الأربعاء 7 ديسمبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
ليصبح فى عالم الأغنياء..  وجود للفقراء

ليصبح فى عالم الأغنياء.. وجود للفقراء

شعارات وكلمات تعقبهما تعهدات لا يُنَفّذ منها شىء، هذا بالضبط هو النهج الذى تتبعه الدول الكبرى فى تعاملها مع الدول الصغيرة، وهو نفسه النهج الذى حذر منه الرئيس عبدالفتاح السيسى فى كلمته أمام قادة العالم خلال افتتاح مؤتمر المُناخ، مطالبًا أياهم بضرورة التزامهم بسرعة تنفيذ ما تعهدوا به؛ للخروج بنتائج إيجابية تعود بالمصلحة على البشرية جمعاء، بعد أن أصبحت التغيُّرات المُناخية تُعَد الأزمة الأخطر التى تواجه كوكب الأرض.. رسالة السيسى المباشرة لدول العالم وقادته لخَلق بيئة نظيفة ومستدامة وظروف مواتية للحياة والعمل نحو النمو دون أضرار بموارد عالمنا التى يتعين علينا العمل على تنميتها واستثمارها وجعلها أكثر استدامة؛ تُعَد الخطوة الأولى لعبور هذه الأزمة فى ظل ما يشهده العالم من تغيُّرات دولية وأزمات عالمية، أزمات يتضرر منها الجميع كبيرًا كان أمْ صغيرًا، فمثلاً فى أزمة التغيُّر المُناخى تعهدت الدول الغنية للدول الأكثر فقرًا بتقديم 100 مليار دولار سنويًا لمُساعدتها فى تمويل مشاريع الحَد من الانبعاثات والتَكَيُّف مع المُناخ، ومع ذلك لم يتحقق الهدف المُحدد، وفقًا لآخر تقييم أجرته منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية، فمثلاً عقب أزمة الحرب «الروسية- الأوكرانية» تبين للجميع مدَى نفاق الدول الكبرى التى تعتمد معايير مزدوجة ومُخزية حيال إفريقيا، حول تغيُّر المُناخ وسياسات الطاقة.. وهذا ما أكده الرئيس الأوغندى «يورى موسيفينى» فى منشور له انتقد فيه إعادة فتح محطات الطاقة التى تعمل بالفحم فى أوروبا؛ لمواجهة أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب فى أوكرانيا، بينما تطالب أوروبا الدول الإفريقية بعدم استخدام الوقود الأحفورى.. وأضاف الرئيس الأوغندى: «لن نقبل بأن تطبق قاعدة عليهم، وأخرى علينا»، مشيرًا إلى أنّ «عجز أوروبا عن تحقيق أهدافها المُناخية يجب ألّا يكون مشكلة إفريقيا».. كما أدان «الإفلاس الأخلاقى» لأوروبا التى «تستخدم الوقود الأحفورى فى إفريقيا لإنتاج طاقتها»، بينما ترفض «استخدام إفريقيا للوقود نفسه لتأمين طاقتها».. وختم «موسيفينى» منشوره بأنه «لن نسمح بأن يقع تقدُّم إفريقيا ضحية فشل أوروبا فى تحقيق أهدافها المُناخية».



وفى أزمة توريد القمح التى نتجت عن الحرب «الروسية- الأوكرانية» أيضًا وعقب توقيع اتفاقية فى إسطنبول بشأنه، أكدت روسيا أن الجزء الأكبر من توريدات القمح ذهبت إلى الدول الكبرى، ولم تستفد الدول الصغيرة من هذه الاتفاقية بشىء يُذكر، وهذا ما أشار إليه أيضًا وزير الخارجية الكونغولى «چان كلود» عندما أكد ازدواجية ونفاق الدول الأوروبية التى تروّج أكاذيب ودعايات رخيصة بأن شعوب دول القارة الإفريقية مهددون بالجوع فى حين أن معظم السفن المحملة بالقمح تذهب إلى موانئ أوروبا.. المؤسف أن هذا يحدث فى الوقت الذى تقوم فيه بعض الدول بإلقاء محصولها من القمح فى البحر حتى لا ينخفض سعره فى الأسواق العالمية، على الرغم من علم الجميع أن هناك دولاً تعانى من المجاعة بسبب نقص الحبوب، المقترن بارتفاع كبير فى أسعار جميع المواد الغذائية.

وفى أزمة كورونا استأثرت بعض الدول بالحصول لنفسها على الجزء الأكبر من اللقاحات المخصّصة لعلاج هذا الوباء الذى أصاب العالم فى مقتل، وهذا ما أكده أيضًا وقتها الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة «أنطونيو غوتيريش» حينما عبّر فى تصريحات له عن استيائه من غياب العدالة فى توزيع اللقاحات بين دول العالم، واستحواذ الدول الاقتصادية الكبرى على حصة الأسد منها.. هذه التصريحات المؤثرة التى اتسمت بشىء من العتب على القصور الذى يشوب التنسيق فى الجهود العالمية، أعادت إلى الواجهة الجدل الدائر حول غياب التضامن العالمى فى مواجهة الكارثة الأكبر التى تواجهها البشرية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ويأتى فى مقدمتها مقاومة هذا الوباء الذى بفضله وقعت مبادرة كوفاكس الأممية، التى كانت تهدف إلى توفير مليارَىْ جرعة من اللقاحات للدول الأشد فقرًا قبل نهاية العام 2020؛ لتحقق أكبر عملية تلقيح عالمية يشهدها التاريخ، فى مواجهة جائحة كورونا والسلالات الجديدة الناتجة عنها. ولكن ما أن جاءت لحظة الحقيقة وأصبحت اللقاحات فى متناول اليد، عادت الدول إلى الانكفاء على ذواتها وتنكرت لكل القيم التى كانت تتبجح بها وقت الرخاء، وخاضت حروبًا سرية وعلنية على أمل الفوز بأكبر حصة منها، فى حين استحوذت دول أخرى (الغنية منها بالطبع) على كميات هائلة تفوق حاجة سكانها بأضعاف.

النماذج الموضَّحة بالسطور السابقة تُعَد قليلاً من كثير وتوضح كَمَّ الأنانية المفرطة المُعلن منها وغير المُعلن، وكذلك تكشف غياب العدل والتنافس غير الشريف بين دول العالم (الكبير منها بالتحديد) للسيطرة على البقية الباقية، وهى السياسة التى ثبت بالدليل القاطع فشلها سواء فى مواجهة تغيُّر المُناخ أو فى الحرب الأوكرانية أو فى أزمات القمح ووباء كورونا، وهى جميعها الأزمات التى حذر منها الرئيس السيسى لكونها ستنال من الجميع فى النهاية، لذلك شدد على ضرورة تعاون العالم أجمع، فليس هناك من وقت أو مجال للتراجع أو التذرع بأى تحديات لتبرير تقاعُس الدول عن وضع حلول جماعية لمواجهة الأزمات التى يعانى منها العالم والتى يأتى فى مقدمتها تغيُّرات المُناخ.