الإثنين 22 يوليو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

النسوية الإسلامية (الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ): خاتم الأنبياء.. والهجرة للرجال والنساء! "101"

يرى البعضُ أن تعاليم الإسلام تنظر للأنثى نظرة دونية مقارنة بالذكر، وهى رؤية تأسَّست على فهم غير صحيح لآيات قرآنية، مثل قوله تعالى: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) الزخـرف 19، (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ) الطور 39، (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى) النجم 21.



مع بداية كل عام هجرى تأتى ذكرى هجرة النبى عليه الصلاة والسلام، باعتبارها حادثًا فصل بين الاضطهاد فى مكة والاستقرار فى المدينة، وأن الهجرة حدثت وتكررت فى سيرة أغلب الأنبياء السابقين. 

لقد واجه الأنبياء نفس المواقف والأقوال من الكفار: (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ) فصلت 43، وكان الكفار يهددون الأنبياء واتباعهم بالطرد والنفى اذا لم يعودوا إلى الكفر: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا) إبراهيم 13، مثلما حدث مع النبى شعيب عليه السلام: (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا) الأعراف 188. ولم يتغير موقف الكفار من النبى محمد عليه الصلاة والسلام: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ) الأنفال 30، وقد اضطر الكثير من الأنبياء للهجرة: (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِى أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ) محمد 13، ولكن رسالته عليه الصلاة والسلام لم تكن كالرسالات السابقة، فقد جاء لكل الناس، لذلك لم يعد هناك مجال لإهلاك الكافرين كما حدث فى الرسالات المحلية السابقة.

قال تعالى: (فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) آل عمران 195.

الهجرة والجهاد:

والهجرة مرحلة من مراحل الجهاد، وبالهجرة من مكة إلى المدينة انتقل النبى والمسلمون من الجهاد بالقول إلى الجهاد بالقتال، يتضح ذلك فى الارتباط بين الهجرة والجهاد وتفضيل من جمع بينهما: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) التوبة 20.

واعتبار الهجرة جهادًا يتضح فى فعل النبى حين خطط لهجرته وأخفى الميعاد وأحسن اختيار الرفيق فى الرحلة وهو أبوبكر الصديق، كما حدد الأدوار فهناك دور الإمداد والتموين لأسماء بنت أبى بكر، ودور الاستطلاع لعبد الله بن أبى بكر، ودور التمويه لعامر بن فهيرة، ودور الدليل لعبد الله بن أريقط، ونفس التخطيط كان يمارسه فى معاركه.

هجرة النساء:

بعض الرجال تكاسل عن الهجرة، وبعض المؤمنات هاجرن مع أزواجهن، وبعضهن هاجرن وحيدات وتركن أزواجهن خلفهن، مما يدل على مدى الفاعلية فى اشتراك المرأة فى أهم الأحداث.

وفى قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ) البقرة 218، دليل على وجود مهاجرات ضمن قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا)، و(الَّذِينَ هَاجَرُوا). 

بعضهن هاجر إلى المدينة، وكان منهن أقارب للنبى، غير متزوجات، وقد أحل الله تعالى للنبى أن يتزوج منهن ليعولهن: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِى آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاَّتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ) الأحزاب 50. 

وبعد استقرار المسلمين فى المدينة ونزوحهم عن مكة ظل الإسلام فى مكة موجودًا ولكن خافيًا، وبعض من أسلم فضل البقاء فى مكة وهو يكتم إسلامه، وقد هدى الله تعالى المؤمنين لقرار بعدم اقتحام مكة عند بيعة الرضوان حتى لا يقع ضحايا مؤمنين من أهل مكة: (وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ) الفتح 25، أى كان فى مكة رجال مسلمون ونساء مسلمات بعد رحيل المسلمين عنها.

وبعض المؤمنات آثرن الهجرة واللحاق بالمسلمين فى دولتهم الجديدة، وقد تركن الوطن والأهل والزوج، كما كانت تلك الهجرات متتابعة، لذلك نزل القرآن الكريم يأمر المؤمنين بإجراء اختبار لأولئك المهاجرات لمعرفة نواياهن، وذلك حسب الظاهر لأنه لا يعلم السرائر إلا الله تعالى، فإذا وثقوا فيهن وإلى أنهن هاجرن بدافع الإيمان وليس بسبب ظروف أخرى فلا يرجعوهن إلى أزواجهن الكفار بعد أن ارتضت النساء بالانفصال عنهم: (وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ) الممتحنة 11.

كما نزل الأمر للنبى بأن يبايع أولئك المهاجرات على تعاليم الإسلام العقيدية والأخلاقية: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) الممتحنة 12.

ومبايعة النساء للنبى عليه الصلاة والسلام تدل على استقلال شخصية المرأة، وأنها ليست مجرد تابع للرجل بل هى تبايع كما يبايع الرجل، وأن بيعة النساء هى بيعة الإسلام والطاعة لرسول الله، وهذه يستوى فيها الرجال والنساء.

بعض النساء سبقن بعض الرجال فى اعتناق الإسلام ودفعن الثمن عذابا، كما حدث مع أم شريك وأهلها، مما يؤكد أسبقية بعضهن لأهلها فى الإسلام، فقد حدث حين لجأ النبى إلى ثقيف بالطائف ليجد عندهم العون، أن قابلته أم عبد ربه بن الحكم وأسلمت وظلت على إسلامها إلى أن ماتت بين قومها.

وفى يثرب قبل الهجرة أسلمت نساء كثيرات قبل أزواجهن، منهن حواء بنت يزيد التى أصرت على الإسلام برغم اضطهاد زوجها قيس بن الخطيم لها، وبعد دخول النبى المدينة أسلمت كثيرات قبل أزواجهن، ومنهم أم سليم وكان زوجها مشركا ومازالت به حتى أسلم، ثم مات عنها، وخطبها أبوطلحة فجعلت صداقها منه أن يدخل الإسلام، فأسلم وتزوجها.

وصبية صغيرة تركت أهلها وهاجرت للنبى بعد صلح الحديبية، وهى أم كلثوم بنت عقبة بن معيط، وجاء أهلها للنبى يسألونه أن يردها إليهم، فرفضت، ورفض النبي.

وأخت عمر بن الخطاب أسلمت قبله، وكانت سببًا فى إسلامه حين ضربها وأدمى وجهها، وأم حبيبة أسلمت قبل أبيها أبوسفيان بن حرب، وزينب بنت النبى أسلمت قبل زوجها أبوالعاص بن الربيع.

 المرأة فى الهجرة:

وكانت المرأة تهاجر مع زوجها وأهلها إلى المدينة، وقبلها إلى الحبشة مرتين، لقد بلغ عدد المهاجرات للحبشة فى الهجرة الأولى ست عشرة امرأة، وفى الهجرة الثانية لها كان عددهن تمانى عشرة، وبعضهن هاجرن للحبشة فى المرتين.

ومن المهاجرات للحبشة رقية بنت النبى مع زوجها عثمان بن عفان، وأم حبيبة بنت أبى سفيان، وأم سلمة وريطة بنت الحارث، ورملة بنت أبى عوف، وعمرة بنت السعدى، وأم كلثوم بنت سهيل عمرو، وأسماء بنت عميس، وفاطمة بنت صفوان بن امية، وسهيلة بنت سهيل بن عمرو.

وبعض المهاجرات هن بنات لآباء لهم تاريخ فى عداء الإسلام، مثل أبى سفيان وسهيل بن عمرو وصفوان بن أمية، وقد أسلموا كلهم بعد فتح مكة، بينما كانت بناتهم من السابقات فى الإسلام وفى الهجرة.

ثم كانت الهجرة الكبرى للمسلمين من الرجال والنساء من مكة إلى المدينة، وفى الروايات أن أسماء بنت أبى بكر أسهمت فى تدبير هجرة النبى وأبيها واكتسبت لقب ذات النطاقين، حيث كانت تمدهما بالطعام والشراب، ثم هاجرت وهى حامل فولدت ابنها عبد الله بن الزبير فى قباء، فكان أول مولود من المهاجرين.

وكان المؤرخ ابن سعد مؤلف كتاب الطبقات الكبرى، فى تأريخه لبعض نساء المدينة، يكرر عبارة انها أسلمت وبايعت النبى، وذلك دليل على مبادرة المرأة بالإسلام، ومبايعتها للنبى على نصرته وتأييده مثلها مثل الرجل تمامًا: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ) الممتحنة 12.

وبالنسبة لنساء الأنصار فقد بدأن بمبايعة النبى فى بيعة العقبة الثانية حيث كان منهن امرأتان هما ام منيع وأم عمارة، وفى المدينة توافد عليه الرجال والنساء يبايعونه، وكانت ليلى بنت الخطيم اول امرأة بايعت النبى وكان معها ابنتاها وابنتان لابنتيها، هذا بينما قامت أم شريك الأنصارية بفتح أبواب بيتها لضيافة المهاجرين والمهاجرات.

ان الهجرة فى تاريخ الأنبياء السابقين كانت تعنى الخروج بالأقلية المؤمنة فرارًا من اضطهاد القوم الكافرين، وترك الكفار ليلاقوا العذاب الذى تم وعدهم به، ولكن الهجرة فى سيرة النبى عليه الصلاة والسلام كانت خروجًا مؤقتًا بالأقلية المؤمنة فرارًا من اضطهاد القوم الكافرين، ثم الاستعداد لجهادهم من أجل نصرة الحق.

لقد ارتبطت الهجرة فى رسالة القرآن الكريم بالجهاد لأن الرسالة خاتمة وعالمية، وبهذا انتهى نزول الاهلاك العام للكافرين، وأصبح على النبى واتباعه أن يواجهوا الكفار بالصبر استعدادًا للجهاد، وجاءت الهجرة لتعبر عن الانتقال من مرحلة الصمود والصبر إلى مرحلة القتال دفاعًا عن النفس وعن حرية العقيدة.