، وفى الحقيقة كانت آلة فك أكواد ورموز لأى كمبيوتر مهما كان تأمينه.
أما الطالب الآخر فقد تعرف فى السجن على عصابات الجريمة المنظمة، التى هربته، وأصبح من رجالها الأثرياء، وكان ينوى الاستيلاء على الصندوق الأسود لإثارة الفوضى فى الاقتصاد العالمى، وتقاطعت الطرق مع صديقه، وحاول أن يستميله للعمل معه فى صناعة هذه الفوضى، لكنه رفض.. إلخ.
الفيلم لعب بطولته نجوم كبار، روبرت رادفورد، بن كنجسلى، وسيدنى بواتييه، وكتبه ثلاثة من كبار كتاب السيناريو: لورانس لاسكر، ولتر باركيز، وفيل ألدين روبنسون الذى أخرجه أيضًا.
لكن سلسلة أفلام تيرميناتور «المدمر» هى أول من تعاملت مع «أخطار الفضاء الإلكترونى» التى تهدد البشرية بأسرها، ستة أفلام بدأت فى عام 1984، إلى عام 2019، وهى تحكى عن عقول إلكترونية تُطور نفسها بالذكاء الاصطناعى وتفرض سيطرتها على كوكب الأرض، وتخطط فى الوقت نفسه لتقويض مقاومة الإنسان لهذه السيطرة، فتُرسل إنسانًا آلياً من المستقبل، لقتل قائد هذه المقاومة قبل أن تبدأ عملية السيطرة الآلية.
تخيلوا هذه الفكرة كانت فى عام 1984، أى قبل اختراع برنامج التشغيل ويندوز بعشر سنوات، ولم يكن الكمبيوتر المحمول قد انتشر فى العالم وقتها، إذ كانت الولايات المتحدة قد أنتجت أول نسخة منه قبل الفيلم بعامين، وبالكاد توصلت إلى حزمة بروتوكولات الإنترنت، وكانت شبكة الإنترنت مجرد عدة مراكز بحثية داخل الولايات المتحدة تتصل ببعضها البعض.
لم تكتف السينما بهذ التحذيرات ورفعت من حجم المخاطر التى تهدد البشرية، والتى تنتهى باستعباده، مثل فيلم «أنا والإنسان الآلى، وفيه يخرج الآليون عن السيطرة البشرية، ويتحكم فيهم عقل إلكترونى، يأمر هؤلاء الآليين بالتمرد على البشر، الذين أصبحوا خطرًا على البيئة والحياة فى الكوكب، وأن يعزلهم عن مراكز صناعة القرار، ويضعهم تحت التحفظ فى بيوتهم، وفى فيلم عين الصقر «إيجل أى» فى عام 2008، يستطيع نظام كمبيوتر باستخدام الذكاء الاصطناعى أن يتحرر من أوامر الإنسان، بل ويقتله، ويتحكم فى وزارة الدفاع الأمريكية بكل ما تملكه من أسلحة ويخطط لاغتيال الرئيس الأمريكى شخصيًا.
أما فيلم «عش حرًا أو مت بصعوبة»، وهو الجزء الرابع من سلسلة أفلام «ضاى هارد»، فقد حدد بدقة ما يمكن أن يفعله القراصنة بالعالم، ليس بسرقته ولا ابتزازه، وإنما بإعادته إلى العصر الحجرى، إذ تسللت مجموعة إلى أجهزة كمبيوتر الإدارة الأمريكية، وسيطروا على شبكات الكهرباء والغاز والمياه والمرور والاتصالات والمصارف والطائرات العسكرية..إلخ، وقد اقتبس السيناريست «مارك بومباك» فكرته من مقال كتبه «جون كارلين» فى مجلة «وايرد» عام 1997، بعنوان وداعًا للسلاح ، الذى تنبأ فيه بتراجع الحروب التقليدية التى عاشها العالم أمام حروب جديدة باستخدام الفضاء السيبرانى.
ورسمت السينما التسجيلية أيضًا ملامح جديدة لهذه الأخطار، فأخرج راسل مايكلز وسيمون أرتيزون فيلمًا عنوانه «قرصنة الديمقراطية» فى عام 2006، يدور حول إمكانية تزوير إرادة الناخبين فى التصويت الإلكترونى، وتساءل: هل يمكن للقراصنة أن يختاروا رئيسًا أمريكيًا بالتسلل إلى نظام التصويت؟، وكانت الإجابة نعم، وهذا ما قاله دونالد ترامب عند خسارته الانتخابات السابقة أمام جو بادين، وما أشارت إليه كتابات عن خسارة آل جور أمام جورج بوش الابن سنة 2000.
نعم المخاطر مخيفة، لكن أشدها هو «سرقة العقول» بنشر طوفان من المعلومات المغلوطة يوميًا على الفضاء السيبرانى، فيفقد العقل القدرة على الفهم الصحيح والقرار الصحيح.