الأربعاء 7 ديسمبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
ماذا حدث للشخصية المصرية؟! (1)

ماذا حدث للشخصية المصرية؟! (1)

يبدو أن العنف أصبح ظاهرة منتشرة فى المجتمع المصرى، فلا يكاد يخلو شارع من أحداث عنف لدرجة أنه أصبح ظاهرة اعتيادية تجابه الشخصية المصرية، فخلال الأيام الأخيرة فقط شهد مجتمعنا جرائم عنف لم نشهدها من قبل، جرائم صنفت بأنها الأكثر دموية، بداية من حادث ذبح مواطن فى أحد شوارع محافظة الإسماعيلية نهارًا على مرأى ومسمع من الجميع، مرورًا بجريمة قتل شخص لخمسة أفراد من أسرة واحدة فى مزرعة بالريف الأوروبى بمدينة الشيخ زايد لأسباب قيل أنها عاطفية، وقتل طالبة جامعية لزميلها لرفضه الزواج منها، وقتل ممرضة لزوجها عقب ممارسة لعبة جنسية يطلب زوجها تنفيذها معه أثناء ممارسة العلاقة الحميمية، وصولاً لجريمة ذبح طالب لزميلته أمام بوابة كلية الآداب بجامعة المنصورة بعد مشادة كلامية بينهما بسبب رفض أسرتها زواجه منها، المؤسف فى هذه الجريمة أنه لم يتدخل أحد لمنع الشاب من ارتكاب الحادث واكتفوا فقط بالإمساك به عقب جريمته، ليتضح لنا بعدها أن الشهامة والمروءة والجدعنة التى كانت من أهم سمات الشخصية المصرية التى ولت واختفت تمامًا، إما خوفًا من التعرض للإصابة، أو ميلاً لعدم تحمل المسئولية للابتعاد عن المشاكل والقيل والقال، فاكتفى البعض بالمشاهدة، والبعض الآخر قام بتصوير الجريمة وسارع بنشرها على مواقع التواصل الاجتماعى.



الخوف من المسئولية الذى تملّك شعور وأحاسيس المشاهدين، هو نفسه السبب الذى جعل قيادات جامعة المنصورة يصدرون بيانًا حول الحادث ركز على عدم مسئولية الجامعة، مؤكدًا أن الجريمة وقعت خارج أسوارها، ولذا فهم غير معنيين بالأمر، والمؤسف أكثر هو تلك التعليقات التى انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعى التى أدان بعضها الفتاة الضحية لأنها خرجت من بيتها بهذا الشكل؛ فى إشارة إلى اللباس، فيما كتب آخر أن الشاب الجامعى قام بفعلته لأن الضحية «قهرته وأوصلته لمرحلة لم يعد يعرف فيها ما الذى يجب عليه فعله».. فيما دعا آخر إلى «عدم التسرع فى الحكم»، وهى التعليقات التى وقف بجانبها بشكل أو بآخر رجل دين أستاذ فى جامعة الأزهر، حينما قال عقب ذبح الطالبة: «عاوزة تحافظى على نفسك البسى قُفة وانتى خارجة»، وهو التعليق الذى تبرأت منه جامعة الأزهر، وهو نفسه التعليق الذى وصفه الدكتور أسامة الأزهرى، مستشار رئيس الجمهورية للشئون الدينية، بأنه مُستهجن ومُبتذل وآذى مشاعر المصريين، ورد عليه بقول الرسول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».

تعليق رجل الدين الصادم وباقى التعليقات التى أدانت الضحية لاقت استهجانًا من قبل مغردين آخرين، حيث قالت أحدهما: «كيف نشعر بالأمان الآن إذا كانت هذه هى أفكارهم»؟ وأضافت: «ما زلت لا أفهم لماذا يستخدم الناس الدين كمبرر للجرائم خاصة عندما تكون الضحية امرأة»؟ وكتبت أخرى: «ما زلت أشعر بالصدمة حيال تعرض شابة للطعن على يد زميلها.. والأمر الأكثر ترويعًا هو تعليق الناس ودعمهم للقاتل، أشعر بالرعب والأسف على كل فتاة تعيش فى مصر. لا عذر للقتل».. ووصل حد تبرير الجريمة إلى اتهام القاتل بأنه مريض نفسى يحتاج إلى علاج، وأن الجريمة ربما تكون عقابًا للضحية.

الأمثلة التى ذكرناها خلال السطور السابقة تؤكد أن الشخصية المصرية قد أصابها مرض فتاك الخلاص منه ليس بالسهل، خاصة أن العنف أصبح لا يفرق بين طبقة غنية وأخرى فقيرة، بين جاهل أو متعلم بين فتى أو فتاة، بعد أن تملك جميع أفراده الشعور بعدم الأمان والإحساس بالقهر والضعف فى ظل عدم تطبيق القانون (من وجهة نظرهم)، ولذلك يتم اللجوء إلى القوة للقضاء على هذا الإحساس، ولهذا تحديدًا يلجأ البعض إلى تعاطى المخدرات بأنواعها المختلفة، فى ظل عدم القدرة المادية وتوافر المعلومة الصحيحة عن ظروف العمل والتشغيل، يحدث هذا وسط غياب للتربية الأسرية والمدرسية على حد سواء، يضاف إلى ذلك الجرائم والإرهاب والعنف الذى نراه فى المسلسلات الدرامية ونصرة المجرم والقاتل وفى آخر عشر دقائق يٌنصر المظلوم، وكذلك أفلام الأكشن الأجنبية جميعها تحتوى مشاهد عنف، هذا بخلاف الألعاب الإلكترونية المشجعة على تنامى هذه الظاهرة، وكذلك المخدرات التى تسلب العقول وتدمر الذات، كل ذلك شكل شخصيات محطمة ومنهارة بلا قيم أو أخلاق.. إضافة إلى غياب الوازع الدينى الوسطى الصحيح، فى حين لم يتواجد بيننا إلا دعاة الفتن والتطرف، جل هذه الأسباب أدت إلى انتشار العنف فى مصر وتمكن من الشخصية المصرية، التى أضحت فى حاجة ملحة إلى علاج سريع تُشارك فيه جل الجهات (حكومية وغير حكومية) للقضاء على هذه الظاهرة التى تكاد تصل إلى مرحلة الوباء، مع تشديد العقاب الحاسم والناجز لمثل هذه الجرائم، حتى تعود الشخصية المصرية الشهمة إلى سابق عهدها.