الأحد 5 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

الجيش الإثيوبى أعلن التعبئة واستدعى قوات الاحتياط سيناريوهات اللحظات الأخيرة فى المشهد الإثيوبى

تتحد الأراضى والأمم تحت حُكم السيف فى أغلب الأحيان، وفى مرات قليلة بالرضا. وكذلك تتفكك الدولة الواحدة إلى دول ودويلات بنفس الطريقة، وهكذا دواليك.. وقد تفككت إمبراطوريات ودول عدة عبر التاريخ، وإذ نظرنا إلى أسباب تفككها سنجد أن هناك قواسم مشتركة بينها وبين إثيوبيا، دولة الأقاليم مختلفة الأعراق واللغة والدين والتى هى اليوم فى طريقها إلى التفكك.



 

فقد تصاعدت الأحداث بشكل درامى فى إثيوبيا مؤخرًا، بعد تقدم قوات جبهة تيجراى إلى العمق الإثيوبى والتلاحم مع جبهة أورومو المسلحة، وبدء زحف الجبهتين معًا نحو العاصمة أديس أبابا والسيطرة على الطريق الدولى الذى يشكل شريان اقتصاد البلاد، الأمر الذى يجعل مستقبل البلاد مفتوحًا وفق العديد من التقديرات، على عدة سيناريوهات جميعها تنبئ بسقوط تلك الدولة التى باتت تنظر لها القوى الخارجية فى السنوات الأخيرة، بوصفها دولة إفريقية ذات أهمية چيوسياسية طويلة الأمد.

فإثيوبيا ربما تكون مُقبلة على حروب دامية بين شعوبها سوف تقضى على الأخضر واليابس، وربما يروح ضحيتها الملايين من البشر البسطاء. 

 الأيام الأخيرة

وتشير أغلب التقديرات إلى أن الأيام المقبلة ستكون هى الحاسمة، وأنها قد تكون آخر أيام آبى أحمد، رئيس وزراء إثيوبيا فى الحُكم إذا استمرت النجاحات العسكرية التى تحرزها قوات الجبهتين. وتقدمهما السريع نحو العاصمة؛ خصوصًا بعد الانهيار المفاجئ والدراماتيكى لدفاعاتها الحصينة المتقدمة والكائنة فى منطقتَى ديسى وكومبولتشا.

فبَعد عام واحد من بداية الحرب فى إقليم تيجراى، تبدّل المشهد تمامًا فى نوفمبر 2021، عن مثيله فى نفس الشهر، من العام الماضى.

 إسقاط الحكومة

ميكيلى، عاصمة إقليم تيجراى التى لم يستغرق سقوطها فى قبضة الجيش الفيدرالى سوى أيام فقط مع بدء الصراع فى نوفمبر العام الماضى، أصبحت الآن بعيدة جدًا عن سيطرة رئيس الوزراء الإثيوبى، لكن ليس هذا هو الانقلاب المفاجئ الوحيد فى المشهد.

فالهجمات المضادة الذى قادتها جبهة تحرير تيجراى طوال العام كانت كاسحة، وانطلقت من كونها محاولة لتحرير الإقليم من سيطرة القوات الفيدرالية، لتنتقل إلى هدف آخر جديد وهو إسقاط الحكومة فى العاصمة.

وأصبح يدعم الجبهة اليوم تحالف من تسع قوى وقّعت مؤخرًا فى واشنطن على وثيقة سياسية؛ حيث انضم إلى جانب قوات جبهة تحرير تيجراى المدربون والمتمرسون فى القتال من جميع الأقاليم وهم كل من قوات جبهة عفار، وحركة أغاو، وحركة بنى شنقول الانفصالية، وأقلية الكومنت، وجبهة التحرير الوطنى، وإقليم صوماليا، وحركة غامبيلا والأورومو. وما يجمع هذه الفصائل هو أنها حركات ذات مرجعية قومية، إمّا انفصالية، أو أنها ترى أن دورها فى الحُكم محدود. لكن المشترك الأهم بينها، هو وجودها فى واشنطن فى وقت تشير المعلومات الميدانية، إلى ضعف واضح لدى قوات الحكومة الفيدرالية فى السيطرة على الأرض، بعد حملة قصف جوى مكثفة قادها الطيران الحربى الحكومى بطائرات مُسَيّرة (بدون طيار) تم استيرادها من دول إقليمية، لم تغير شيئًا من المعادلة على الأرض. 

الأمر الذى دفع مجلس الوزراء الإثيوبى بإعلان حالة الطوارئ فى البلاد لمدة 6 أشهر، وموافقة البرلمان على القرار.

الحرب الشعبية

كما أعلن الجيش الإثيوبى التعبئة؛ حيث استدعى قوات الاحتياط، ودعا العسكريين السابقين إلى التسجيل والمشاركة فى العمليات العسكرية، لوقف زحف قوات تيجراى نحو أديس أبابا. 

ليس ذلك فحسب؛ فقد طالب آبى أحمد المواطنين بحمل السلاح والالتحاق بالقتال ضد من أسماهم «الأعداء».

وكانت هذه إشارة واضحة من الرجل على أن الحرب فى إثيوبيا قد أَخذت منحى جديدًا يتمثل فى الحرب الشعبية والجماهيرية. 

وذلك رُغْمَ الدعوات الأممية للتهدئة؛ حيث أعرب مجلس الأمن الدولى عن قلقه من تفاقم القتال فى إثيوبيا، داعيًا الأطراف إلى البدء فى مفاوضات من أجل تثبيت الاستقرار.

كما دعا المجلس لإنهاء القتال فى إثيوبيا وبدء محادثات من أجل وقف دائم لإطلاق النار، و«الكف عن خطاب الكراهية والتحريض على العنف والانقسامات». 

 انقسام الجيش

فيما أشار مراقبون إلى أن إعلان الجيش الإثيوبى عن طلبه ضباط مشاة لشغل مناصب قادة كتائب، ومطالبته العسكريين السابقين بسرعة التسجيل والانضمام إلى صفوفه شرط التمتع باللياقة البدنية والصحة العامة؛ يكشف عن تخبط وارتباك وانهيار ميدانى وهيكلى للجيش ولرئيس الوزراء الإثيوبى الذى سعى حثيثًا خلال الفترة الماضية إلى تحريض العرقيات ضد بعضها.

مؤكدين على أن إضافة أطراف جديدة فى الصراع تتوزع بين الشمال والجنوب زادت من صعوبة الوضع فى الميدان، فى ظل وجود مؤشرات على انقسام الجيش الذى لم ينجح آبى أحمد بعزله عن التجاذبات القومية، مما بات أحد أهم نقاط ضعفه.

هذه المرحلة الجديدة من التصعيد أثارت قلقًا دوليًا، ودفعت العديد من دول العالم للإسراع فى إجلاء مواطنيها من العاصمة أديس أبابا، وفى المقدمة كانت واشنطن التى شكلت فريقًا لمساعدة الأمريكيين الساعين للخروج من إثيوبيا. 

 موقف لا يحسد عليه

جاء ذلك مع إعلان التحالف بين مقاتلى جبهتى تحرير «التيجراى والأورومو»، وفى ظل عدم وجود مؤشرات على نجاح مناصرى آبى أحمد بفرض واقع مختلف عن الواقع الحالى، فرغم إعلانه قانون الطوارئ ودعواته المواطنين لحمل السلاح استعدادًا لمعركة الدفاع عن العاصمة؛ فقد أصبح فى موقف صعب لا يحسد عليه، ولا بُد له من البحث عن مَخرج، مع تقدم قوات التيجراى باطراد، واقترابها من تهديد عرشه، وعاصمة البلاد أديس أبابا. 

 

فشل المبادرة الأمريكية

كانت واشنطن قد قدمت مبادرة تهدئة إلى الحكومة الفيدرالية، وجرى تقديم هذه المبادرة بوصفها خطوة جادة من المبعوث الأمريكى الخاص بالقرن الإفريقى، چيفرى فيلتمان نحو السلام، لكن حكومة آبى أحمد رفضت المبادرة الأمريكية بذريعة أنها تتجاهل مطالب الحكومة المركزية بضرورة انسحاب قوات جبهة تحرير تيجراى من الأراضى التى سيطرت عليها خارج الإقليم كشرط ضرورى لهذه المفاوضات. 

ظل فيلتمان متواجدًا فى إثيوبيا للتأكيد على قلق بلاده البالغ من تصعيد الصراع وخطر العنف بين القوميات الإثيوبية ولتشجيع جميع الأطراف على الانخراط فى حوار بشأن وقف الأعمال العدائية. 

إلا أن الجمود ظل سيد الموقف؛ حيث غادر كل من المبعوث الأمريكى ومبعوث الاتحاد الإفريقى أديس أبابا دون تحقيق أى تقدم يُذكر فى سبيل تقريب وجهات النظر وإيجاد نافذة لوقف الحرب فى إثيوبيا وبدء عملية تسوية سياسية، إذ تمسّك كل طرف من أطراف الصراع بشروطه المسبقة. 

 تدويل الصراع

ومن جانبها رأت جبهة تحرير تيجراى بأنه لا حديث عن أى تفاوُض فى ظل وجود آبى أحمد وفاشيته، كما طالبت بإنهاء الحصار الإنسانى على شعب تيجراى والسماح بدخول المساعدات لمئات الآلاف من الناس الذين يعيشون فى ظروف شبيهة بالمجاعة.

إزاء هذه التطورات تحدّث بعض المحللين عن الصراع فى إثيوبيا وانعكاساته وفرص تدويله، لافتين إلى أن الأمور تزداد تعقيدًا، وأنه من المرجح تدويل الحرب فى إثيوبيا والتى لا يمكن التكهن بنتائجها وانعكاساتها على المنطقة وقضية سد النهضة. 

فالصراع من الممكن أن يطول؛ حيث إنه قابل للمزيد من التعقيد.

 الأطفال وقود للحرب

يأتى ذلك فى ظل التقارير الدولية التى تتحدث عن ضحايا ومصابين يقدر عددهم بعشرات الآلاف، ناهيك عن جرائم التعذيب والاغتصاب والتجويع وتشريد الملايين، والمجاعة التى بدأت تظهر ليس فقط فى إقليم التيجراى ولكن فى مناطق عدة داخل إثيوبيا نتيجة أحلام وطموحات صاحب نوبل فى استعادة الحكم الإمبراطورى.

كما يشير المهندس الدكتور محمد عليوة، الباحث فى العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، إلى أن رئيس الوزراء الإثيوبى يدفع بالأطفال إلى الخطوط الأمامية فى جبهات القتال لاستخدامهم كوقود للحرب التى يخوضها ضد شعب تيجراى من أجل الحفاظ على عرشه الذى بدأ يتهاوى مع تقدم قوات التيجراى وقوات الأورومو نحو العاصمة أديس أبابا. 

سيناريوهات محتملة 

وعن سيناريوهات ومآلات الحرب الإثيوبية، قال إن هناك أكثر من سيناريو، فالسيناريو الأول هو أن تنجح دعوات آبى أحمد وصقور الأمهرة فى الحشد الشعبى وتجنيد وتسليح المدنيين (وهذا مستبعد) من أجل إيجاد مقاومة شعبية للتصدى لزحف قوات تيجراى وجيش تحرير أورومو، وفى حال تحقق ذلك الحشد ستؤجل نهاية آبى أحمد المحتومة، ولكن فى النهاية سينتصر التيجراى وجيش الأورومو وسيلاقى صاحب نوبل مصير هيلا سيلاسى إمبراطور إثيوبيا والذى دفنت جثته أسفل مرحاض القصر.

وأضاف د.عليوة: أمّا السيناريو الثانى وهو أن تفشل جميع دعوات حشد الجماهير ويحزم آبى أحمد أمتعته ويلوذ بالفرار إلى الخارج كما فعل سلفه منجستو هيلا ماريام ومن ثم يصل التيجراى وحليفهم جيش تحرير أورومو إلى العاصمة أديس أبابا دون مقاومة تذكر، لا سيما بعد انهيار الجيش الإثيوبى.

وأرجح فشل دعوات الحشد بسبب حنكة التيجراى التى ظهرت منذ بداية الهجمات المضادة واستعادتهم لعاصمة الإقليم فى الشمال الإثيوبى؛ حيث تم التعامل بمنتهى الحكمة والرحمة، وظهر ذلك فى خطابات القادة وفى تعامل قوات التيجراى مع الأسرَى والسكان المحليين فى المدن التى دخلوها، ولذلك لم نجد أى مقاومة شعبية فى أى من المدن الأمهرية التى تمكنت الجبهة من السيطرة عليها.

ويتمثل السيناريو الثالث، وهو ما أتوقع حدوثه، فى حال تدخل الولايات المتحدة، وحليف الأمهرة الإقليمى للخروج بأقل الخسائر من الهزيمة المدوية التى لحقت بهم فى أن يحدث انقلاب من داخل مجموعة الحكم الحالية على آبى أحمد ويتم التخلص منه ثم الجلوس على مائدة التفاوض مع التيجراى.

وأظن أن هذا ممكن حدوثه، لا سيما مع تحقيق مقاتلى تيجراى انتصارات مهمة، وتوسعهم إلى إقليم أمهرة، وقطع الطريق بين أديس أبابا وچيبوتى، الذى يربط إثيوبيا بالبحر، ويتحكم فى تجارتها الخارجية بدرجة كبيرة.

 تحالف سياسى عسكرى

وفيما يتعلق بتأنى التيجراى الدخول إلى أديس أبابا، أشار د.عليوة إلى أن النخبة التيجرانية تدرك تمامًا أنها لن تستطيع بمفردها السيطرة على السُّلطة وملء الفراغ بعد إسقاط آبى أحمد، وبأن ذلك ليس لعدم القدرة عسكريًا أو سياسيًا، ولكن لأن الشعوب الإثيوبية لا تثق فى جبهة التيجراى ولا ترغب فى انفراد الجبهة بالحُكم مرة أخرى، فضلًا عن وجود حالة من الكراهية ترسخت تجاه الجبهة بعد ثلاثة عقود من حكم التيجراى عقب الإطاحة بنظام الدرج تسعينيات القرن الماضى.

وفى سبيل ذلك، تأسّست الجبهة المتحدة للقوات الفيدرالية والكونفيدرالية الإثيوبية لتدخل جبهة التيجراى تحت مظلة تحالف سياسى عسكرى واسع يمكن من خلاله معالجة مخاوف العرقيات الإثيوبية التى ترفض حكم الجبهة مرة أخرى. 

 تفكك إثيوبيا

مع تلاشى الفرق الموالية للحكومة، وسيطرة المتمردين على بلدتى ديسى وكومبولتشا الاستراتيچيتين، ثم بلدة كيمسى فى إقليم أمهرة، على بُعد نحو 300 كيلومتر شمالى العاصمة أديس أبابا. وأن هذا التقدم السريع يفتح الطريق مباشرة إلى العاصمة من جهة، ويقطع الشريان الحيوى إلى چيبوتى التى تُصَدّر عبر مرفئها معظم منتجات إثيوبيا، من جهة أخرى، وهو ما يعنى خنق المركز ردًا على وقف إمداد إقليم التيجراى بمستلزمات الحياة حتى وصل السكان هناك إلى حافة المجاعة.

مما يعنى أن إثيوبيا مقبلة على مرحلة خطيرة من الصراع العسكرى فيها قد ينتهى بتفكك إثيوبيا. كما تفككت يوغوسلافيا من قبل.