الأربعاء 7 ديسمبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

رحلة الإمام الأكبر للبحرين فتحت بابًا جديدًا للتقريب.. وأحيت جهود الأزهر منذ عهد الشيخ شلتوت بعد دعوة شيخ الأزهر.. هل يعود التقريب بين الشيعة والسنة؟

فى بادرةٍ تُعَد إحياءً لدَور الأزهر الشريف فى التقريب بين المَذاهب؛ سُنَّة وشيعة، أطلق د.أحمد الطيب- شيخ الأزهر- دعوةً لإنشاء الاتحاد بين علماء المسلمين؛ سُنّة وشيعة، ضرورى وحتمى، والمسارعة بعَقدِ حوارٍ «إسلامى- إسلامى» جاد، من أجلِ إقرار الوحدة والتَّقارُب والتَّعارف، ونبذ الفُرقة والفتنة والنِّزاع الطَّائفى؛ لتجاوز صفحة الماضى وتعزيز الوحدة الإسلامية.



دعوة شيخ الأزهر جاءت خلال زيارته الأخيرة لمملكة البحرين؛ حيث أكد أن المسلمين- بمختلف مَذاهبهم ومَدارسهم الفكرية- مؤهلون للاتحاد والتلاقى على أرضية مشتركة، فنحن أبناء دين واحد ولغة واحدة، وتجمعنا مشتركات إنسانية وقيمٌ أخلاقية وعادات مجتمعية متشابهة، وتتوافر لدينا كل مقومات الاتحاد. لافتًا إلى أن أهم العوائق هو ما يحدث من صراعات وأچندات ومصالح مادية يتصدرها بيع الأسلحة، تتخذ من عالمنا الإسلامى سُوقًا لترويج بضائعها ولا سبيل لهم فى ذلك سوى ببث الفُرقة والطائفية بين المسلمين.

ولفت إلى أن الأزهر انفتح فى الحوار الإيجابى على مختلف المؤسّسات الدينية حول العالم، ويأتى فى مقدمة أولوياته التقاءُ ووحدة المسلمين مع بعضهم بعضًا وأن يتحدوا لمواجهة التحديات وتجاوز الأزمات.

وأوضح الإمامُ الأكبرُ أنَّ العلماءَ هم حُماة الأمّة ولا يصح أن يكونوا بأى شكل من الأشكال طرفًا فى هذا النزاع، وأنَّ المسئولية على العلماء مضاعفة أمام الله وأمام ضمائرنا، وعلى علماء المسلمين ألا يملوا من بيان سماحة الإسلام وقبوله للتعددية الدينية بين البشر ومسألة التعدد المَذهبى بين المسلمين

واستطرد قائلاً: «لقد تربينا فى الأزهر على قبول المَذاهب المختلفة، ولن نستطيع مواجهة التحديات بالتشرذم أو الاختفاء أو التخلف عن هذه المهمة السامية، وقد كانت هناك محاولة لتجار سوق الفتنة أن يحدثوا ذلك فى مصر قبل سنوات بين المسملين والمسيحيين لكن الأزهر تنبّه لهم فأنشأنا بيت العائلة المصرية مع الكنائس المصرية، وبذلنا كل الجهود لوحدة الصف، وهذا ما ينبغى أن يحدث على مستوى العالم الإسلامى أجمع».

 ريادة أزهرية للتقريب 

دعوة الإمام الأكبر للحوار «الإسلامى- الإسلامى» أعادت للأذهان دورَ الأزهر الريادى فى التقريب بين المَذاهب؛ حيث أنشأ فى خمسينيات القرن الماضى لجنة التقريب بين المَذاهب، والتى تأسّست عام 1947 بهدف توثيق الصلات بين الطوائف الإسلامية ومحاولة القضاء على الخلافات بين أتباع المَذاهب المختلفة بإدخال دراستها فی الأزهر الشريف، وقد أصدرت هذه الدار مجلة «رسالة الإسلام» لتنشر الفكر التقريبی بين المسلمين، وضمت قرابة عشرين عضوًا، من بينهم محمد على علوبة باشا وزير الأوقاف والمَعارف وأحد كبار المصلحين فى مصر آنذاك، والشيخ عبدالمجيد سليم رئيس هيئة الفتوى بالأزهر، والشيخ أحمد حسين مفتى وزارة الأوقاف، والشيخ محمود شلتوت الذى كان عضوًا فى هيئة كبار العلماء ثم صار شيخًا للأزهر، وآخرون.

ومن أبرز إنجازات اللجنة مجلة «رسالة الإسلام» التى كان كُتّابها مزيجًا من علماء السُّنة والشيعة، واستمرت فى الصدور قرابة 16 عامًا، وأهم ما ميّزها هو الشعار المُثبت على غلافها، والذى كان عبارة عن آية قرآنية من سورة الأنبياء: «إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ». كما فكّر أعضاءُ اللجنة فى إصدار تفسير للقرآن يجمع عليه السُّنة والشيعة، وبالفعل قدّم الشيخ شلتوت «مجمع البيان لعلوم القرآن» للإمام العبد أبو الفضل بن الحسن الطبرسى، أحد كبار علماء الشيعة الإمامية، واستغرق إصدار هذا العمل عشرين عامًا، من 1958 حتى 1978.

وفى يناير 1959، أفتى الشيخ شلتوت بعد أن صار شيخًا للأزهر بنحو عام، بجواز التعبد على أی مَذهب من المَذاهب الإسلامية التی عرفت أصولها ونقلت نقلاً صحيحًا ومنها مذهب الشيعة الإمامية الجعفرية باعتباره مذهبًا إسلاميًا كالمَذاهب السُّنية الأربعة «الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية».

ففى ردّه على سؤال يقول: «بعض الناس يرى أنه يجب على المسلم لكى تقع عباداته ومعاملاته على وجه صحيح أن يقلد أحد المَذاهب الأربعة المعروفة، وليس من بينها مذهب الشيعة الإمامية، ولا الشيعة الزيدية فهل توافقون فضيلتكم على هذا الرأى على إطلاقه، فتمنعون تقليد مذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية مثلًا؟». أجاب الشيخ: «إن الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه اتّباعَ مذهب معيّن؛ بل نقول إن لكل مسلم الحق فى أن يقلّد بادئ ذى بدء أى مذهب من المَذاهب المنقولة نقلًا صحيحًا والمدوّنة أحكامها فى كتبها الخاصة، ولمَن قلّد مذهبًا من هذه المَذاهب أن ينتقل إلى غيره، أى مذهب كان، ولا حرج عليه فى شىء من ذلك».

وأضاف فى الفتوَى الرسمية التى نُشرت فى مجلة «رسالة الإسلام»: «إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية هو مذهب يجوز التعبّد به شرعًا كسائر مذاهب أهل السُّنة، وينبغى للمسلمين أن يعرفوا ذلك، وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معيّنة، فما كان دين الله وما كانت شريعته بتابعة لمذهب أو مقصورة على مذهب، فالكل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى ويجوز لمن ليس أهلًا للنظر والاجتهاد تقليدهم، والعمل بما يقرِّرونه فى فقههم، ولا فرق فى ذلك بين العبادات والمعاملات».

 تأييد أزهرى 

وحول إمكانية عودة التقريب بين المَذاهب ودعوة شيخ الأزهر للحوار «السُّنى- الشيعى» أعرب علماءُ الأزهر عن تأييدهم لتلك الدعوة؛ حيث يؤكد الدكتور نظير عياد الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية: لقد كان للأزهر الشريف- ولا يزال- دورٌ كبيرٌ فى تعزيز قيم الحوار والتعايش فى العالم؛ منطلقًا فى ذلك من إيمانه الراسخ بعدد من المبادئ والقيم التى تمثل الرؤية الإسلامية الصحيحة، وقد أشار إليها فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر لتكون أساسًا للحوار بين الأديان تتلخص فيما يلى: إن الحوار بين بنى الإنسان ضرورة يقتضيها التنوع والاختلاف فى الألسنة والألوان؛ وإنما يكون الحوار بين بنى الإنسان فيما اتفقوا عليه من مشتركات، وما أكثرها بينهم.

أضاف: إن الأزهر الشريف بقيادة فضيلة الإمام الأكبر أ.د.أحمد الطيب شيخ الأزهر يدرك أهمية الحوار والتقريب بين المَذاهب الإسلامية، منطلقًا فى ذلك من الثوابت المشتركة التى تجمع بين تلك المَذاهب، والحرص على تعزيز قيم الحوار والحفاظ على الوحدة والسلام المجتمعى، وتحقيقًا للدور العالمى للأزهر الشريف كمرجعية إسلامية لدول العالم الإسلامى.

وشدّد «عياد» أن الأزهر الشريف يسعى دائمًا إلى إنشاء حوار هادف يجمع بين الجميع؛ حيث سبق أن طرح فضيلة الإمام الأكبر أ.د.أحمد الطيب شيخ الأزهر، مبادرة من الأزهر للتقريب بين السُّنة والشيعة للاتفاق على جَمع شمل الأمة، والتصدى لأعدائها؛ خصوصًا التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها «داعش»، وانطلاقًا من الدور العالمى للأزهر الشريف سعى الأزهر الشريف إلى عَقد مؤتمرات عالمية تهدف إلى إنشاء حوار هادف بين المسلمين وغيرهم، وبيان حقيقة الدين الإسلامى ونظرته للآخر، والتأكيد على أن الإسلام يحمل رسالة سلام للغير ولا يصادر على معتقد أو فكر.

أوضح الأمين العام، أن الأزهر الشريف دائمًا ما يحرص فى مؤتمراته على توجيه دعوات الحضور لممثلى القيادات الدينية المتعددة؛ كدعوة علماء الشيعة فى مؤتمراته التى عقدها؛ ومن تلك المؤتمرات مؤتمر الأزهر العالمى لمواجهة التطرف والإرهاب فى ديسمبر عام 2014، ومؤتمر «الحرية والمواطنة.. التنوع والتكامل» فى فبراير 2017، وقد جاء فى توصياته: أصالة مفهوم المواطنة فى الإسلام، والذى شعت أنوارُه من دستور المدينة، وانطلاقًا من هذا المفهوم لم يكن هناك أى تفرقة أو إقصاء لأى فئة من فئات المجتمع أو مصادرة لحرياتهم فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم؛ بل كان هناك التعددية الدينية والعرقية والاجتماعية، ولم يكتفِ الإسلامُ بإرساء مبدأ الحوار مع الآخرين؛ وإنما أكد على مراعاة ما يناسب الآخر، كما بيّن أن الحوار لا بُدّ أن ينطلق من الثوابت المشتركة بين الطرفين؛ لتكون أساسًا بينهما فى الحوار؛ حيث استطاع الأزهر الشريف من خلال مؤتمراته إقامة حوار مع العالم أجمع، وتصحيح صورة الإسلام، وتعزيز قيم الحوار والعيش المشترك بين الجميع؛ من خلال رسالته السامية وهى الحوار والسلام والتسامح التى يسعى لإرسائها على جميع الأصعدة المحلية والإقليمية والعالمية.

من جهتها تؤكد د.سعاد صالح - عميدة كلية الدراسات الإسلامية بنات سابقًا - أهمية العودة للتقريب بين المَذاهب، وإحياء دعوة الشيخ محمود شلتوت حول التقريب؛ لا سيما أن الاختلاف بين المَذاهب هو اختلاف شكلى لا يتعلق بجوهر الدين.

أضافت: إن الاختلاف الواضح بين السُّنة والشيعة يتمثل فى عدد من الأمور، أبرزها زواج المتعة الذى يعتبره الشيعة نوعًا من التعبد مستدلين بقوله تعالى «فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً»، وفسّروا الآية الكريمة على الزواج بمقابل أجر، فيما أوضح جمهور العلماء أن الأجر المذكور فى الآية هو المَهر، وأن الاستمتاع يقصد به الزواج الدائم.

وشددت من أجل إتمام التقريب أن تكون هناك مراجعات مذهبية لتحقيق التقارب، وأن يكون هناك رفض للمغالاة، وإنكار سَب الصحابة، وكذلك تنقية كتب التراث. 

 تأييد بحرينى للتقريب 

كما لاقت دعوة شيخ الأزهر ترحيبًا بحرينيًا واسعًا، فمن جانبه أعرب الشيخ عبدالرحمن محمد بن آل خليفة- رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالبحرين- عن ترحيبه بما طرحه شيخ الأزهر من وحدة بين المسلمين ودعوة للتقريب بين علماء المسلمين والحوار بينهم، وأن المجلس يعمل على التقريب بين المَذاهب فى البحرين وتعزيز الوحدة بين المسلمين والتقاليد الإسلامية السمحة، وأنه يعتبر نموذجًا فريدًا فى تشكيلاته لتأكيد وحدة الهدف والمصير بين المسلمين، ومتابعة الحوار بين الإسلام والديانات السماوية الأخرى.

وعبّر رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية عن استعداد المجلس أتم الاستعداد لتعزيز العمل المشترك مع الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين، وتعزيز أطر التنسيق حول مختلف القضايا العامة للمسلمين بما يُقوّى جانب المسلمين ويُعلى كلمتهم ويُعزز موقفهم؛ استجابة لتلك التحديات الكبيرة التى تواجه الأمّة الإسلامية وجمهور المسلمين حول العالم، سواء على المستوى الفكرى أو الثقافى أو التربوى أو الاجتماعى.

من جانبه أشاد الشيخ منصور على حمادة، عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية البحرينى، بطرح فضيلة الإمام الأكبر للحوار «الإسلامى- الإسلامى»، مشيرًا إلى أن البحرين عُرفت منذ القِدم بتعايشها السلمى، وبناء علاقات إنسانية واجتماعية قوية بين الجميع. مؤكدًا أنه سيعمل على مخاطبة إخوانه من المَذاهب المختلفة لتعميق الرؤى والأفكار التى طرحت للناس؛ لأن العلماء عليهم مسئولية عظيمة فى درء المَخاطر والقضاء على الفتن قبل وقوعها.

ورأى الدكتور إبراهيم راشد المريخى- عضو المجلس- أنَّ مسألة التقريب بين المسلمين من أفضل الأعمال وأنجحها. مطالبًا بتفعيلها؛ لا سيما فى وقتنا الحاضر؛ حيث يحتاج المسلمون إلى شىء من هذا التقريب وتلك المجالسة؛ لمواجهة ما أصاب المسلمين من التباعد. مؤكدًا أن الوقت قد حان لهذا التقارب وهذا الفهم، لكى نصل إلى شىء من الود والاحترام. مقدرًا دعوة شيخ الأزهر رئيس مجلس حكماء المسلمين تجاه هذا الأمر وأهميتها فى الوقت الراهن.

وأشار الدكتور سليمان السترى،- عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمملكة البحرين- إلى وجود الكثير من الفرص الخلاقة لفتح أفق التعاون والتلاقى بين المجلس والأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين، والسعى فى خدمة قضايا المسلمين فى الشرق والغرب؛ خصوصًا فى ظل التحديات الكبرَى التى تواجه الأمّة، والتى تؤكد أننا بحاجة ماسّة إلى تضافر الجهود واتحادها.