الأربعاء 7 ديسمبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

رجاء حسين.. حدوتة مصرية من زمن الكبار

صبيحة يوم الثلاثاء الماضى، استيقظ الجمهور على نبأ رحيل الفنانة القديرة «رجاء حسين» عن عمر يناهز الـ 85 بعد رحلة طويلة قضتها بين أروقة الفن، امتدت لأكثر من 68 عاما، لعبت خلالها أدوارا مهمة فى السينما، والإذاعة، والتليفزيون، والمسرح، واستطاعت بملامحها المصرية الخالصة، أن تختصر مسافات طويلة بينها وبين الجمهور الذى كان يشعر مع طلتها بنوع من القرب والحميمية، كما استطاعت بموهبتها المتفردة أن تصنع من أدوارها الثانوية بطولة من نوع خاص، وبصمة باقية لا يمحوها الزمن، وإذا كان الجمهور قد احترم مسيرة الفنانة الراحلة على امتداد مشوارها، واحترم أيضا ما فرضته من خصوصية على حياتها الشخصية، إلا أن الأحزان التى أصابتها فى سنواتها الأخيرة، سواء برحيل نجلها «كريم» أو بطلاقها من زوجها الفنان «سيف عبدالرحمن» بعد زواج دام 51 عامًا زاد من قرب الجمهور منها، وزاد بالطبع من حزنه على رحيلها، لكن اختصار مشوار الراحلة فى هاتين الواقعتين لا يتناسب مع تاريخها الفنى الطويل الذى سنحاول أن نتوقف عند بعض محطاته فى السطور التالية. 



 الحنين إلى خشبة المسرح

فى المدرسة الثانوية بطنطا تعرفت «رجاء حسين» على المسرح بالصدفة، لكنها صدفة غيرت مسار حياتها تماما، حيث عشقت خشبته، وكان صوت التصفيق الذى تسمعه بعد انتهاء العرض من مدرسيها، وزملائها، وأولياء أمورهم دافعًا لها للمضى نحو الحلم الذى تحملت من أجل تحقيقه الكثير، ولا سيما أنها أوهمت أسرتها أنها ذاهبة للقاهرة لتلتحق بكلية الحقوق، لكنها فى واقع الأمر، قدمت أوراقها لمعهد الفنون المسرحية ودرست به لمدة عام كامل دون علم أحد من أسرتها، وعندما تيقن الأهل من موهبتها، ولاحظوا تشبثها بحلمها سمحوا لها باستكمال الدراسة، وسرعان ما تخرجت «رجاء حسين» فعملت فى مسرح «نجيب الريحانى، وفُتحت لها أبواب مسارح الدولة على مصراعيها، مما أهلها لتكوين تاريخ حافل على المسرح القومى وغيره من مسارح الدولة، منذ أن شاركت فى تقديم (كفر البطيخ) أول عمل مسرحى يجمعها بالمؤلف «سعد الدين وهبة» والذى شاركت فى غالبية أعماله المسرحية التى تم تقديمها فى فترة الستينيات، ومنها (السبنسة، كوبرى الناموس، سكة السلامة، المحروسة) كما شاركت فى مسرحية (عائلة الدوغرى) لـ«نعمان عاشور»، بالإضافة إلى عدد من المسرحيات المنتمية إلى الأدب العالمى، وظلت وفية للمسرح طوال فترة الستينيات، والسبعينيات حتى ضاقت ذرعا بما يحدث به من ممارسات رأتها من وجهة نظرها سببا فى عزوف الجمهور عنه، وفى حوار قديم نشر فى أوائل الثمانينيات تحت عنوان (المسرح مات والجمهور فقد الثقة به) قالت الفنانة الراحلة «رجاء حسين» أن مشكلة المسرح تكمن فى المهيمنين عليه، حيث إنها موظفة فى مسرح الدولة، وتتقاضى أجرا شهريا منه، ومع ذلك لم تعد تقف على خشبته إلا نادرا، لأن رواياته تذهب للمحاسيب -على حد قولها- حيث يستعينون بممثل من الخارج يتقاضى 7 آلاف جنيه، بينما لديهم من يؤدى نفس الدور براتبه الشهرى الذى لا يتجاوز الـ300 جنيه! وفى المقابل، رفضت «رجاء حسين» عروضًا كثيرة جاءتها من مسرح القطاع الخاص، وقد ذكرت فى الحوار نفسه أسباب الرفض، حيث قالت أنها لا تمتلك مواصفات العمل به، لأنها لا ترقص، ولا ترتدى ملابس فوق الركبة، والمفارقة أنها رغم مرور كل هذه السنوات، إلا أن حنينها لخشبة المسرح ظل باقيا بداخلها، حتى إنها وصفته فى حوارها الأخير الذى أجرته قبل رحيلها قائلة (المسرح ده عمرى كله).

 الإذاعة وعصرها الذهبى 

يمكن اعتبار صوت «رجاء حسين» واحدًا من أهم الأصوات الإذاعية فى عصرها الذهبى، حيث شاركت كبار النجوم فى تقديم عشرات المسلسلات، والتمثيليات الإذاعية، والتى كانت تناقش قضايا جادة ومهمة يحرص على متابعتها الجمهور، منهم على سبيل المثال الفنان القدير «عبدالمنعم مدبولى» والذى قدمت معه مسلسل (مزيكا وبولوتيكا) والفنان «نور الشريف» والذى شاركت معه فى مسلسل (ابتسامة فى بحر الدموع) وحينما كانت الإذاعة تعتبر الأدب رافدًا مهمًا من روافدها، شاركت «رجاء حسين» فى مسلسل (العمر لحظة) للأديب «يوسف السباعى» قبل تحويلها إلى فيلم سينمائى، كما شاركت فى مسلسل بوليسى مأخوذ عن واحدة من روايات «أجاثا كريستى» بعنوان (الجريمة المزدوجة).

وبخلاف تلك المشاركات المهمة، فقد تحقق لـ «رجاء حسين» فى الإذاعة ما لم يتحقق لها على شاشة التليفزيون، حيث لعبت بطولة عدد من المسلسلات الإذاعية فى زمن كانت الإذاعة فيه تعد جواز مرور الفنان إلى الجمهور، منها مسلسل (عفوا زوجتى العزيزة) أمام الفنان «فاروق نجيب، وجورج سيدهم» حيث قامت بدور الزوجة النكدية «تفيدة» ،كما شاركت الفنان «محمد رضا» بطولة عدد من المسلسلات والسهرات الإذاعية منها (التالتة تابتة) حيث لعبت دور «نعيمة» الزوجة التى تأخر حملها، فقررت أن تبذل الغالى والنفيس من أجل تحقيق حلم الإنجاب، خوفا من أن يتركها زوجها «المعلم متولى» ليتزوج بأخرى، كما شاركت معه أيضا بطولة مسلسل (أبو عرام) ذلك الشخص الذى يتوهم الحكمة، ويتزعم أهل منطقته رغم جهله، وأميته، فيعرضه ذلك لعواقب الأمور، وبخلاف ذلك فقد كان ل»رجاء حسين» بصماتها الكوميدية فى الإذاعة، حيث شاركت الفنان «نجاح الموجى» على سبيل المثال عدد من مسلسلاته الإذاعية الناجحة، منها (قشرة موز، وحرنكش ابن ذوات) 

 فى التليفزيون..

بطولة من نوع خاص

كان مسلسل (واحة الغروب) الذى تم تقديمه قبل خمس سنوات عن قصة الروائى والأديب «بهاء طاهر» هو المشاركة الأخيرة لـ«رجاء حسين» فى الدراما التليفزيونية، حيث قدمت دور (الجدة مليكة) وهو الدور الذى أجادته فى سنواتها العشر الأخيرة وفقًا للمرحلة العمرية التى كانت تعيشها، ومع ذلك، تظل (الجده نحمده) فى مسلسل (عايزة اتجوز) واحدًأ من أبرز أدوارها فى تلك المرحلة، لكن مشوار «رجاء حسين» فى التليفزيون سبق تلك المرحلة بسنوات طويلة، تعاونت فيه مع كبار المخرجين والكتاب، وشاركت فيه غالبية النجوم، لكن هناك أدوار فى مشوارها التليفزيونى، تعد بصمات لا تنسى، صنعت من خلالها بطولة من نوع خاص، بعيدة عن الحسابات التقليدية لفكرة البطولة منها مسلسل (الشهد والدموع) للراحل «أسامة أنور عكاشة» حيث قدمت دور «إحسان» العمة الحنون التى غضبت من زوجها لأنّه خاطبها باسمها فقط دون لقب «ست إحسان» ومسلسل (المال والبنون) الذى قدمت خلاله دور «فوقية» زوجة «سلامة فراويلة» الأم التى لا هم لها سوى حب أبنائها، أما فى مسلسل (أحلام الفتى الطائر) من إخراج «محمد فاضل» قدمت دور «نعيمة» صاحبة البنسيون الوفية، التى وقفت كتفًا بكتف مع البطل «إبراهيم الطاير» لتعينه فى رحلته المريرة.

 السينما وخلطة يوسف شاهين 

فى عام 1952 كان الظهور الأول لـ«رجاء حسين» على شاشة السينما من خلال الفرصة التى منحها لها مخرج الروائع «حسن الإمام» فى فيلم (قلوب الناس) توالت بعدها المشاركات السينمائية المهمة والتى كان «حسن الإمام» عاملاً مشتركًا فيها أيضا منها أفلام (الخرساء، ومال ونساء) ،لكن الانطلاقة السينمائية الحقيقية لـ«رجاء حسين» تحققت فى أمرين، أحدهما فى مشاركتها سيدة الشاشة العربية «فاتن حمامة» فيلمين من أهم أفلام فترة السبعينيات، حيث لعبت دور «سنية» فى فيلم (أريد حلا) ودور «جمالات» فى فيلم (أفواه وأرانب) الزوجة التى لا هم لها سوى الإنجاب، وفى أحد حواراتها قالت «رجاء حسين» أن دور «جمالات» لم يكن لينجح إلا بفضل «فاتن حمامة» التى شاهدتها فى أول يوم تصوير ترتدى جلبابا مهندما، فقالت لها (هذه ليست جمالات، الشخصية معدمة ولا تجد قوت يومها) وطلبت من المخرج «هنرى بركات» أن يلغى مشاهد «رجاء حسين» حتى تستعد للشخصية، وهو ما حدث بالفعل، حيث حضرت «رجاء» بجلباب ممزق، وتكسو ملامحها وهندامها كل ملامح الفقر والعوز، فاقبلت عليها «فاتن حمامة» قائلة (هى دى جمالات) 

أما الأمر الآخر الذى ساهم فى انطلاقة «رجاء حسين» فى السينما فهو مشاركتها مع المخرج الراحل «يوسف شاهين» فى أفلام مهمة، حيث كان يرى فيها وجهًا مصريًا قادرًا على التعبير عن هموم المواطن البسيط وآلامه، ففى فيلم (حدوتة مصرية) الذى يعد أحد أجزاء السيرة الذاتية التى قدمها المخرج الراحل عن نفسه، اختارها شاهين لتقوم بدور سيدة مهمشة تبيع المياة الغازية، والتى من واقع أحداث الفيلم هى الشخصية التى استلهم منها «هنومة» فى فيلم (باب الحديد)، وفى فيلم (العصفور) الذى تناول حقبة ما قبل النكسة، من خلال قصة لصحفى يقوم بتحقيق حول قضية فساد بإحدى قرى الصعيد، ويتكشف له كثير من الخبايا من خلال علاقته بأهل تلك القرية التى كانت «زبيدة» واحدة من بينهم، ورغم النجاحات العديدة التى صاحبت مشوارها مع «يوسف شاهين» إلا أنها أعلنت توقفها عن التعاون معه، ورفضها المشاركة معه فى فيلم (المهاجر) واصفة إياه بالإنسان الأنانى الذى يرغب فى الاستحواذ على الممثل، كما واصلت الهجوم عليه قائلة إن لديه عقدة لأنه كان يريد أن يكون ممثلًا، لكن (التهته) منعته، لكنها تراجعت عن تصريحاتها تلك، بعد رحيله وقالت عنه إنه مخرج سابق عصره، وأن من يقول إنه لا يفهم أفلامه لا يرغب فى أن يفكر.