الجمعة 4 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
المقاومة والحرية بين وحشية إسرائيل والعجز العربى!‏

المقاومة والحرية بين وحشية إسرائيل والعجز العربى!‏

ليس هذا كتابًا عاديًا، بالرغم من تقليدية موضوعه فى الفكر العربى، فالحرب التى يشنها ‏جيش الإبادة الإسرائيلى على الفلسطينيين فى غزة لما يقرب من عشرة أشهر ليست جديدة أو ‏غير مألوفة، فهو يفعلها منذ 75 عامًا، لكن فى هذا الكتاب يلقى الكاتب نبيل عبدالفتاح ‏ضوءًا شديد القوة على جانب مهم فى الصراع، جانب يتجاهله العرب دومًا فى تفسير «مجريات الأحداث»، وأسباب وصولها إلى النتائج التى نراها الآن على أرض الواقع: شعب ‏عربى فلسطينى فى أتون محرقة، وبقية العرب من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر شهود ‏عيان على الدماء المسالة والمذابح الجارية، يتفرجون كأنهم غرباء، لا يملكون إلا الدعاء ‏والرجاء والمناشدة والتدخل الأجنبى، كأنهم لم يسمعوا عن الفيلسوف بيدبا والملك دبشليم، ولم ‏يعرفوا حكايات كليلة ودمنة، وعميت عقولهم عن فهم العبارة الشهيرة «أُكلت يوم أُكل الثور ‏الأبيض»، ويتصورون أن الذئب الإسرائيلى قنوع، وقد يشبع باللحم الفلسطينى، ولا يخطط ‏لابتلاع بقية القطيع سواء بالعنف أو بالسياسة، بالتهديد أو الحيلة، تحت رعاية كبير الذئاب «الولايات المتحدة، خاصة أن التكنولوجيا الحديثة تتيح القدرة على افتراس القطيع بالريموت ‏كنترول، دون أن يكشف عن مخالبه الحادة وهى تفتك بأجساد الضحايا.‏



لجأ نبيل عبدالفتاح فى كتابه الجديد «المقاومة والحرية..غزة وسردية البطولة والإبادة» إلى ‏ثنائية الحرية والاستبداد، الديمقراطية والشمولية فى شرح ما آل إليه الصراع العربى ‏الإسرائيلى فى نهاية الربع الأول من القرن الحادى والعشرين: أظهرت حرب الإبادة ‏الإسرائيلية على الفلسطينيين فى قطاع غزة، بعضًا من حالة التفكك والتذرى فى الأوضاع ‏السياسية العربية، إذ تحولت غالبية سياسة الدول من السلوك الفعال المؤثر إلى محض خطاب ‏يطالب بوقف إطلاق النار أو هدنة إنسانية لإرسال بعض المساعدات إلى السكان ‏المدنيين..إلخ.‏

‏ وفى الحقيقة هو لا يفسر المأساة الفلسطينية وحدها، وإنما يفسر «حالة التخلف العام» التى ‏تضرب المنطقة، والتخلف هو حالة عقلية وثقافية، نمط فى التفكير والقيم والعمل والحكم ‏وليس تفاصيل مادية عن الثروات وأساليب المعيشة مثل امتلاك أبراج عملاقة ومدنًا على ‏أحدث طراز أو كومبيوتر وتليفون محمول أو فضائيات أو مركبات فاخرة، كل هذه الأشياء ‏مظاهر تمدين، لكن التقدم حالة عقلية وثقافية تنتج نظمًا جيدة الكفاءة فى إدارة الحياة: الموارد ‏والبشر، بما يضمن دوام التنمية والتقدم، لتكون شريكًا فعّالاً فى قلب الحضارة الحديثة مساهمًا ‏فى إنتاج أفكار جديدة، وليس مجرد مستهلك لمنتجاتها.‏

وتتصور بعض دول المنطقة أنها قادرة على «الفرار» الفردى أو الهروب الشخصى من ‏هذا التخلف، بالتحالف مع العدو الرئيسى أبانا الذى فى واشنطن أو بالتطبيع مع العدو الفرعى ‏المغتصب فى القدس، الذى ينظر إليهم باستعلاء، أعلنه كثيرًا فى الماضى، ثم ألبسه قفازًا من ‏الكلمات المعسولة فى السنوات الأخيرة، أى أنهم يحفرون فخاخًا محكمة القبضة لاصطياد ‏أنفسهم له!‏

ويقول نبيل عبدالفتاح بوضوح فى كتابه: الأطراف العربية المنخرطة فى الصراع وحروبه ‏المتعددة تاريخيًا كان الاستبداد وغياب الحريات والبحث العلمى وقيم العمل المسئول والخلاق ‏والكفاءة والمساواة وحقوق المواطنة أحد أهم الأسباب وراء تخلفها التاريخى وإعاقة تطورها، ‏وضعف قدراتها على المواجهة الحاسمة مع إسرائيل فى حروبها العدوانية المتتالية.‏

وبالطبع ظهرت حركات المقاومة الفلسطينية وجماعاتها المختلفة فى هذه البيئة وتأثرت ‏بالأحوال فى المحيط العربى العام.. يعنى لا نستطيع أن نستبعد السلطة الفلسطينية فى الضفة ‏الغربية أو سلطة حماس فى غزة من هذه الأمراض المتوطنة، فكما يقول نبيل عبدالفتاح إن ‏عدم كفاءة قادة السلطة الفلسطينية فى الضفة سواء بسبب الفساد أو الشيخوخة، هو السبب فى ‏تمدد إيديولوجيا حماس داخل بعض مكونات المجتمع الفلسطينى، وهنا استغلت إسرائيل الصراع ‏البينى بين حماس والجهاد والسلطة إلى المزيد من تهميش القضية الفلسطينية وإفشال حل ‏الدولتين.‏

هذه الأوضاع مكنت إسرائيل من إحداث تغيرات كبرى فى الجغرافيا السياسية العربية، توسع ‏فى الأرض والاستيطان وتكاثر المستوطنين ومحاولة تصفية القضية برمتها، على الجانب ‏الآخر العربى تشكلت جغرافيا الهزيمة، وانتقل الصراع من تحرير فلسطين مصدرًا للشرعية ‏السياسية فى بعض دول المواجهة إلى مجرد تحرير الأرض المحتلة فى يونيو 1967.‏

يستعرض نبيل عبدالفتاح تاريخ الصراع ومحاولات السلام المحكوم عليها بالفشل، فإسرائيل ‏لا تسعى إلى السلام ولا تريده، ولا تحاول حتى تجربته، هدفها هو استكمال عمليات ‏الاستيطان فى كل الأرض الفلسطينية، وتدمير أهلها الأصليين، لا تعمل اعتبارًا لقانون دولى ‏أو أى حقوق إنسانية وهى حالة من الحالات الاستثنائية فى هذا المضمار، معتمدة على ‏قدراتها الهائلة عسكريًا وتكنولوجيًا واستخباراتيًا، وأنها الأعلى والأكثر ذكاء من الفلسطينيين ‏والمقاومة، وعلى دعم مطلق من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، ‏ويصف موقف هذه الدول من جرائم الإبادة الإسرائيلية فى غزة دون الإشارة إلى حق مقاومة ‏المحتل، بأن مرجعه النظرة الاستعلائية لأسطورة الإنسان الغربى الأعلى إزاء الفلسطينيين، ‏وليس مجرد تراجع مهين فى التزام هذه الدول بالقيم الغربية المكتوبة.‏

لكن صدمة طوفان الأقصى صنعت تغييرًا مهمًا..‏

أولاً: أحيت القضية الفلسطينية وأخرجتها من حالة «الغيبوبة التامة» ونقلتها من فراش الموت ‏إلى سرير العلاج.‏

ثانيًا: أعادت جزءًا من الوعى العربى المأزوم، إلى الأجيال الجديدة فى مواجهة سياسات ‏عربية تحبذ التطبيع مع إسرائيل، باعتبار إسرائيل أحد مراكز التقدم العلمى والتكنولوجى ‏والعسكرى فى المنطقة، فالمفأجاة التى أحدثتها المقاومة الفلسطينية والنجاح فى تنفيذ عملياتها ‏والصمود شهورًا أمام الوحشية الإسرائيلية، قلقلت هذه القناعة، ورجحت ثقافة المقاومة ‏الساعية إلى الحرية والتحرر والاستقلال الوطنى، وبدت كعلامة على مرحلة انتقالية تاريخية ‏بالمنطقة، ربما تكون فيها المقاومة طريقًا لإحداث تغيرات جيوسياسية وثقافية بها فى أعقاب ‏الحرب.‏

ثالثًا: صنعت وعيًا مختلفًا نسبيًا فى الرأى العام العالمى، كانت من نتائجه تظاهرات كبرى ‏فى مدن العالم، تعبيرًا عن رفض قطاعات اجتماعية عريضة لسياسة الإبادة والمجازر ‏الإسرائيلية والحصار والعقاب الجماعى للمدنيين الفلسطينيين، بما فيها العالم الغربى مثل ‏بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وكندا وبلجيكا وإسبانيا والدانمارك وبولندا، إزاء السقوط ‏الأخلاقى لإسرائيل والإدارات الغربية، خاصة من نمط السياسيين الذى اعتلوا خشبة المسرح ‏بعد الحرب الباردة، وهم لا يتمتعون بخبرات سياسية قوية سواء فى التعامل مع المشكلات ‏الدولية، أو فى مواجهة الاتجاهات الشعبوية واليمينية والمتطرفة. ‏

وبالطبع لعبت الفضاءات الرقمية لوسائل التواصل الاجتماعى دورًا مهمًا فى بناء هذا الوعى، ‏الرافض للانتهاكات الوحشية، والمنحاز إلى القيم الإنسانية والقانونية والحقوقية.. وسوف ‏يظهر تأثير كل ذلك فى السنوات القادمة.‏

وتلك الفضائيات الرقمية وصفها الكاتب بـ«ثورة»، وهذه الثورة وعلى رأسها منصات ‏التواصل الاجتماعى، من خلال التليفون المحمول، نقلت مليارات غفيرة من البشر من ‏الغياب العام إلى الحضور الكثيف فى العالم، فأصبحت تعبر عن أفكارها وتفضيلاتها وآرائها ‏واهتماماتها ومواقفها ومعلوماتها فى كل تفاصيل الحياة سواء فى مجتمعاتها المحلية، أو فى ‏المجتمع الدول الأوسع، يعنى فى أعمالها وقضاياها، وفى القضايا الإقليمية والدولية على حد ‏سواء، وبالطبع أدى هذا بالضرورة إلى «انهيار فكرة الخصوصية» أو استحالة وجودها.‏

ولهذا أنفقت إسرائيل ملايين الدولارات فى حملات إعلامية على وسائل الاتصال الاجتماعى ‏للتأثير على مسار الرأى العام وموقفه من الحرب فى قطاع غزة، إلى درجة أن شركة ميتا ‏فرضت رقابة على خطابات رفض العدوان الإسرائيلى، ولكن التغييرات النسبية ما زالت ‏مستمرة، وما زال قطاع غير قليل من الرأى العام الغربى موجوع الضمير من الوحشية التى ‏تقتل بها إسرائيل الأطفال والنساء والمسنين والمدنيين العزل، وتدمير ما يزيد على 80 % ‏من المبانى بما فيها الكنائس والمساجد والمستشفيات، وقد شعرت بعض الإدارات السياسية ‏الأمريكية والغربية ببعض الإحراج الإخلاقى، وإن لم يصل «الوجع» الأخلاقى إلى مراكز ‏صناعة القرار بعد.‏

والأهم أن وسائل التواصل الاجتماعى وثقت جرائم إسرائيل إلى الأبد.. وثائق يحفظها التاريخ، ‏لتظهر فى وقت ما، دليلًا دامغًا عند الطلب المشروع.‏

وينتهى نبيل عبدالفتاح إلى رأى مهم: من ثم تبدو مآلات الإبادة والحرب الإسرائيلية تفتح ‏بعض الأبواب لتغيرات مستقبلية فى بعض الدول والمجتمعات العربية.‏