السبت 22 يناير 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
شيطان الجماعة من المهد إلى المشنقة

شيطان الجماعة من المهد إلى المشنقة

يقول الكاتب الصحفى اللبنانى سليمان الفرزلى فى كتابه «حروب الناصرية والبعث»: «إن ثورة يوليو المصرية تملك هيكلين وليس هيكل واحدًا، الثانى معروف بيننا باسم محمد حسنين، الصحفى الذى ترأس تحرير الأهرام وعاش طيلة عمره فى حاشية ناصر، أمّا هيكل الأول فكان سيد قطب».



ورُغم أهمية حديث «الفرزلى»، ولكنْ ثمّة اتفاق غير مكتوب بين الإسلاميين والعلمانيين على حد سواء حول تجاهُل سيرة سيد قطب؛ لأنه يمثل الحلقة المفقودة فى فهم جميع السرديات الكاذبة لكلا الفريقين.

فهو الحلقة المفقودة التى يبحث عنها أى عاقل لاحظ أن التطرف الدينى والتطرف العلمانى وجهان لعملة واحدة على حد سواء، بداية من حقيقة أن سيد قطب هو المنظر وصائغ أيديولوچيا السلفية الجهادية فى العصر الحديث، ما يضرب الأساطير التى روّج لها العلمانيون عن الفكر المتطرف القادم من خارج البيئة المصرية، بينما يحاول تنظيم الإخوان دائما وضع سيد قطب فى الظل لأنه الإثبات الذى لا جدال فيه أن جميع التنظيمات الإرهابية الإسلامية حول العالم قد خرجت من عباءة الإخوان.

إن أهم مفاتيح فهم شخصية سيد قطب هى مفتاح فهم التطرف الدينى والعلمانى على حد سواء؛ ذلك لأن «قطب» تنقل ما بين الفريقين، فمثل للمرة الثانية حلقة مفقودة فى فهم ظواهر فكرية لدى الفريقين تحسبها متضادة ولها أسباب مختلفة بينما هى فى الواقع متطابقة وتنبع من نفس الأسباب.

سيد قطب مَرّ بالحَدثين معًا، فوجب تجاهله؛ حيث صعد إلى دروب التطرف العلمانى أولًا، وحينما فشل فى هذا الطريق، عاد إلى دربه الأصلى وسلك طريق التطرف الدينى.

وُلد سيد قطب حسين الشاذلى عام 1906 فى بيئة قروية، وكان الجد الرابع قد هاجر من الهند للحجاز قبل أن يستقر فى مصر، ولم تكن أسرة «سيد» بسيطة المستوى، ويكفى القول أنهم أرسلوه فورًا إلى المدارس دون المرور بالكتّاب كما كان يجرى وقتذاك فى عموم بلدته.

كانت له محاولات فى الكتابة، الصحفية والروائية والنقد والشعر والقصة القصيرة، تتلمذ على يد العملاق عباس محمود العقاد الذى أدخله عالم الأدب والصحافة عام 1921، وقد حاول تنظيم الإخوان لاحقًا الادعاء أنه كان صحفيًا بارعًا وأديبًا مفوهًا وشاعرًا لا يُشق له غبار، بينما الواقع أن إمكانيات «قطب» الأدبية كانت محدودة للغاية، وقد عُرف عنه فى كتاباته غير الروائية أنه كان يقتبس نصف المادة المنشورة ويذكرها على لسان صاحبها باعتبارها أفكارًا يرى أنها ملائمة للمجتمع، إذ يُعتبر «قطب» محررًا جيدًا يستطيع تلخيص الكتب التى قرأها وتقديمها فى كتب خفيفة شيقة أو عرض فكرة قديمة فى إطار لغوى بسيط، ما أهّله للدور السلفى الجهادى الذى نفذه لاحقًا.

لم يرتق يومًا إلى مصاف أهم كتاب عصره كما حاول تنظيم الإخوان الادعاء فى فترة الربيع العربى (2011 - 2013)؛ حيث تم استئجار بعض النقاد وإصدار أعمال قطب وفرد ملفات صحفية عنه فى هذه المرحلة وتقديمه للمجتمع المصرى مرة أخرى باعتباره أديبًا  لا يُشق له غبار، وحتى ما قيل بأنه أول من تنبأ بموهبة نجيب محفوظ فيه مبالغة، ففى واقع الأمر أن أغلب من قرأ لمحفوظ فى بدايته صك النبوءة ذاتها، ولكن مع الآلة الدعائية الإخوانية جرى تضخيم كتابات قطب عقب إعدامه فى محاولة لصناعة مفكر وأديب جرى إعدامه وليس مجرد إرهابى قاد تنظيمًا إجراميًا.

وتشاء الأقدار أن نجيب محفوظ تلقى إشادة نقدية من سيد قطب فى بداية حياته، هو ذاته نجيب محفوظ الذى تلقى طعنة من تلاميذ سيد قطب فى خاتمة حياته يوم حاول الإرهاب اغتيال عميد الرواية العربية بعد ربع قرن من إعدام قطب!

انتسب «قطب» إلى حزب الوفد ثم الحزب السعدى، وكان فى كتاباته يميل إلى اليمين الوفدى ثم اليمين السعدى، كما تضمنت كتاباته احتفاء بالقيم المصرية وتاريخ مصر القديمة بما يمكن تصنيفه بكتابات مؤيدة ولو ضمنيًا لفكرة القومية المصرية، وهو فى هذا الإطار لم يتحدث يومًا عن القومية العربية.

تماهى «قطب» مع الحقبة الليبرالية؛ حيث دعا إلى تطوير مناهج الدراسة فى كلية العلوم وتحديد تدريس اللغة الإنجليزية والنقد الفنى، وقد اعتبره بعض المثقفين فى الثلاثينيات من شباب تيار التنوير؛ خصوصًا بعد صدور كتابه «التصوير الفنى فى القرآن» وكتاب «مشاهد القيامة فى القرآن».

وفى الثلاثينيات كتب مقالاً فى جريدة الأهرام يدافع عن حرية العُرى وارتباطه بالحداثة الأوروبية، وهو المقال الذى أشار محمود عبدالحليم أحد القادة المؤسّسين لتنظيم الإخوان فى كتابه «الإخوان المسلمين.. أحداث صنعت تاريخ»، ولكن تنظيم الإخوان لاحقاً شن حملة ضد هذه الواقعة، بدأت بزج تاريخ خاطئ للمقال ثم الطعن عليه بأن العدد لا يوجد به مقال لقطب، ثم تطاول شيوخ الجماعة مثل يوسف القرضاوى على واحد من الآباء المؤسّسين مثل محمود عبدالحليم من أجل تنظيف سجل قطب العلمانى التنويرى.

وفى هذه الفترة انضم سيد قطب إلى المحفل الماسونى المصرى، وهى واقعة تحمل علامة استفهام مهمة فى تاريخ قطب، فمن ناحية المحفل الماسونى المصرى وقتذاك ارتبط بالحركة الصهيونية والمخابرات الأمريكية، ومن ناحية أخرى فإن قطب شارك بالكتابة فى جريدة التاج المصرى والتى كان يكتب بها أهم رجالات الماسونية فى مصر فحسب، ما يعنى أن قطب كان من أهم كوادر الماسونية بمصر، ولا يعرف تاريخ انضمامه للحركة الماسونية، ولا يعرف هل انشق عنهم من عدمه علمًا بصعوبة أن ينشق البعض عن هذه التنظيمات.

وفى مقالاته بالصحيفة الماسونية إشارات إلى فكره فى مرحلة الحرب العالمية الثانية، فى مقال بعنوان «لماذا صرت ماسونيًا؟» عدد 23 أبريل 1943 يضح الحركة الماسونية باعتبارها أهم حركات نصرة الحق والضعفاء حول العالم، وفى مقال بتاريخ 14 مايو 1943 يكتب عن «حلفائنا الأعزاء يذودون عن العرين فكان لهم النصر المبين لقوة الحق واليقين» إلى إشارة إلى قوات الحلفاء بقيادة بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية التى كانت تقاتل القوات الألمانية على الحدود المصرية، وقد وصف «قطب» جنود أمريكا وبريطانيا فى المقال ذاته باعتبارهم «رجال الحق ورُسُل الديموقراطية».

وفى المقال نفسه يكتب «هنيئًا للمجاهدين من إخواننا الإنجليز والأمريكان هذا النصر المبين، وقل سيروا على بركة الله فقد هان الأمر وبدت تباشير الفوز والله معكم».

وفى مقال بتاريخ 16 يوليو 1943 كتب «وليس من شك فى أن الله سيكتب النصر للديموقراطية والنصر العظيم ولأعداء الحرية الحزن المبين والله لا يضيع أجر العاملين».

والملاحظ هنا هو أن المسحة الإسلامية فى كتاباته حتى فى صحيفة المحفل الماسونى كانت حاضرة؛ وذلك ردًا على من قال إن التوجه الإسلامى السلفى الجهادى أتى عقب ثورة 23 يوليو 1952 أو بسبب السجن عقب حادث المنشية عام 1954 أو ما يطلق عليه تنظيم الإخوان مذبحة سجن طرة عام 1957 أو أن الفكر التكفيرى لقطب نشأ عقب عودته من أمريكا بعد أن رأى الكفر فى أمريكا على حد وصف تلامذته، بينما الفكر السلفى الإسلامى لقطب بل والتكفير كان حاضرًا فى كتاباته قبل ثورة 23 يوليو 1952، وتحديدًا فى كتاب «العدالة الاجتماعية» عام 1947، وكتاب «الإسلام والرأسمالية» عام 1950.

أمّا مفاجأة مقالات سيد قطب فى هذه المرحلة فكانت مهاجمة تنظيم الإخوان المسلمين والعميل البريطانى حسن البنا، وقد سدد أعتى انتقاد للبنا بالقول أن تنظيمه شديد الشبه بتنظيم حسن الصباح «الشيعى الإسماعيلى» سواء فى الهيكل العام أو الطرح الفقهى وطريقة العمل.

ولكن أكبر محطات قطب التى يعجز أبناء تنظيم الإخوان أنفسهم عن تفسيرها هو بعثته الدراسية إلى الولايات المتحدة الأمريكية والتى قيل إنها جرت بناء على برنامج تدريبى صاغته بعض المؤسّسات الأمريكية لموظفى وزارة المعارف المصرية.

فمن جهة لم يكن قطب موظفًا كفؤًا أو واعدًا فى وزارة المعارف حتى يحظى بترشيح من جهة مصرية أو أمريكية للذهاب إلى بعثة تدريبية، ثانيًا جميع البعثات الدراسية فى هذا العصر لا تزيد على ثلاثة أشهُر ويوم تصبح بعثة كبرى لا تزيد على ستة أشهُر فى حين أن بعثة قطب كانت عامين ما بين 1948 و1950، وكانت المرة الأولى والأخيرة التى تقوم بها الولايات المتحدة الأمريكية بهذا النوع من البعثات.

وكان يتلقى راتبًا شهريًا من الحكومة الأمريكية طيلة فترة الدراسة كما هو الحال مع البعثات الدراسية التى نظمتها الولايات المتحدة لأبناء الدول الأخرى غير مصر، ولكن من المدهش حقًا أن البعثة الدراسية لم يكن لها أى موضوع محدد وكانت زيارة مفتوحة للأراضى الأمريكية مدفوعة الأجر لمدة عامين، فى زمن كانت واشنطن قد قررت الاعتماد على الإسلاميين فى صد المد الشيوعى السوفيتى على منطقة الشرق الأوسط، وقررت واشنطن أن ترث الدور الإمبراطورى البريطانى عقب الحرب العالمية الثانية بما فى ذلك جماعات الإسلام السياسى التى صنعتها بريطانيا، من أجل هيكلتها وإعادة استخدامها كجماعات وظيفية فى تنفيذ رؤية أمريكا للشرق الأوسط بعد أن تقاسمت أمريكا والاتحاد السوفيتى مساحات النفوذ بين الشرق والغرب وبقيت منطقة الشرق الأوسط أو المشرق الإسلامى تنتظر بدء أشرس جولات الحرب الباردة.

إن القراءة الوحيدة اللائقة لهذه البعثة الدراسية، أنها كانت مصممة خصيصًا لسيد قطب، وأن تلك الحجج التى قيلت للمسئولين فى مصر فى وزارة المعارف وغيرها من الجهات المعنية، كانت مجرد تبرير ساذج لغياب قطب فى أمريكا طيلة عامين؛ حيث عاد بعدها إلى القاهرة من أجل لعب الدور الذى تدرب عليه فى الولايات المتحدة الأمريكية.

حاول بعض الإخوان الإيحاء بأن تلك الرحلة كانت السبب فى جنوح قطب من العلمانية الليبرالية إلى السلفية الجهادية، وأن «مظاهر الكفر» التى رآها قطب هى التى جعلته يتحول بهذا الشكل، وهى حجج مردود عليها بأنه إلى اليوم لا أحد يعرف ما هى «المظاهر» التى تعرض لها قطب، باستثناء الذين حاولوا القراءة ما بين سطور مقالات قطب المرسلة بانتظام من أمريكا للصحافة المصرية طيلة فترة ابتعاثه، كما أن التكفير وكشف الوجه الإسلامى لقطب لم يحدث عقب عودته من أمريكا؛ بل بدأ فى مؤلفاته عام 1947 ومن قبل ذلك كانت مفردات الإسلام السياسى حاضرة فى كتاباته منذ منتصف الثلاثينيات حتى وهو يحاول جاهدًا صياغة خطاب تنويرى أو علمانى.

وكعادة أبناء ظاهرة الصدمة الحضارية؛ فإن قطب قبيل سفره حدد بالفعل ما سوف يراه فى أمريكا، حتى لو لم يكن موجودًا، وبالتالى ما أن وطأت قدماه الأراضى الأمريكية حتى أمطر الصحف المصرية بمقالات عن خلاعة الشعب الأمريكى وانحلاله الأخلاقى، بينما المجتمع الأمريكى لم يكن بالتحلل الذى كتب عنه قطب فى مقالاته، ولكن جمهور قطب الإسلامى القروى كان مستعدًا لتلقى هذه الوقائع باعتبارها حقيقة مؤكدة حتى اليوم، والأكثر إثارة للانتباه أن قطب تفرغ طيلة عامين للحديث عن انحطاط أمريكا دون أن يكتب فى مقالاته إشارة واحدة لما يدرسه أو تعلمه فى أمريكا سوى أنه هائم على وجهه فى الولايات الأمريكية يشاهد فى أسًى مظاهر الكفر والخلاعة!

واتصالًا بأهمية تفكيك السردية الإخوانية عن معاناة قطب مع سلبيات المجتمع الأمريكى، أن الأخير كتب من أمريكا العديد من المقالات التى تشيد بما رآه فى المجتمع الأمريكى، ولكن هذه المقالات أسقطها قطب وتلامذته من سيرة الأسطورة باعتباره الإسلامى الذى يصف ديار الكفر، وبالتالى لا يليق به الحديث إيجابيًا عن بعض مكونات المجتمع الأمريكى، ويمكن العودة إلى جريدة الأهرام بتاريخ 18 مايو 1950 ومقال قطب بعنوان «ماذا صنعنا لتشجيع البحث العلمى؟»؛ حيث يبدى إعجابه بالتطور العلمى فى أمريكا ومقارنته بما يجرى فى مصر.

وفى أوائل الخمسينيات، رأت أمريكا وبريطانيا، إضافة إلى الملك فاروق ورئيس الوزراء مصطفى النحاس، أن التيار اليسارى فى الشارع المصرى، سواء الشيوعى أو الاشتراكى أو التقدمى وغيره، فى أقوى حالاته، وأنه يجب إطلاق تنظيم الإخوان مرة أخرى من أجل ممارسة لعبة فرملة المد الشيوعى بالإسلام السياسى، إذ كان فاروق والنحاس يخشيان على شعبية القصر والوزارة، لذا استمعا إلى نصيبة لندن وواشنطن من أجل إعادة تأسيس التنظيم الذى تم حظره أثناء حرب فلسطين.

فى عام 1951 رفعت حكومة الوفد الحظر عن تنظيم الإخوان المسلمين وهكذا ظهر تنظيم 1951 الإخوانى بقيادة حسن الهضيبى، القيادى الإخوانى الأسبق محمد الغزالى فى كتابه «معالم الحق فى كفاحنا الإسلامى الحديث» يشير إلى أن الهضيبى كان ينتمى إلى المحفل الماسونى وأنه اعتمد على تنظيم ماسونى داخل الجماعة، ولعل هذا القول يفسر انتساب قطب للإخوان عام 1951 ثم طلب العضوية الرسمية والعمل الرسمى داخل الهيكل التنظيمى للإخوان عام 1953.

إذا كان التنظيم الأول للإخوان عام 1928 اعتمد على چوقة من الصوفيين بقيادة حسن البنا؛ فإن التنظيم الثانى عام 1951 اعتمد على چوقة من أعضاء المحفل الماسونى على رأسهم الهضيبى وقطب، هكذا عاد قطب من أمريكا محملًا بالتكليف الأمريكى، وانتسب عام 1951 وليس عام 1953 لتنظيم الإخوان، ولكن دون الحصول على العضوية من أجل ممارسة لعب تقاسم الأدوار.

إن ارتباط قطب بالماسونية كان ملازمًا له طيلة سنوات الحرب العالمية الثانية بالإضافة إلى أن المحفل الماسونى المصرى المتعاون مع المخابرات الغربية هو من رشح قطب للبعثة الدراسية فى أمريكا، وانتهاء بأن قطب كان واحدًا من تنظيم ماسونى إخوانى شارك فى توحيد- وليس إحياء لأنه لم يمت- تنظيم الإخوان عام 1951، علمًا بأن أمريكا لم تكن بعيدة عن لعبة توحيد ونشأة تنظيم 1951 فى مستهل سياستها فى الشرق الأوسط لدعم كتلة إسلامية ضد المَد الشيوعى حينما قامت ثورة 23 يوليو 1952.

راح قطب ينشر قصصًا عن علاقته بالرجل القوى، البكباشى جمال عبدالناصر؛ حيث صاغ قطب أنه كان على علاقة صداقة مع عبدالناصر قبل 23 يوليو 1952، أو أن بعض اجتماعات تنظيم الضباط الأحرار جرت فى منزله أو بترتيبات منه، ولاحقًا أن له دورًا فى تأسيس «هيئة التحرير» وهو التنظيم الحاكم فى مصر قبل تأسيس «الاتحاد القومى» ولاحقًا «الاتحاد الاشتراكى».

تاريخيًا لا يوجد أى دليل على تلك القصص باستثناء قطب نفسه، أو بعض العناصر الإخوانية والاشتراكية التى عملت تحت مظلة التيار القطبى داخل تنظيم الإخوان، والذين حاولوا إضافة سيد قطب إلى ثورة 23 يوليو 1952 باعتباره أحد رجالاتها أو مهندسيها، بينما كتب التاريخ لا تذكر إلا أن قطب قد تقرب إلى عبدالناصر بعد 23 يوليو 1952 ولم يكن له دور قيادى مزعوم فى هيئة التحرير.

تطوّع قطب بتوفير الظهير الصحفى والفكرى لثورة 23 يوليو والادعاء فى مقالاته بمعرفته ببواطن الأمور والتلميح المستمر للاتصال بكبار رجالات الثورة، على أمل أن يلقى هذا الغزل المتواصل صدًى لدى الرئيس محمد نجيب أو وزير الداخلية جمال عبدالناصر ويتم تسميته وزيرًا للمعارف كما رغب فى هذه المرحلة.

والحاصل أن قطب اقترح بالفعل العديد من المواد الدراسية والأناشيد للأطفال فى المدارس وبالفعل ظلت هذه المناهج والأناشيد القطبية تدرس فى المدارس المصرية حتى تنبه صانع القرار لهذا الأمر عشية إعدامه عام 1966!

ثم كان قطب هو من سَنّ فكرة «الديكتاتور العادل» منتقدًا المطالب الفورية للشعب عقب نجاح الثورة، وحينما قام العمال بالانتفاضة، ألقى قطب جميع ديباجاته الفكرية عن الفقراء والعمال خلف ظهره وتحدث عن الشيوعيين الذين أرادوا عرقلة الثورة فى مقال بعنوان «حركات لا تخيفنا» فى جريدة الأخبار يوم 15 أغسطس 1952، ولا عجب أو غرابة فى ذلك، لأن التعليمات الأمريكية وقتذاك لعملائها فى الشرق الأوسط هو دعم أى تحرك يكبح الصحوة الشيوعية والمد السوفيتى.

وأيّد قطب إعدام محمد مصطفى خميس (18 عامًا) ومحمد عبدالرحمن البقرى (19 عامًا) العاملين بمصنع كفر الدوار واللذين قادا تظاهرة مطالبة برفع الأجور، وذلك بمقالات احتوت على أشد العبارات مثل أن «حركة العمال وراؤها أخطبوط الرجعية والاستعمار».

وحينما تأسّست هيئة التحرير باعتبارها التنظيم الحاكم وقتذاك، لم يكن من المؤسّسين أو عضوًا بها كما ادّعى قطب وبعض تلامذته لاحقًا؛ حيث كان الضباط الأحرار عمومًا وجمال عبدالناصر خصوصًا لديهم تحفظات على قطب تحديدًا بغض النظر عن انتمائه الإخوانى.

كان قطب يطمع فى منصب وزير المعارف، ولكن بعد أن عامله الضباط الأحرار ببرود، قرر أن ينتقل إلى المعارضة الصريحة برئاسة تحرير جريدة «الإخوان المسلمون»، وأتى حادث المنشية فى 26 أكتوبر 1954- حينما حاول الإخوانى محمود عبداللطيف اغتيال عبدالناصر فى الإسكندرية- بمثابة صافرة البداية فى ماراثون نسف الرئيس جمال عبدالناصر لتنظيم الإخوان المسلمين؛ حيث يمكن اعتبار هذا التاريخ هو نهاية تنظيم 1951 الإخوانى، وحصل سيد قطب على حكم بالسجن 15 عامًا، فى أكتوبر 1954، علمًا بأنها المرة الثانية التى يعتقل فيها قطب عام 1954؛ حيث كانت المرة الأولى ما بين يناير ومارس من العام نفسه.

عكس جميع رجالات الإخوان فى هذا العصر، اعترف قطب بأن محاولة اغتيال عبدالناصر كانت إخوانية ولكن ليست خالصة وأن تنظيم الإخوان تم اختراقه بقوى خارجية هى من دبرت محاولة الاغتيال لضرب العلاقة بين تنظيم الإخوان وحركة الضباط الأحرار.

على وقع محاولة اغتيال عبدالناصر تم إعدام 6 كوادر إخوانية عام 1954 هم: عبدالقادر عودة، ومحمد فرغلى، ويوسف طلعت، وإبراهيم الطيب، وهنداوى دوير، ومحمود عبداللطيف.

ادّعى قطب أنه تعرض للتعذيب والإذلال فى السجون المصرية، بينما لا يوجد أى دليل حول هذا الأمر؛ بل كان لقطب مساحة فى السجن كفلته بأن يخرج أهم إنتاجه الفكرى الأدبى خلف الأسوار، كما أنه سمح له بإقامة شبه دائمة فى مستشفى السجن كفلت له تخريج هذا الكم من الكتب والأبحاث، ما جعل إنتاجه فى السجون أكثر من إنتاجه فى سنوات ما قبل يوليو 1952.

بعد أن فشل قطب فى التأقلم مع التنوير والماسونية والثورة، قرر اللعب بأوراق مكشوفة وطرح كل ما لديه من أفكار، فالمجتمعات المسلمة قبل الأوروبية أو الأمريكية فى نظر قطب هى مجتمعات كافرة، والإسلام يجب أن يحكم والثورة المسلحة هى الطريق الوحيد، أخرج كتابه «فى ظلال القرآن» ثم «معالم فى الطريق»، وإلى اليوم هذان الكتابان هما المرجعية الحقيقية لجميع التنظيمات الإرهابية حول العالم.

أخيرًا وجد الإسلاميون المُنظر والمُفكر الذى يُعبر عن الفكرة الرئيسية للإسلام السياسى المصنع فى أروقة المخابرات البريطانية قبل أن ينتقل الملف إلى المخابرات الأمريكية بهذه الدقة وهذه السلاسة التى تجعل القارئ العادى البسيط يقرأ ويفهم ويتأثر ويصبح جاهزًا للعمل الإرهابى.

لقد مات تنظيم 1951 الإخوانى عام 1954، وتم اعتبار المرشد حسن الهضيبى سُلطة رمزية وقيل إنه تم تعيين مرشد سرى خارج الأسوار ولكن الحقيقة على أرض الواقع أن سيد قطب الذى لم ينتخب قَط لعضوية مكتب الإرشاد أو غيره من المناصب داخل الجماعة قد أصبح عام 1954 وحتى إعدامه عام 1966 بمثابة المرشد العام والقائد الحقيقى لتنظيم الإخوان المسلمين، وحتى اليوم هو الأب الفكرى الحقيقى للتنظيم وللإسلام السياسى برمته.

وأن جميع محاولات التنوير الزائف الساعية لفتح سيرة ابن تيمة وابن عبدالوهاب وغيرهما ما هى إلا محاولات هزيلة لتجنب فتح سيرة سيد قطب.

إن هذا الرجل من فرط نجاحه فى تقديم فكر الإخوان المسلمين والإسلام السياسى فإن الإخوان حاولوا مرارًا نفى انتسابه إليهم، ومهاجمته، والتنصل منه؛ لأنه كشف الوجه الإرهابى المسلح للتنظيم إلى الأبد.

خرج قطب من المعتقل فى مايو 1964 بعفو طبى بعد وساطة الرئيس العراقى عبدالسلام عارف المحسوب على القومية العربية بينما الرجل فى واقع الأمر كان من أوائل المبشرين بالنظرية الشاذة المسماة الاشتراكية الإسلامية التى تعبر ذروة التزاوج بين القومية العربية والإسلام السياسى، لذا لا عجب أن نراه يتعاطف مع قطب ويطلب من عبدالناصر الإفراج عنه.

أقام سيد قطب فى مدينة رأس البر؛ حيث توافد على مقره قادة الإخوان، ولكن عام 1966 اكتشفت الدولة المصرية المؤامرة الإخوانية الجديدة وقيام قطب باستيراد السلاح عبر الحدود السودانية بترتيبات أمريكية لبدء حرب أهلية ونسف القناطر الخيرية وإغراق مساحات واسعة من مصر، فقدم إلى المحاكمة مع أخيه محمد قطب وكان الإعدام من نصيب سيد قطب؛ حيث تم التنفيذ فى 29 أغسطس 1966.  

لم يكن التيار القطبى وإرث سيد قطب بعيدًا عن أهم قيادات الإخوان المسلمين فى سنوات الربيع العربى، المهندس خيرت الشاطر القائد الفعلى للتنظيم فى سنوات الربيع العربى كان يحفظ مقاطع عن ظهر قلب من كتاب «معالم فى الطريق» لسيد قطب، وكانت محور دروسه التى يلقيها لشباب الإخوان، أمّا محمد مرسى فقد سجل مداخلة تليفزيونية عام 2007 حينما كان عضوًا بمجلس الشعب قال فيها نصًا أنه عرف صحيح الإسلام من سيد قطب وكتاب معالم فى الطريق.

وعقب فوز مرسى فى انتخابات الرئاسة بدأت الجماعة فى تلميع صورة سيد قطب عبر نشر أعماله وأفكاره وقيام وزير الإعلام الإخوانى صلاح عبدالمقصود بإهداء كبار الصحفيين والإعلاميين فى مصر كتبًا وإصدارات سيد قطب بما يعنى المطالبة ضمنياً بالكتابة عنها، ثم استأجر الإخوان ناقدًا أدبيًا راح يقدم سيد قطب باعتباره أديباً لا يشق له غبار هو من اكتشف نجيب محفوظ وأصبح امتدادًا لمدرسة عباس العقاد الأدبية!

عقب إعدام قطب رثاه فتحى يكن الأمين العام للجماعة الإسلامية اللبنانية (الذراع اللبنانية لتنظيم الإخوان) بالإضافة إلى علال الفاسى رئيس حزب الاستقلال المغربى، كما رثاه مفتى ومجلس نواب جمهورية تونس والحسن بن طلال ولى العهد الأردنى وقتذاك.

ولكن هل ظل قطب عقب إعدامه مجرد فكر ينتقل عبر الكتب إلى تنظيم الإخوان والتنظيمات التى خرجت من التنظيم الإخوانى الأم؟ لا؛ حيث يأتى الدور على عقدة نفسية جديدة؛ حيث كان سيد قطب هو المسئول فى سن مبكرة عن الإنفاق على إخوته، ما جعله المسئول والمثل الأعلى أمام أشقائه وأبرزهم محمد قطب، الذى أصبح صدى صوته ومرآته، لم يكن قطب الصغير سوى مجرد نسخة من شقيقه الأكبر يردد منه كل شىء طيلة نصف قرن عقب وفاة مؤسّس التيار القطبى الشيخ سيد قطب كما يطلق عليه، مؤسّس السلفية الجهادية التى أطلقت للعالم جميع التنظيمات الإرهابية.

أفرج عن محمد قطب عقب إعدام أخيه سيد حيث سافر إلى السعودية، وحمل أفكار أخيه الإخوانية وصاغها فى برنامج تعليمى، وتركوه منذ عام 1971 حتى وفاته عام 2014 (عن 95 عامًا) يتلو دروسه التعليمية فى الجامعة.

على يد محمد قطب تخرّج المئات من الإرهابيين ممن شاركوا فى إرهاب الجماعات الإسلامية داخل الدول العربية والإسلامية، بالإضافة إلى تنظيم الأفغان العرب فى أفغانستان الذى يعتبر المفرغة التى قدمت للعالم أعتى الإرهابيين، ولاحقًا تنظيم القاعدة، بالإضافة إلى العشرات من شباب وقادة الربيع العربى.

من أبرز تلامذة محمد قطب الشيخ أسامة بن لادن، وأيمن الظواهرى، وأنور العولقى قائد تنظيم القاعدة فى اليمن وأحد أهم الفقهاء المُنظرين للتنظيم.

اعترف أمير جبهة النصرة، أبو محمد الجولانى، فى يونيو 2015 خلال حواره عبر إحدى الفضائيات، بتدريسهم كتب جماعة الإخوان لطلابهم؛ خصوصًا فكر الإخوانى سيد قطب، وأضاف الجولانى أنهم يرون أن جماعة الإخوان جماعة جهادية، وأن جبهة النصرة منبثقة من فكر حسن البنا، مؤسّس الإخوان.

وفى أكتوبر 2014 اعترف يوسف القرضاوى خطيب جماعة الإخوان بأن أبا بكر البغدادى قائد تنظيم «داعش» كان من الجماعة.

وفى نوفمبر 2014 وكما أوردت صحيفة «نيويورك تايمز» فى لقاء لها مع الداعشى البريطانى كبير أحمد قبل أن يفجر نفسه فى هجوم انتحارى عند مصفاة بيجى، شمال بغداد. قال الداعشى المذكور: «فى السجن درست القرآن وعرفت ما يجرى للمسلمين حول العالم، والمفكرون الذين تأثرت بهم وأحبهم هم سيد قطب، وأنور العولقى، وأسامة بن لادن، وأيمن الظواهرى».