الأحد 23 يونيو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
انسحاب طال انتظاره

انسحاب طال انتظاره

رُغْمَ أن كلمة انسحاب فى حد ذاتها يرفضها الجميع لارتباطها المباشر بالعمليات العسكرية؛ فإن كلمة الانسحاب التى أعنيها فى هذا المقال محببة إلى نفسى، وأنا على يقين أيضًا أنها محببة لنفس جُل مصرى، ولهذا تحديدًا أشكر الدولة المصرية على قرارها المهم بانسحاب مصر من الاتفاقية الدولية لتجارة الحبوب، الذى أرى من وجهة نظرى أنه قد تأخر كثيرًا، رُغم ما أثاره من تساؤلات عديدة حول أسباب اتخاذه لدى البعض، لا سيما أن مصر تُعَد إحدى أكبر الدول المستوردة للقمح فى العالم؛ فإنها رأت أن الاتفاقية المنوط بها تغطية تجارة الحبوب على مستوى العالم، غير ذات جدوى اقتصادية بالنسبة لها؛ خصوصًا فى الوقت الحالى.. بالمناسبة القرار لم يؤخذ اعتباطا ودون فهم ولكن اتخذ بعد تقييم ودراسات قامت بها وزارتا التموين والتجارة، وخلص إلى أن عضوية مصر فى المجلس لا تنطوى على قيمة مضافة، عقب فترة من الاضطرابات فى أسواق الحبوب على خلفية الأزمة «الروسية- الأوكرانية»، وفى ظل مخاوف مرتبطة بالأمن الغذائى العالمى، مما زاد من أعباء الدولة المصرية التى تدفع التزاماتها المالية من جراء انضمامها إلى هذه الاتفاقية بالدولار، فى حين أننا من الممكن أن نستورد القمح من روسيا بالروبل بعد أن أعلن البنك المركزى الروسى مؤخرًا البدء فى تحديد أسعار الروبل مقابل مجموعة من العُملات الأجنبية من بينها الجنيه المصرى كعُملات تبادُل تجارى، وهو ما يرى فيه خبراء الاقتصاد أنّ تلك الخطوة مهمة للغاية فى سبيل توفير السيولة الدولارية لمصر، وأن لها انعكاسات إيجابية على الاقتصاد المصرى فى مواجهته للأزمة الاقتصادية العالمية فى الوقت الحالى، من خلال زيادة حجم اعتماد دول العالم على الروبل الروسى بدلًا من الدولار الأمريكى.. انسحاب سيُعَد انفراجة فيما يخص عمليات الاستيراد المكدّسة فى الموانئ، وسيسهم فى توفير الكثير من السلع الاستراتيچية الأساسية، وفى مقدمتها القمح دون الضغط على الدولار وتقليل الحاجة إليه، مما جعل مصر تَقدم عليه؛ خصوصًا بعد ضعف دَور هذه الاتفاقية وقدرتها فى ضبط الأسواق العالمية لتجارة الحبوب، وجعل دولاً مثل أمريكا والأرچنتين وأستراليا تتجه إلى زيادة سعر القمح إلى مستويات غير مسبوقة مستغلة أزمة الحرب «الروسية- الأوكرانية»، ومع هذا لم تتدخل الاتفاقية للتصدى لمثل هذه الممارسات التى أضرت بالدول المستوردة، وعلى رأسها مصر التى اضطرت إلى الشراء بأسعار مرتفعة.



الدور الغائب للاتفاقية حاليًا فى ظل أزمة الحرب «الروسية- الأوكرانية» وغيرها، سبق أن كان غائبًا أيضًا فى أزمات سابقة منها أزمة عام 2010 عند استخدام الحبوب فى إنتاج الوقود الحيوى، ما أدى إلى زيادة الأسعار العالمية وتضرر الدول المستوردة بصورة كبيرة وكان من بينها مصر، فضلاً عن أزمة 2008 التى شهدت ارتفاع الأسعار العالمية أيضًا دون أن تسهم الاتفاقية بأى دور يُذكر، وبالتالى ثبت عدم جدوَى استمرارنا فى عضويتها، فضررُها بالنسبة لنا كان أكثرَ من نفعها، وثبت أيضًا أن الدول الكبرى المنضمة لها هى مَن استفادت وربحت الكثير من الأموال المنهوبة من دم الدول الصغيرة.. بالمناسبة أنا هنا لا أعير الدول الأعضاء لهذا الكيان الذى يُعَد فى نظرى ربحيًا أكثر مما هو خدمى أى انتباه، وما اندهاش واستغراب البعض من كبارها من قرار مصر سوى كذبة كبيرة وتمثيلية درامية فاشلة، ولذا لا تهم أى مصرى؛ لأن الدولة المصرية عندما اتخذت قرارها؛ لم تنظر سوى لمصلحتها ومصلحة شعبها، مثلها فى ذلك مثل جميع دول العالم التى تعمل لصالح شعوبها، فمصلحة الوطن وشعبه فوق أى اعتبار، على الرّغم من المحاولات الحثيثة للقائمين على هذا الكيان لإقناع مصر للعودة عن قرارها.. الغريب فى هذه المحاولات التى تطالبنا بالعودة، الحقيقة والشفافية التى تنظم قواعد العمل فى هذا الكيان تؤكد أنه لم يقف بجانبنا فى العديد من الأزمات التى مرّت بنا (حروب وكورونا وارتفاع مواد خام)؛ لأنهم لا يبحثون سوى على مصالحهم فقط، وعندما يتجرأ أحدٌ ويبحث عن مصلحته، يسارعون بإبداء التعجب والاستغراب والدهشة.

لهذا التعجب والاستغراب والدهشة؛ أحببت أن أعرّفك عزيزى القارئ بسبب إشادتى بقرار الانسحاب، أو الصفعة القوية التى وجهتها مصر للدول الغربية المُصدرة للحبوب وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، فمن حقنا أن نبحث عن مَصادر أخرى متنوعة لتوريد القمح، وهذا ما نجحنا فيه بالفعل؛ حيث تمكنا من إقامة علاقات تجارية مع روسيا والهند لتوريده إلينا، مثلما نجحنا من قبل فى تنويع مَصادر استيراد السلاح، حتى لا نقع يومًا تحت رحمة أحد.