
نبيل عمر
الديون والسيطرة والمؤامرة فى النظام العالمى!
لا يصدق كثير من الناس، والكاتب منهم أن المصادفة أو المفاجأة يمكن أن تلعب دورا ذا أهمية فى النظام العالمى أو الإقليمى، أقصد علاقات الدول ببعضها، أيا كانت مواقعها الجغرافية، فى قارات مختلفة أو إقليم واحد، من أول التجارة العادية إلى الاحتلال العسكرى، لا شىء يسقط من الفضاء الخارجى، كله عمل وتخطيط وتدبير وتنفيذ، سواء من دولة أو دول متحالفة أو دول متنافسة، أحيانا ينجح التخطيط وأحيانا يفشل، لكن القوة العسكرية غالبا لها الكلمة العليا إلا فى حروب الاستقلال والحرية، إرادة الشعوب هى الحاكمة حسب قدرتها على التضحية، يعنى لا حرب روسيا وأوكرانيا مصادفة، ولا حرب الإبادة فى غزة مصادفة، ولا حالات التوتر فى أى منطقة فى العالم مصادفة حتى لو كانت مجرد «خلافات طبيعية» لم يستطع أطرافها سد الفجوة بينهم بالمنطق والعقل وقواعد القانون الدولى.
وإذا كان فيسلوف اليونان أرسطو، قال: إن الفن فى جوهره هو محاكاة للطبيعة والواقع، وأرسطو أول من أسس نظام شامل للفلسفة الغربية فى علوم الجمال والأخلاق والمنطق والسياسة والميتافيزيقا «دراسة جوهر الأشياء فى الوجود»، فإن الفن تجاوز هذا القول، فأحيانا يسبق الواقع كما فعل المبدع العظيم ليوناردو دافنشى فى لوحاته التى رسم فيها الطائرة والدبابة قبل أن يخترعها البشر بقرون، وأحيانا يفك شفرته وألغازه ويفسرها ببساطة مدهشة، كما فعلت عشرات الأفلام السينمائية ومنها فيلم «الدولى».
ربما لهذا السبب كلما عرض على أى فضائية فيلم «الدولى» أتسمر أمامه كأننى أراه لأول مرة، وقبل أيام فعلتها للمرة العاشرة، الفيلم يفسر لنا قضايا شديدة التعقيد فى عالمنا المعاصر، حروب أهلية، مؤامرات، تجارة سلاح، انقلابات، أزمات ديون دولية.
وبالطبع اسم الفيلم له دلالة كاشفة، وأنتجته هوليوود فى عام 2009، وأخرجه الألمانى توم تايكوير، واستوحاه الكاتب إريك واين سنجر من «ثلاث وقائع حدثت بالفعل»، على مدى 13 سنة..
الأولى: اغتيال جورجى ماركوف بالتسمم فى لندن عام 1978، وهو كاتب بلغارى فر من بلاده وشن حملات ضد النظام البلغارى السوفيتى الحاكم.
الثانية: مقتل روبرت كالفى فى عام 1882، وهو رئيس بنك إمبروسيانو الإيطالى، وقيل إنه كان صاحب صلات بالمافيا الصقلية، ووصفته الصحافة بـ«مصرفى الرب»، بسبب علاقاته التجارية الوثيقة مع الكرسى الرسولى فى روما، وقد وجدوه مشنوقا فى لندن، ودارت الشكوك حول موته، هل شنق نفسه أم شنقه آخرون؟، وأغلقت القضية فى عام 2007، أى بعد ربع قرن دون إجابة شافية.
الثالثة: أزمة بنك الائتمان والتجارة الدولى فى عام 1991، وكان البنك يمنح قروضا كبيرة لدول يصنفها النظام العالمى بأنها «مارقة»، وفى الوقت نفسه يعمل وسيطا فى تجارة الأسلحة!
لم أتوقف عند جريمة الاغتيال أو واقعة الشنق، ما يهمنا هو البنك، إذ كان أداة فاعلة من أدوات النظام العالمى فى صناعة الصراعات وإدارتها، وقد عدل الكاتب اسمه إلى بنك الاعتماد والتجارة، حتى لا تطوله الإجراءات القانونية، لكنه حافظ على أمرين، اختصاره «بى سى سى أى» ومدنية المقر لوكسمبروج، ولوكسمبورج مدينة مؤثرة دوليا بها مقرات عدد وفير من المنظمات والمؤسسات الدولية، وتعرف فى أروقة الحكومات بأنها «وسيط الاتفاقات والمعاهدات»، وهى نواة الاتحاد الأوروبى، لكن البنك الفعلى تأسس أولا فى لندن عام 1972 بشراكة بين بنك أمريكى وجهات عربية بنسبة 25 % و75 % على الترتيب، وكان من أوائل البنوك التى دخلت إلى الصين مع انفتاحها على العالم.
المدهش أن الاتهامات الجنائية التى لاحقت البنك الفعلى كان يمكن أن تُسجن المتورطين فيها مدى الحياة، وهى غسل الأموال، الرشاوى، دعم الإرهاب، تجارة السلاح، بيع تكنولوجيا نووية، التهرب الضريبى، التهريب، الهجرة غير الشرعية، شراء بنوك وعقارت بطرق غير شرعية، حتى إن البعض أطلق عليه بنك المنحرفين والمجرمين الدولى، لكن لا المؤسس له الرائد الباكستانى أغا حسن عبادى، ولا أصحاب رأسماله طالتهم أى مساءلة قانويية، فقط سقط البنك كما لو كان نقطة فى الفراغ، تهاوت بفعل الجاذبية الأرضية، كما لو الروابط التى ظلت تحمله طوال 19 عاما قد تفككت فجأة، ويبدو أن الذين حموا البنك وسمحوا له بالعمل تحت مظلتهم الخفية قد رأوا أن دوره قد انتهى، وعليه أن يختفى ومعه كل العمليات التى ارتكبها، والأطراف المستفيدة منها. ولا تسألوا: ماذا حدث مع البنك الأمريكى الذى كان يملك 25 % من أصول البنك المختفى، والتى تجاوزت عشرين مليار دولار؟. قطعا لم يقترب منه أحد، ولم يرد اسمه فى أى تحقيقات، ومازال البنك الأمريكى واحدا من أكبر المؤسسات المالية فى العالم، كما لو أن عمليات بى سى سى أى، كانت تجرى بغير علم مجلس إدارته، الذى يضم بين عضويته البنك الأمريكى.
المهم أن كاتب السيناريو إريك سينجر اختار تجارة السلاح وغسل الأموال ودعم الإرهاب وزعزعة استقرار الحكومات من قائمة الجرائم التى تورط فيها البنك المفضوح فعلا، وبنى عليها حبكة الفيلم البوليسية.. وتبدأ الحكاية باغتيال محاسب فى البنك كان على موعد مع ضابط الإنتربول لويس سالنجر، ضباط نشيط يتعقب عمليات البنك من سنوات دون جدوى، وكان المحاسب سيسلم له أدلة قاطعة على تلك الجرائم، ولكن المحاسب قُتل بالطريقة التى اغتيل بها الكاتب البلغارى فى لندن، وكعادة هذه النوعية من الأفلام تحتدم المطاردة بين سالنجر ومعه الشقراء إلينور ويتمان مساعدة المدعى العام لولاية نيويورك، والقاتل المحترف الذى يستأجره البنك لتصفية أى أخطار تلوح فى الأفق، وكان القبض على القاتل المحترف ضرورة حتى يمكن ربط عمليات الاغتيال بالبنك، وليس هذا هو المهم، وإنما الذى شدنى مشهدان مفتاح.. المشهد الأول: مواجهة بين ضابط الإنتربول ومساعدة المدعى العام، وصانع أسلحة هو أمبرتو كالفينى، إيطالى وشخصية عامة، قرر أن يرشح نفسه رئيسا للوزراء..وكان صديقا لمحاسب البنك المُغتال.
إلينور: لماذا يدعم البنك شراء نظام توجيه صواريخ من شركتك؟
كالفيني: البنك استثمر مليارات الدولارات فى بيع هذا النوع من الصواريخ الصينية ويلزمها نظام التوجيه، وشركتى واحدة من اثنتين فى العالم تنتج نظام التوجيه.
إلينور: ولماذا يستثمر البنك فى هذه الصواريخ؟
كالفينى: 99 % من الصراعات فى العالم تستخدم الأسلحة الخفيفة، ولا توجد دولة تنتج هذه الأسلحة أسرع وأرخص من الصين، ويعمل البنك على أن يكون السمسار الرئيسى لها فى دول العالم الثالث.
سالنجر: يستثمر بلايين الدولارات لمجرد أن يكون سمسارا، هذا تدمير لصناعة الربح.
كالفيني: لا.. لا يهتم بصناعة الربح من تجارة السلاح، هدفه هو السيطرة.
إلينور: السيطرة على السلاح يعنى السيطرة على الصراعات.
كالفيني: لا لا لا.. بى سى سى أى هو بنك، ولا يستهدف السيطرة على الصراعات، وإنما السيطرة على الديون، الديون الناتجة عن الصراعات، الديون هى القيمة الحقيقية والفعلية للصراعات..أنت تسيطر على الديون، أنت تسيطر على كل شىء، لا تندهشوا.. هذا هو دور البنك مع الدول والأفراد أن يكونوا عبيدا للديون.
ولا نستطيع الجزم هل هذا الحوار من بنات أفكار كاتب السيناريو كاملا، أم استوحاه من وقائع حدثت أو مقابلة أجراها مع مسئول كبير فى بنك الائتمان والتجارة الدولى بعد انهياره.. لكنه حوار فيه كل ملامح الواقع وتجارب التاريخ الحديث حرفيا. ويصف كبار خبراء الاقتصاد فى العالم أزمة الديون الدولية بأنها عجز عدد كبير من دول العالم الثالث عن سداد الفوائد الباهظة، فتضطر الدولة المدينة أن تضحى بمصادرها الطبيعية حتى تتمكن من إعادة السداد مستقبلا. المشهد الثانى ينصب على كيفية عمل النظام الدولى، وخاصة فى دول الغرب، على حماية هذه النوعية من البنوك.. وجرى بين الضابط سالينجر وفيكسلر مستشار البنك حين قبضت عليه شرطة نيويورك، وكان المستشار شيوعيا سابقا وضابطا فى جهاز الأمن السرى فى ألمانيا الشرقية، قبل سقوط سور برلين.
سالينجر: يجب أن نضع حدا لما يفعله البنك..
فيكسلر: لن تستطيع.. الجميع متورط فى عملياته وسوف يحمونه، حكومات ومؤسسات وكارتيل المخدرات وأجهزة سرية ونظام العدالة الذى تعملون به.
سالينجر: والحل؟
فيكسلر: من خارج نظام العدالة الرسمى.
ويتحرك سالينجر خارج النظام، ويتسبب فى مقتل رئيس البنك الفاسد، لكن البنك يستمر كما هو.
هذا الفيلم يفسر ببساطة لماذا لا ينتهى الإرهاب وكيف تغسل كارتلات الجريمة المنظمة أموالها ومن يتحكم فى اضطرابات دول العالم الثالث.>