الجمعة 4 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
الناس والسلطة وصناعة الديمقراطية!‏

الناس والسلطة وصناعة الديمقراطية!‏

تبدو السياسة أمام الناس العاديين لغزًا محيرًا، أو باب مغارة تشبه مغارة على بابا والأربعين ‏حرامى، لا يعرف كلمة السر لعبورها إلا كائنات خاصة من البشر يسميهم هؤلاء العاديون ‏‏«السياسيين»، وشىء طبيعى أن يتصور الناس البسطاء فى بلادنا عالم السياسة على هذا النحو ‏الفلكلورى، لأن أغلب النخب المثقفة تتحدث إليهم عن نزاهة انتخابات ورقابة قضائية على ‏صناديق التصويت وتداول سلطة وتعديلات دستورية وتوازن بين السلطات وصلاحيات ‏البرلمان، دون أن يفسروا لهم ما علاقة هذه القضايا المعقدة بحياتهم اليومية وأحوالهم ‏المعيشية، والناس فى بلادى عاشت أكثر من قرنين فى العصر الحديث بلا تراث صحيح ‏وحقيقى فى الديمقراطية ومفاهيم السياسة.. فكيف يستوعبون هذه المصطلحات المعقدة حتى لو ‏عاشوا فى عصر مفتوح بلا جدران ولا أسرار ولا أخبار مكتومة؟



وأذكر حين قرر الرئيس الأسبق حسنى مبارك إجراء تعديلات على الدستور بأن يسمح لأكثر ‏من مرشح بالتنافس على منصب رئيس الجمهورية، أن سألتنى الست « فتحية» فى قريتى: ‏يعنى يا أستاذ ممكن الأسعار ترخص؟

بسطاء الناس لا يعرفون أن السياسة هى رغيف الخبز وقرص الطعمية وكوب اللبن وجدران ‏البيت ومريلة المدرسة وقرص الدواء ومصروفات الأولاد وشكل الشارع وإشارات المرور ‏ونظافة المدن من القمامة ومستوى المرافق العامة والشعور بالأمن والسلامة.. إلخ.‏

ولأنهم لا يقولون للناس ذلك، يبتعد الناس عن السياسة، وهم لا يدركون أنهم يتخلون طواعية ‏عن المشاركة فى إدارة شئون حياتهم، ويتحملون فقط نتائج قرارات هؤلاء السياسيين الذين ‏ينفردون بالوظائف الرسمية العليا، وتظل الأحزاب مجرد مقارات للكلام والجدل والأفكار، ‏أشبه بمؤسسات ثقافية محدودة الإبداع، وبالطبع حسب مستوى أصحابها والقابضين على ‏أمورها كما تقبض شباك الصياد على الفرائس التى تسقط فيها.‏

وأتصور لو أن الناس أدركت أن السياسة هى حياتهم اليومية بكل تفاصيلها، لتغيرت ‏سلوكياتهم حتى لو كان تغيرًا بطيئًا ـ ونفضوا عن أنفسهم غبار الصبر وانتظار الفرج، ونزلوا ‏إلى معترك الشارع السياسى فاعلين فيه، مهما كانت متاعبه.‏

وهذه العلاقة بين الناس والسياسة والسلطة والديمقراطية، شغلت تفكير عالم السياسة ‏الأمريكى الدكتور روبرت بوتنام الأستاذ بكلية جون. ف كينيدى بجامعة هارفارد، فظل يبحث ‏فيها ويؤلف الكتب ويكتب المقالات دون توقف، لما يقرب من نصف قرن، عمره الآن 83 ‏سنة، ليثبت أن رأس المال الاجتماعى هو أكثر العناصر أهمية فى نجاح أى ديمقراطية، وقد ‏فسر هذه العبارة فى كتاب مهم للغاية هو «كيف تنجح الديمقراطية».‏

ويتشكل رأس المال الاجتماعى من نوعية العلاقات بين أفراد المجتمع على كل مستوياته ‏المحلية: الشارع، الحى، المنطقة، المدينة، ثم الدولة نفسها.. ويستمد قوته وفاعليته من عناصر ‏كثيرة، مثل الثقة العامة، التعاون، التضامن، شبكات التواصل والاتصال بين المواطنين، تبادل ‏المنفعة والحرص على المصالح المشتركة.‏

وأتصور أن نظرية الدكتور بوتنام قد تساعد مجتمع مثل مجتمعنا، فى صناعة نظام عام ‏كفء، ندير به مواردنا بشرا وثروة، والنظام العام يتكون من القوانين والقواعد والإجراءات ‏المنظمة لأنشطة المجتمع فى كل مجالات الحياة.‏

وقد نسأل: هل لدينا رأس مال اجتماعى فى بلادنا؟

بالطبع لدينا، ولا يخلو أى مجتمع من رأس مال اجتماعى، لكن مقداره وفاعليته هما اللذن ‏يحددان قيمته فى حياة الناس.‏

ومن باب تقريب الفكرة، أسألكم: ما هى نوعية العلاقة بين كل منا وبين بقية سكان عمارته أو ‏جيرانه فى العمارات المجاورة أو حيه الأكبر؟، هل تساهمون جميعًا فى إصلاح الأسانسير ‏كلما عطل دون تأخير أو مماطلة أو رفع شعار «أنا مش دافع»؟ ما مستوى النظافة فى مدخل ‏العمارة والمناور والسلالم والشوارع المحيطة؟ هل تنتظمون فى دفع مصروفات الصيانة ‏الشهرية للبيت الذى تسكنون فيه أم يطنش أحدكم ويدفع شهرًا ويؤجل شهرين؟

أسئلة عادية جدًا، لأن المرء يسمع حكايات عن علاقات السكان فى عمارات كثيرة يندى لها ‏الجبين، وأحيانًا يصعب تصديقها؟، ألم نصل إلى مفتاح للأسانسير لجماعة السكان الذين ‏يدفعون فقط؟، باختصار الذين لا يدفعون يبددون رأس المال الاجتماعى لسكان العمارة!‏

وطبعا لو خرجنا إلى الشارع ونظرنا إلى ما نفعل سواء ونحن مشاة أو راكبو سيارات أو ‏أصحاب محلات، فسنجد أننا جميعًا من مبددى هذه الثروة إلا من رحم ربى.

وهذا يفسر لنا جانبًا مهمًا من ضعف المجتمع المدنى فى بلادنا، فأى مجتمع يصبو إلى تحسين ‏نوعية الحياة لمواطنيه، يجب أن يتميز بمنظمات مدنية نشيطة وغيورة على المصلحة العامة ‏وبعلاقات مبنية على المساوة والثقة.‏

باختصار نحن المواطنين نلعب ضد مصالحنا، وطبعًا لا أنكر حرص السلطة دائمًا فى ‏حرمان مجتمعها من رأس مال اجتماعى فعال، حتى تتمكن من السيطرة وتنفيذ ما يحلو لها.‏

وقد لا تصدقون نظرية رأس المال الاجتماعى وتعتبرونها نوعا من الفلسفة الزائدة، وكلام ‏ناس أيديها فى الماء البارد، لكن الدكتور بوتنام حولها بالمتابعة والدراسة والإصرار إلى ‏واقع، وأجرى مشاهداته وتفسيرات على دولة من دول حوض البحر المتوسط وهى إيطاليا.‏

وإيطاليا، بالرغم من أوروبيتها، كانت المناطق الجنوبية منها حتى نهاية السبعينيات فى منتهى ‏التخلف، وحسب وصف الدكتور بوتنام كان السفر من مدينة سفيزو فى الشمال، على بعد 17 ‏كيلومترا من ميلانو، إلى مدينة بيتر ابرتوزا فى الجنوب، بمثابة سفر فى الزمن، من العصر ‏الحديث إلى القرون الوسطى، فالكثير من سكان بيتر ابرتوزا كانوا يسكنون الأكواخ، أما من ‏حجرة واحدة أو حجرتين، مثبتة على سطح الجبل، لا مياه جارية ولا مرافق عامة، وكانت ‏الحمير وسيلة الانتقال.. إلخ.‏

وعن طريق تعظيم رأس المال الاجتماعى تخلصت هذه المناطق من والقرى من ثباب التخلف ‏وأفكاره، وهرعت إلى عصرها الحديث فى أقل من عشرين سنة، وإن لم تصل فى رقيها إلى ‏الأحوال فى ميلانو أو تورينو أو روما.‏

إيطاليا نفسها لم تكن دولة بالمعنى الحديث إلا فى عام 1860، فأغلب سكانها لا يتحدثون لغة ‏قومية، لكن بعد تكوين الدولة، كان شعار حكامها: «بعد أن صنعنا إيطاليا، علينا الآن أن ‏نصنع الإيطاليين»، إذ كانت الاتجاهات الرجعية للكنيسة والفلاحين عائقا شديدا أمام عملية ‏التحديث.‏

وقبل أن تبدأ إيطاليا فى تحديث الجنوب، كانت قد أحدثت قدرا من التحول الاجتماعى ‏والاقتصادى ما بين عامى 1950 و1970، بعد الدمار الذى سببته الحرب العالمية الثانية، ‏كان تقدما لم يسبق له مثيل لا فى إيطاليا ولا فى أى دولة غربية، وتركز معظمه فى المناطق ‏الشمالية، فتحسنت نظم التعليم والتغذية والصحة وانخفضت الأمية وتغيرت الوظائف وشكل ‏المنازل وأساليب الحياة.. إلخ

وكانت فكرة صناعة حكومات إقليمية فى 15 مقاطعة إيطالية هدفها التعجيل بالتنمية ‏الاجتماعية والاقتصادية، ولم يكن ذلك سهلا، فهى قادمة من «حالة تخلف» وأعداء التحديث ‏كثيرون أولهم البيرقراطيون والرجعيون وعشاق السلطة.‏

لكن العجلة دارت ولم يستطع أحد إيقافها، لاسيما أن غالبية الطليان انحازوا إلى اللا مركزية، ‏ونجحت التجربة نجاحت رائعا، خاصة أن الناس العاديين لم يجلسوا فى بيوتهم أيديهم على ‏خدودهم منتظرين رجال المحليات أن يديروا الإقليم بالطريقة التى يريدونها، بل كان هؤلاء ‏الناس جزءا من عملية التغيير، على كل المستويات، القرى الصغيرة والأحياء والمدن، وكانوا ‏يفرضون أجندة العمل على رجال المحليات حسب المصلحة العامة.‏

وبالتدريج نمت الأفكار المعتدلة وانكمشت الأفكار المتشددة، لأن التوازن بين الرغبات ‏المختلفة والمصالح المتناقضة كان السبيل الوحيد لدوران عجلة الأداء العام دون أن تتعطل.‏

بالطبع لم يحدث هذا بسهولة أو يسر، بل كان التغيير فى أوله شديد البطء وغير ملحوظ ويكاد ‏يدفع إلى اليأس، لكن مع الإصرار والاستمرار تسارع الإيقاع، وتحسنت أحوال الناس ‏اجتماعيا واقتصاديا بشكل كبير.‏

كان المجتمع المدنى هو عماد النجاح الأول، ولا يقصد به الأحزاب السياسية فقط، بل أندية ‏كرة القدم للهواة، جمعيات الغناء الكورالى، الجمعيات الأدبية، أندية التجوال والجولة، ‏جمعيات الصيادين.. إلخ.‏

هل يمكن أن نصنع فى مصر جمعيات فى كل قرية وحى: للنظافة وتعليم الكبار والتوعية ‏العامة والدفاع عن المسستهلك وصيانة المبانى والحفاظ على الطرق من التعديات، والتشجير، ‏ومساعدة الأسر الفقيرة.. إلخ.‏

دور الناس يجبر الحكومة أن تعمل لهم ألف حساب، مواطنون مدافعون عن حقوقهم فى ‏العمارة والشارع والحى والمدينة، هذه ليست تصورات ساذجة أو رومانسية، فلا تنتظرون أن ‏تغير السماء حياتكم، بل من جمعيات صغيرة ومنظمات صغيرة، وأعظم الانتصارات من ‏أبسط الأشياء.