الأربعاء 10 أغسطس 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

70 سنة ثورة يوليو.. استُلهِم من مقال «إحسان عبدالقدوس»!! قانون تنظيم الصحافة.. لم يكن تأميمًا وأنقذها من الإفلاس

كثير من اللغط والاختلاف يظهر دائمًا حينما تثار قضية ما.. أو حدث تاريخى معيّن ومن تلك القضايا التاريخية هو ما حدث فى الـ24 من مايو عام 1960 وتحديدًا بعد صدور قانون «تنظيم الصحافة»؛ فهناك من يرى أن هذا القانون كان خطأً بسبب أنه حوّل دور الصحف فى مصر إلى أداة فى يد النظام يوجهها كيفما يشاء وذلك لتوجيه المجتمع لما يريده النظام.. والبعض الآخر يرى أنه بصدور ذلك القانون قد حافظ على الدور الصحفية من الإفلاس وعدم استخدام الإثارة فى أخبارها أو ما يطلق عليه مصطلح «الصحافة الصفراء» للحفاظ على نسب التوزيع والمبيعات احتياجًا منها للأموال للاستمرار فى مهمتها الصحفية.



 

وكان أول من انتبه إلى هذه المسألة الكاتب الكبير «إحسان عبدالقدوس» فكان أول من طالب بنقل ملكية الدور الصحفية إلى الدولة لإنقاذها من الإفلاس ولإيمانه الشديد بالاشتراكية وأن ملكية هذه الصحف يجب أن تكون فى أيدى الشعب وليس فى يد أصحابها.

فيقول إحسان عبدالقدوس: «فى إبريل 1958 ماتت أمى وتصدعت كل أحلامى وأحسست تمامًا بأننى منهار وبدأت أفكر فى تأميم الصحافة كعملية إنقاذ لدار روزاليوسف وخصوصًا أن هذا الحل كان لا يمكن تنفيذه فى حياة أمى.. كان لا يمكن أن تترك المجلة أبدًا للحكومة فلقد كانت هى أسرتها وهى منزلها.. وكنت كلما كتبت قصة أبيعها للحكومة وأضم ثمنها فى روز اليوسف ثم أسست شركة بينى وبين أختى وزوجها كى نبنى دارًا للطباعة وكل هذا ولا فائدة وكتبت مقالًا قلت فيه: لماذا لا تُؤمَّم الصحافة؟.. وقد أممنا كل شىء تقريبًا ولجأت إلى هذا بعد أن أرهقتنى الرقابة أيضًا». 

يضيف إحسان: «قلت أيضًا فى المقال: إن الصحافة حين تؤمم تصبح تابعة للحزب الحاكم وهو الاتحاد الاشتراكى»، ويؤكد: «قرأ عبدالناصر المقال فى إبريل 1960، وأخذ منه أربعة سطور بالنص، وأصدر بها قانون «تنظيم الصحافة» واتصل بى «عبدالقادر حاتم» وكان على علاقة صداقة بى وقال: الرئيس أخذ من مقالك وأمم الصحافة وأنت هتكون رئيس إدارة روز اليوسف، وكنت رئيس مجلس الإدارة الوحيد الذى عُيِّن من أصحاب الصحف التى دخلت فى قرار التأميم، وأنا أعتبر أن روزاليوسف استفادت من تأميم الصحافة فى مصر، ولولا التأميم كانت أفلست».

وكانت أول فكرة لتأميم دور الصحف قد طرحها «إحسان عبدالقدوس» على مجلس ادارة المجلة حين اقترح أن يشترى المحررون والعمال الدار من أصحابها بقيمة رأس المال حتى لا تترك عدالة توزيع الحقوق نظير العمل فى يد أصحاب الدار يوجهونها حسب أمزجتهم على أن يتم تقسيم الأرباح آخر السنة على ثلاثة أبواب أحدها يدفع منه الأقساط المستحقة لأصحاب الدار الأصليين وآخر يرصد فيه الاحتياطى وما قد يتطلبه التوسع فى أعمال الدار والباقى من الأرباح يوزع على حملة الأسهم.

وفى صباح يوم 24 مايو عام 1960 صدر قرار «تنظيم الصحافة» ونقلت ملكية الصحف إلى «الاتحاد القومى» لا إلى الدولة ولذلك نص القرار على «تنظيم الصحافة لا تأميمها».

وشمل القرار الدور الصحفية الخمس الكبرى «الأهرام» و«الأخبار» و«الجمهورية» و«دار الهلال» و«روزاليوسف» وانتدب «جمال عبدالناصر» أحد الضباط من مكتبه وجعله مشرفًا على «أخبار اليوم» ووضعت الدولة يدها على الصحافة. 

وعقب صدور القانون، التقى «عبدالناصر» مع مجالس إدارات المؤسسات الصحفية الجديدة وبرؤساء تحرير الصحف والمجلات وتحدث عن الظروف التى اقتضت نقل ملكية الصحف إلى الشعب ورسالة الصحافة ودورها فى المجتمع الاشتراكى الديمقراطى.

وقال «عبدالناصر» «ليس هدفنا أن نغتصب مبانى 5 أدوار أو 11 دورًا..لا بُد أن نبنى مجتمعًا اشتراكيًا متحررًا من الاستغلال المجتمعى الذى نريد أن نبنيه بالقطع مش مجتمع القاهرة ولا النادى الأهلى ولا نادى الزمالك ولا نادى الجزيرة ولا السهرات بتاعة بالليل.. مش هى دى بلدنا بأى حال من الأحوال بلدنا كفر البطيخ.. القرية أى قرية هيا دى نموذج بلدنا وهناك مشكلات حقيقية فى بلدنا واللى عاوز يكتب عن بلدنا يروح هناك ويشوف الناس اللى لابسين برانيط قش وبيشيلوا الرز طول النهار عشان يعيشوا دى بلدنا وليس أخبار فلانة اتطلقت أو اتجوزت…

وواصل عبدالناصر حديثه «إذا أردنا أن تكون عندنا فعلًا صحافة يجب أن تكون فى خدمة الناس فى بلدنا وفى خدمة مجتمعها الأصيل اللى احنا جينا منه».

وقد دافع «محمد حسنين هيكل» عن قرار تنظيم الصحافة وكتب سلسلة من مقالات فى «الأهرام» بعنوان «الصحافة» جاء فيها «لقد كان قانون تنظيم الصحافة الجديد حاسمًا فى تقييمه لحرية الصحافة.. وحرية الصحافة بخير.. وكيف يمكن أن يخطر على البال أن الضمانات لحرية الصحافة كانت مصونة حين كانت الصحف فى ملكية فرد؟»

وتساءل «هيكل» لماذا يقال أن القانون الذى صدر بشأن الصحافة هو قانون (تنظيم الصحافة) ولماذا لا يقال صراحة أنه قانون لتأميم الصحافة؟! الجواب: لأن الصحافة لم تُؤمَّم.. نقول ذلك لا تجنبًا لكلمة التأميم أو حذرًا منها فإن كلمة التأميم كلمة لها قيمتها ولها احترامها فى مجتمع يؤمن بالاشتراكية».

وذكر «هيكل» فى كتابه «بين الصحافة والسياسة» عن مقابلة له تمت فى بيت «عبدالناصر»، وقال له الرئيس: «إننا مقبلون على تحولات اجتماعية كبيرة، وقد بدأت هذه التحولات بتأميم البنك الأهلى وبنك مصر، إذا كنا نريد حقًا تنفيذ خطة للتنمية، وإذا كنا نريد إجراء تحولات اجتماعية عميقة فى مصر فلا بديل عن سيطرة المجتمع على وسائل المال والإنتاج، ولا نستطيع عقلًا ولا عدلًا أن أفرض سيطرة المجتمع على الاقتصاد ثم أترك لمجموعة من الأفراد أن يسيطروا على الإعلام، إنهم لا يسيطرون الآن عمليًا لأن الثورة قوية، وذلك مجرد خوف، وأنا لا أثق فى خائف خصوصًا إذا تغيرت الظروف، ثم إن المرحلة الجديدة من التحول الاجتماعى تحتاج إلى تعبئة شاملة، وأعرف أن الموجودين الآن سوف يصفقون لأى قرار لكن المطلوب شىء آخر غير التصفيق».

وبعد صدور القانون كتب «إحسان عبدالقدوس» فى عدد المجلة رقم 1668 الصادر فى عام 1960 مقالًا غاية فى الأهمية دفاعًا عن قانون «تنظيم الصحافة» تحت عنوان «الصحافة والاشتراكية» يحكى فيه عن القرار وكيف استقبله هو وكيف استقبله من حوله.

فيقول «كنت فى مدينة جينيف بسويسرا وكنت فى طريقى إلى مدينة «برن» لزيارة مصنع لآلات الطباعة وفى حقيبتى تفاصيل مشروعات «روزاليوسف» للخمس سنوات القادمة»..

ودق جرس التليفون فى حجرتى بفندق «دى رون» وقالت العاملة القاهرة ستتحدث إليك بعد بضع دقائق وجلست أنتظر والدهشة تعصف برأسى فقد تحدثت مع القاهرة فى الليلة السابقة ولم يمر على حديثى أكثر من اثنتى عشرة ساعة فماذا يمكن أن يكون حدث فى هذه الساعات وبدأت أخمن.. وكما هى العادة خمنت كل الأحداث المحزنة وكل الأحداث السعيدة وأخيًرا.. تحدثت القاهرة لقد صدر قانون «تنظيم الصحافة».

وصرخت فى التليفون صرخة فرح.. مبروك.. مبروك.

كانت فرحتى تهز أعصابى.. نفس الفرحة التى شعرت بها عندما دق جرس التليفون فى بيتى ليلة 23 يوليو.

صدقونى أن هناك إنسانًا يفرح عندما تنتقل ملكيته الخاصة إلى ملكية عامة..عندما تنتقل دار «روزاليوسف» من دار أمتلكها إلى دار يملكها الشعب.

ويحكى بعد ذلك أن كل من جاءوا إلىّ كانت أعينهم منكسرة كأنهم جاءوا لتعزيتى ثم فوجئوا بفرحتى والذين صدقوا منهم هذه الفرحة اتهمونى بالجنون والذين لم يصدقوها اتهمونى بالنفاق.

وكان للأستاذ الكبير «يوسف السباعى»  دور كبير ومهم فى تلك المرحلة الحاسمة من عمر الصحافة المصرية فى الحفاظ على مبادئ العمل الصحفى واستمرار المؤسسات الصحفية فى تقديم رسالتها التثقيفية والتنويرية من خلال حفاظه لتلك المؤسسات على العديد من النقاط فى عملية نقل الملكية لتلك المؤسسات إلى الدولة.

وبصدور هذا القانون أخذت دور الصحافة المصرية تعرف شكلًا جديدًا من التنظيم والعمل المؤسسى وكانت النتائج جيدة وفى صالح المؤسسات الصحفية وانعكس ذلك على تطور الصحافة فى مصر،  فتمت فى تلك الفترة إنشاء أول وكالة للأنباء فى مصر وهى «وكالة أنباء الشرق الأوسط» كما استطاعت جريدة «الأهرام» الوصول إلى مكانة عالمية حيث أصبحت من أفضل 10 صحف على مستوى العالم.