
نبيل عمر
المقاومة والحرية بين وحشية إسرائيل والعجز العربى!
ليس هذا كتابًا عاديًا، بالرغم من تقليدية موضوعه فى الفكر العربى، فالحرب التى يشنها جيش الإبادة الإسرائيلى على الفلسطينيين فى غزة لما يقرب من عشرة أشهر ليست جديدة أو غير مألوفة، فهو يفعلها منذ 75 عامًا، لكن فى هذا الكتاب يلقى الكاتب نبيل عبدالفتاح ضوءًا شديد القوة على جانب مهم فى الصراع، جانب يتجاهله العرب دومًا فى تفسير «مجريات الأحداث»، وأسباب وصولها إلى النتائج التى نراها الآن على أرض الواقع: شعب عربى فلسطينى فى أتون محرقة، وبقية العرب من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر شهود عيان على الدماء المسالة والمذابح الجارية، يتفرجون كأنهم غرباء، لا يملكون إلا الدعاء والرجاء والمناشدة والتدخل الأجنبى، كأنهم لم يسمعوا عن الفيلسوف بيدبا والملك دبشليم، ولم يعرفوا حكايات كليلة ودمنة، وعميت عقولهم عن فهم العبارة الشهيرة «أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض»، ويتصورون أن الذئب الإسرائيلى قنوع، وقد يشبع باللحم الفلسطينى، ولا يخطط لابتلاع بقية القطيع سواء بالعنف أو بالسياسة، بالتهديد أو الحيلة، تحت رعاية كبير الذئاب «الولايات المتحدة، خاصة أن التكنولوجيا الحديثة تتيح القدرة على افتراس القطيع بالريموت كنترول، دون أن يكشف عن مخالبه الحادة وهى تفتك بأجساد الضحايا.
لجأ نبيل عبدالفتاح فى كتابه الجديد «المقاومة والحرية..غزة وسردية البطولة والإبادة» إلى ثنائية الحرية والاستبداد، الديمقراطية والشمولية فى شرح ما آل إليه الصراع العربى الإسرائيلى فى نهاية الربع الأول من القرن الحادى والعشرين: أظهرت حرب الإبادة الإسرائيلية على الفلسطينيين فى قطاع غزة، بعضًا من حالة التفكك والتذرى فى الأوضاع السياسية العربية، إذ تحولت غالبية سياسة الدول من السلوك الفعال المؤثر إلى محض خطاب يطالب بوقف إطلاق النار أو هدنة إنسانية لإرسال بعض المساعدات إلى السكان المدنيين..إلخ.
وفى الحقيقة هو لا يفسر المأساة الفلسطينية وحدها، وإنما يفسر «حالة التخلف العام» التى تضرب المنطقة، والتخلف هو حالة عقلية وثقافية، نمط فى التفكير والقيم والعمل والحكم وليس تفاصيل مادية عن الثروات وأساليب المعيشة مثل امتلاك أبراج عملاقة ومدنًا على أحدث طراز أو كومبيوتر وتليفون محمول أو فضائيات أو مركبات فاخرة، كل هذه الأشياء مظاهر تمدين، لكن التقدم حالة عقلية وثقافية تنتج نظمًا جيدة الكفاءة فى إدارة الحياة: الموارد والبشر، بما يضمن دوام التنمية والتقدم، لتكون شريكًا فعّالاً فى قلب الحضارة الحديثة مساهمًا فى إنتاج أفكار جديدة، وليس مجرد مستهلك لمنتجاتها.
وتتصور بعض دول المنطقة أنها قادرة على «الفرار» الفردى أو الهروب الشخصى من هذا التخلف، بالتحالف مع العدو الرئيسى أبانا الذى فى واشنطن أو بالتطبيع مع العدو الفرعى المغتصب فى القدس، الذى ينظر إليهم باستعلاء، أعلنه كثيرًا فى الماضى، ثم ألبسه قفازًا من الكلمات المعسولة فى السنوات الأخيرة، أى أنهم يحفرون فخاخًا محكمة القبضة لاصطياد أنفسهم له!
ويقول نبيل عبدالفتاح بوضوح فى كتابه: الأطراف العربية المنخرطة فى الصراع وحروبه المتعددة تاريخيًا كان الاستبداد وغياب الحريات والبحث العلمى وقيم العمل المسئول والخلاق والكفاءة والمساواة وحقوق المواطنة أحد أهم الأسباب وراء تخلفها التاريخى وإعاقة تطورها، وضعف قدراتها على المواجهة الحاسمة مع إسرائيل فى حروبها العدوانية المتتالية.
وبالطبع ظهرت حركات المقاومة الفلسطينية وجماعاتها المختلفة فى هذه البيئة وتأثرت بالأحوال فى المحيط العربى العام.. يعنى لا نستطيع أن نستبعد السلطة الفلسطينية فى الضفة الغربية أو سلطة حماس فى غزة من هذه الأمراض المتوطنة، فكما يقول نبيل عبدالفتاح إن عدم كفاءة قادة السلطة الفلسطينية فى الضفة سواء بسبب الفساد أو الشيخوخة، هو السبب فى تمدد إيديولوجيا حماس داخل بعض مكونات المجتمع الفلسطينى، وهنا استغلت إسرائيل الصراع البينى بين حماس والجهاد والسلطة إلى المزيد من تهميش القضية الفلسطينية وإفشال حل الدولتين.
هذه الأوضاع مكنت إسرائيل من إحداث تغيرات كبرى فى الجغرافيا السياسية العربية، توسع فى الأرض والاستيطان وتكاثر المستوطنين ومحاولة تصفية القضية برمتها، على الجانب الآخر العربى تشكلت جغرافيا الهزيمة، وانتقل الصراع من تحرير فلسطين مصدرًا للشرعية السياسية فى بعض دول المواجهة إلى مجرد تحرير الأرض المحتلة فى يونيو 1967.
يستعرض نبيل عبدالفتاح تاريخ الصراع ومحاولات السلام المحكوم عليها بالفشل، فإسرائيل لا تسعى إلى السلام ولا تريده، ولا تحاول حتى تجربته، هدفها هو استكمال عمليات الاستيطان فى كل الأرض الفلسطينية، وتدمير أهلها الأصليين، لا تعمل اعتبارًا لقانون دولى أو أى حقوق إنسانية وهى حالة من الحالات الاستثنائية فى هذا المضمار، معتمدة على قدراتها الهائلة عسكريًا وتكنولوجيًا واستخباراتيًا، وأنها الأعلى والأكثر ذكاء من الفلسطينيين والمقاومة، وعلى دعم مطلق من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، ويصف موقف هذه الدول من جرائم الإبادة الإسرائيلية فى غزة دون الإشارة إلى حق مقاومة المحتل، بأن مرجعه النظرة الاستعلائية لأسطورة الإنسان الغربى الأعلى إزاء الفلسطينيين، وليس مجرد تراجع مهين فى التزام هذه الدول بالقيم الغربية المكتوبة.
لكن صدمة طوفان الأقصى صنعت تغييرًا مهمًا..
أولاً: أحيت القضية الفلسطينية وأخرجتها من حالة «الغيبوبة التامة» ونقلتها من فراش الموت إلى سرير العلاج.
ثانيًا: أعادت جزءًا من الوعى العربى المأزوم، إلى الأجيال الجديدة فى مواجهة سياسات عربية تحبذ التطبيع مع إسرائيل، باعتبار إسرائيل أحد مراكز التقدم العلمى والتكنولوجى والعسكرى فى المنطقة، فالمفأجاة التى أحدثتها المقاومة الفلسطينية والنجاح فى تنفيذ عملياتها والصمود شهورًا أمام الوحشية الإسرائيلية، قلقلت هذه القناعة، ورجحت ثقافة المقاومة الساعية إلى الحرية والتحرر والاستقلال الوطنى، وبدت كعلامة على مرحلة انتقالية تاريخية بالمنطقة، ربما تكون فيها المقاومة طريقًا لإحداث تغيرات جيوسياسية وثقافية بها فى أعقاب الحرب.
ثالثًا: صنعت وعيًا مختلفًا نسبيًا فى الرأى العام العالمى، كانت من نتائجه تظاهرات كبرى فى مدن العالم، تعبيرًا عن رفض قطاعات اجتماعية عريضة لسياسة الإبادة والمجازر الإسرائيلية والحصار والعقاب الجماعى للمدنيين الفلسطينيين، بما فيها العالم الغربى مثل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وكندا وبلجيكا وإسبانيا والدانمارك وبولندا، إزاء السقوط الأخلاقى لإسرائيل والإدارات الغربية، خاصة من نمط السياسيين الذى اعتلوا خشبة المسرح بعد الحرب الباردة، وهم لا يتمتعون بخبرات سياسية قوية سواء فى التعامل مع المشكلات الدولية، أو فى مواجهة الاتجاهات الشعبوية واليمينية والمتطرفة.
وبالطبع لعبت الفضاءات الرقمية لوسائل التواصل الاجتماعى دورًا مهمًا فى بناء هذا الوعى، الرافض للانتهاكات الوحشية، والمنحاز إلى القيم الإنسانية والقانونية والحقوقية.. وسوف يظهر تأثير كل ذلك فى السنوات القادمة.
وتلك الفضائيات الرقمية وصفها الكاتب بـ«ثورة»، وهذه الثورة وعلى رأسها منصات التواصل الاجتماعى، من خلال التليفون المحمول، نقلت مليارات غفيرة من البشر من الغياب العام إلى الحضور الكثيف فى العالم، فأصبحت تعبر عن أفكارها وتفضيلاتها وآرائها واهتماماتها ومواقفها ومعلوماتها فى كل تفاصيل الحياة سواء فى مجتمعاتها المحلية، أو فى المجتمع الدول الأوسع، يعنى فى أعمالها وقضاياها، وفى القضايا الإقليمية والدولية على حد سواء، وبالطبع أدى هذا بالضرورة إلى «انهيار فكرة الخصوصية» أو استحالة وجودها.
ولهذا أنفقت إسرائيل ملايين الدولارات فى حملات إعلامية على وسائل الاتصال الاجتماعى للتأثير على مسار الرأى العام وموقفه من الحرب فى قطاع غزة، إلى درجة أن شركة ميتا فرضت رقابة على خطابات رفض العدوان الإسرائيلى، ولكن التغييرات النسبية ما زالت مستمرة، وما زال قطاع غير قليل من الرأى العام الغربى موجوع الضمير من الوحشية التى تقتل بها إسرائيل الأطفال والنساء والمسنين والمدنيين العزل، وتدمير ما يزيد على 80 % من المبانى بما فيها الكنائس والمساجد والمستشفيات، وقد شعرت بعض الإدارات السياسية الأمريكية والغربية ببعض الإحراج الإخلاقى، وإن لم يصل «الوجع» الأخلاقى إلى مراكز صناعة القرار بعد.
والأهم أن وسائل التواصل الاجتماعى وثقت جرائم إسرائيل إلى الأبد.. وثائق يحفظها التاريخ، لتظهر فى وقت ما، دليلًا دامغًا عند الطلب المشروع.
وينتهى نبيل عبدالفتاح إلى رأى مهم: من ثم تبدو مآلات الإبادة والحرب الإسرائيلية تفتح بعض الأبواب لتغيرات مستقبلية فى بعض الدول والمجتمعات العربية.