الأربعاء 10 أغسطس 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

بعد الإعلان عن التوصل لحل الأزمة.. هل يؤدى الاتفاق بين روسيا وأوكرانيا إلى انفراجة فى أزمة الحبوب العالمية؟

بعد أشهر من اشتعال الحرب الأوكرانية، وتوالى الأزمات خاصة أزمة تصدير الحبوب الروسية والأوكرانية سواء، ربما يشهد العالم انفراجة لهذه المشكلة بعد توقيع كييف وموسكو على اتفاقية لاستئناف تصدير الحبوب العالقة فى موانئ البحر الأسود.. والتى مازالت حبيسة منذ بدء العملية العسكرية الروسية فى أوكرانيا منذ فبراير الماضى.. وجاءت الاتفاقية برعاية أممية، على أن يتم البدء فى تنفيذها بعد إنشاء مركز مشترك بين الطرفين للتنسيق والقيادة من خلال ممرات آمنة مائية منزوعة الألغام.. وعلى مدار شهرين من المحاولات الأممية للتوصل لحل هذه الأزمة التى قد تتسبب فى «مجاعة عالمية».. إلا أن خطط التنفيذ قد تتخذ بعض الوقت، مع الأخذ فى الاعتبار تطور الأوضاع فى الحرب الدائرة بين أكبر دولتين مصدرتين للحبوب على مستوى العالم، رغم أن مبدأ اتخاذ خطوة الاتفاق فى حد ذاته ربما تكون خطوة مبشرة تنتظرها الأسواق العالمية بفارغ الصبر.



 

 الاتفاق والتدابير

فى يوم الجمعة 22 يوليو الجارى، تم توقيع الاتفاق بين كل من موسكو وكييف، فى مدينة اسطنبول التركية برعاية أممية، والذى من شأنه الموافقة على بدء العمل على إنشاء مركز مشترك للتنسيق والقيادة للإشراف على سير عمليات التصدير وحل الخلافات، حيث كان محور الأزمة بين الطرفين على مدار الشهرين الماضيين، هو رفض أوكرانيا أن يتم تفتيش سفنها من قبل روسيا، بغرض تأكد الأخيرة من عدم وجود شحنات أسلحة لدى عودتها إلى مرافئها.

وتوصل الاتفاق على أن يشارك فى المقرات المشتركة لتصدير الشحنات كل من روسيا وأوكرانيا ومسئولون من تركيا والأمم المتحدة.

وسيكون الاتفاق صالحًا لمدة «120 يومًا» أى أربعة أشهر، ويشمل المرافئ الأوكرانية المطلة على البحر الأسود فى أوديسا بالإضافة إلى موقعين مجاورين، وهى المدة اللازمة لإخراج نحو 25 مليون طن من الحبوب المكدسة فى الصوامع الأوكرانية فى حين يقترب موعد موسم حصاد جديد لعام 2022.

وبحسب مسئولى الأمم المتحدة، سيستغرق إنشاء المركز من ثلاثة إلى أربعة أسابيع. ما يعنى أن شحنات الحبوب قد لا تبدأ بالتدفق السريع قبل النصف الثانى من أغسطس المقبل، وذلك بعد تأمين المجرات المائية ونزع الألغام المتواجدة فيها.

وكانت أوكرانيا قد عملت على زرع ألغام فى مناطق محيطة بالمرافئ الرئيسية المطلة على البحر الأسود بهدف درء هجوم برمائى روسى. كما رفضت كييف أن تصعد روسيا على متن سفنها للتحقق من عدم وجود شحنات أسلحة لدى عودة السفن إلى مرافئها.

هذا وقال مسئولو الأمم المتحدة إن الأطراف الأربعة متفقة على أنه سيكون من الصعب جدا إجراء عمليات تفتيش السفن، التى تطالب بها روسيا، فى أعالى البحار، وعوضًا عن ذلك ستشرف الأطراف الأربعة على تفتيش السفن فى أحد المرافئ التركية لدى عودتها إلى أوكرانيا، ولم يعرف بعد على وجه التحديد من سيُسمح له بالصعود على متن السفن الأوكرانية.

 الحبوب الروسية

وكاد الاتفاق ينهار عندما أعلن الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، أنه يتوقع أن تكون الحبوب الروسية وشركات الشحن التابعة لها ضمن سلسلة العقوبات الغربية التى تم فرضها على موسكو، إلا أن وزارة الخزانة الأمريكية قد أصدرت توضيحًا أكدت فيه أن الأسمدة و«السلع الزراعية» الروسية لا تخضع لقيود تجارية. كما استثنى الاتحاد الأوروبى القمح والأسمدة الروسية من العقوبات الموقعه على موسكو بسبب الحرب الأوكرانية.

ومن المنتظر أن توقع الأمم المتحدة وروسيا مذكرة تفاهم منفصلة تضمن عدم تأثر الحبوب والأسمدة بشكل مباشر أو غير مباشر بالعقوبات.

 انفراجة الأزمة

ومع الإعلان عن توقيع الاتفاق الروسى- الأوكرانى.. تراجعت أسعار القمح فى اليوم نفسه، بأكثر من 3 % فى بورصة شيكاغو، وسط توقعات بارتفاع الإمدادات من منطقة البحر الأسود، كما تراجعت أيضا أسعار الذرة وفول الصويا لتصل إلى أدنى مستوياتها فى نحو 8 أشهر، على خلفية هذا الاتفاق الذى يزيد إمدادات أوكرانيا من الحبوب فى الأسواق العالمية.

وعانت أوكرانيا منذ اليوم الأول من بدء العملية العسكرية الروسية من تكدس الحبوب فى صوامعها، حيث أغلقت كييف موانئها، المطلة على البحر الأسود ولا سيما موانئ أوديسا وخيرسون، وماريوبل وبرديانسك وسكادوفسك المطلة على بحر آزوف. وتحتوى هذه الموانئ على نحو 20 مليون طن من الحبوب العالقة فى صوامع أوكرانيا، وفق وكالة «رويترز».

وقد أدى هذا الإغلاق إلى انهيار سلاسل التوريد الأوكرانية، وبحلول منتصف العام، كان ما لا يقل عن 20 مليون طن من الحبوب التى أنتجت عام 2021 عالقة فى البلاد، وتزامن ذلك وبدء موسم حصاد القمح.

وقد تم نقل بعض حبوب القمح والذرة والشعير برًا إلى رومانيا وبولندا وموانئ بحر البلطيق، بواسطة الطرق البرية والسكك الحديد أو عبر نهر الدانوب، وكانت هذه الطرق قبل الحرب تنقل خمس صادرات أوكرانية فقط. وبلغ إجمالى صادرات الحبوب، فى يونيو، 1.4 مليون طن فقط فى مقابل نحو 5 ملايين طن شهريًا فى الأعوام السابقة، فيما تعطلت الجهود المبذولة لزيادة حجم المنقول عنها بسبب ندرة وقود الشاحنات وأزمة الطاقة فى أوروبا.

ومع تصاعد وتيرة التضخم المتسارع فى أسعار المواد الغذائية والطاقة حول العالم، خاصة بعد زيادة العقوبات الغربية على روسيا، اتهمت موسكو الغرب أنه وراء تفاقم أزمة الغذاء وأنحت بدلا من ذلك باللائمة على العقوبات الغربية فى تباطؤ صادراتها من المواد الغذائية والأسمدة، واتهمت أوكرانيا بتلغيم الطرق المؤدية إلى موانئها على البحر الأسود.

 «ألغام» الاتفاق

وبينما لم تتضرر حتى الآن محطات التصدير الأوكرانية الكبرى، ولا تزال تحت السيطرة الأوكرانية، فإن الموانئ والمياه الساحلية مليئة بالألغام، خاصة أوديسا وأوتشاكوف وتشورنومورسك ويوجنى، وقد يصل عدد الألغام الموضوعه فى الموانئ إلى نحو 400 لغم تقبع تحت سطح الماء على عمق بضعة أمتار، وفق وزارة الدفاع الروسية.

ولهذه الألغام وانزلاقها نحو البحر الأسود، أضرا على وجه الخصوص بتصدير الحبوب، لكون الشحنات البحرية تمثل 90 % من صادرات الحبوب والبذور الزيتية وفق ما أورده الاتحاد الأوروبى.

وقال متحدث باسم المنظمة البحرية الدولية، وهى وكالة الشحن التابعة للأمم المتحدة وإحدى الهيئات العديدة التى تعمل لإنشاء ممر بحرى لإمدادات الحبوب، إن «الألغام البحرية وضعت فى مداخل الموانئ، فيما أُغلقت المخارج بقوارب ورافعات غارقة».

من جهه أخرى، يرى محللون أن روسيا قد استفادت بصورة كبيرة من الحصار الأوكرانى على موانئ البحر الأسود، إذ حرمت حكومة كييف من إيرادات ضخمة قد تستخدم لشراء الأسلحة والمعدات فى حربها مع موسكو، كما أن هذا الحصار قد ألحق أضرارًا  اقتصادية بخصوم موسكو الغربيين، وعززت قيمة قمحها الأخيرة فى السوق الدولية.

حيث إن روسيا وأوكرانيا ينتجان نحو 30 % من إمدادات القمح العالمية، ووفق بيانات شركة، AgFlow، المختصة بتحليل السوق الزراعية، أوضحت أن صادرات القمح الأوكرانى انخفضت 32 % فى أبريل الماضى، مقارنة بالشهر نفسه قبل عام.

ويشترك روسيا وأوكرانيا بأن لهما العدد نفسه تقريبًا من مستوردين، معظمهم بشمال إفريقيا والشرق الأوسط، ويلجأون لمواجهة احتمال حدوث نقص بالغذاء إلى روسيا لتعويضه، حيث ارتفعت صادرات روسيا إلى تلك الدول 500 و481 و381 % على التوالى.

ومن جانبه، قال الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، خلال اتصال هاتفى مع الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون والمستشار الألمانى أولاف شولتس، فى 28 مايو الماضى، أن موسكو على «استعداد للمساعدة فى إيجاد حلول من أجل تصدير الحبوب بلا قيود بما فى ذلك الحبوب الأوكرانية الآتية من المرافئ الواقعة على البحر الأسود»، وسط تزايد مخاوف من أزمة غذائية خطيرة بسبب الحرب الأوكرانية، محذرًا فى الوقت نفسه من زعزعة أكبر للوضع فى حال استمرار تسليم الأسلحة الغربية لكييف.

وبحسب برلين، فقد تعهد بوتين بأن روسيا لن تستغل فتح حزام الألغام - الذى أقيم لحماية الموانئ الأوكرانية للسماح بتصدير الحبوب بالسفن - للقيام بأعمال هجومية. وأشارت المستشارية الألمانية إلى أن المسئولين الثلاثة اتفقوا على «الدور المركزى» الذى يجب أن تلعبه الأمم المتحدة لضمان حصول عمليات التصدير.

وبعد توقيع الاتفاقية، لا يزال المراقبون يخشون من عدم قدرة الموقعين على الالتزام، على الرغم من الرعاية الدولية والمراقبة الأمريكية للوضع، إلا أن تعويل نحو 43 دولة على الحبوب الأوكرانية والروسية قد ينذر ببداية «مجاعة عالمية» قد تضر كل الدول والشعوب.

وأدت التكلفة المرتفعة للأغذية الأساسية إلى زيادة عدد الأشخاص، الذين يفتقرون إلى الأمن الغذائى بمقدار 440 مليون شخص، إلى 1.6 مليار شخص، كما أن نحو 250 مليونًا على شفا مجاعة. كما تشهد أسواق الغذاء فى العالم أزمة طاحنة من حيث الإمدادات أو المخزون. وتشكل 7 دول 86 % من صادرات القمح، فيما تمتلك 3 دول 68 % من مخزون القمح فى العالم. والأرقام متشابهة فيما يتعلق بالأرز والحبوب الخشنة (أى حبوب غير القمح والأرز) والذرة وفول الصويا.

ومع استمرار الحرب، سادت توقعات بأن ترتفع المستويات القياسية من انعدام الأمن الغذائى الحاد. ففى 81 دولة ينشط فيها «برنامج الغذاء العالمى» التابع للأمم المتحدة، كان يرجح أن يزداد الجوع الحاد بمقدار 47 مليون شخص إضافى، من 276 مليونًا إلى 323 مليونًا، فى ارتفاع بنسبة 17 %، لا سيّما فى إفريقيا.

وتبرز حدة الأزمة، فى أن «مؤشر الفاو لأسعار الغذاء» قد سجل أعلى مستوى له، فى مارس 2022، عند 159.3 نقطة، بزيادة 12.6 % عن فبراير، حين بلغ أعلى مستوى منذ إنشاء المؤشر فى تسعينيات القرن العشرين.

وشكل ذلك تهديدًا للأمن الغذائى فى دول تعانى ضعفًا اقتصاديًا وتعتمد بشكل كبير على القمح الروسى، لا سيما فى الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا الوسطى.