الأحد 5 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

الحرب المذهبية.. خطة داعش الجديدة للإرهاب

فى الوقت الذى حَذّرتْ فيه مصرُ من خطورة تلوُّن جماعات التطرُّف بتنوُّع جرائمها الإرهابية، برز على الساحة ما يُعرف باستهداف المساجد الشيعية من خلال جماعة داعش التى أعلنت مسئوليتها عن تفجير مسجد شيعى بقندهار الأسبوع المنصرم.. مما أسفر عن مقتل 47 على الأقل وإصابة 70 آخرين، بما يعنى توجُّه داعش إلى محاولة إشعال الحرب المذهبية بين السُّنَّة والشيعة لتزكية الأعمال الإرهابية فى العالم.



هذه الحادثة التى استهدفت المصلين الآمنين فى بيت من بيوت الله بمدينة قندهار جنوب أفغانستان، تابع للشيعة؛ تُعَد البداية للحرب التى تريد داعش إشعالها ليدخل العالم العربى والإسلامى فى موجة جديدة من التطرف؛ لكن تلك المَرّة بصبغة مذهبية «سُنّيّة شيعية».

الأزهرُ من جانبه اعتبر أن ما حدث هو محاولة للعب على وتر اختلافات المذاهب الإسلامية، واستغلاله لإراقة الدماء وترويع الآمنين. مؤكدًا فى فتوَى له أصدرها السبت الماضى أنها خيانة لتعاليم الإسلام التى دعت إلى اعتماد الحكمة والموعظة والجدال بالحُسنى فى الدعوة إلى الله. مُشددًا على أن هؤلاء الذين يَقتلون المُصلِّين فى بيوت الله ومساجده باعوا دِينَهم بثمَن بَخس فى الدنيا، وسوف ينالون عقابهم الأوفَى فى الآخرة.

وشدّد الأزهرُ على أن رُوَّاد الفتنة فى ميادين السياسة يستغلون الخلافات بين مدارس الفكر الإسلامى لبث الفُرقة والفتنة بين صفوف المسلمين، ويتناسون أن هذه المذاهب الإسلامية عاشت جنبًا إلى جنب فى كنَف الإسلام ما يزيد على 14 قرنًا من الزمان.

ومع هذا لا يزال الأزهر متمسكًا بعدم تكفير مَن يُفجّرون المساجد ويقتلون الأبرياء مُعلنا تمنياته لهؤلاء الذين ضلُّوا السبيل أن يعودوا اليوم قبل الغد إلى فتح قنوات الحوار، وإلى الأُخوَّة التى أكَّدها القرآنُ الكريمُ فى قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، وأن يتجنبوا الولوغ فى الدماء، والعبث بحُرمات الله ومَحارمه.

الدكتور شوقى علام- مفتى الجمهورية- اعتبر استهداف مسجد شيعى وتفجيره من الأعمال الدنيئة ويزداد الجُرم بقتل الأنفس فى المسجد- على حد قول المفتى- حيث إن الاعتداء على النفس البشرية من أكبر الكبائر؛ بل إن الله سبحانه وتعالى جعل حُرمة دم المسلم أشد حُرمة من هدم الكعبة المشرّفة التى هى قِبلة المسلمين، فقال النبى- صلى الله عليه وآله وسلم: «لأن تهدم الكعبة حجرًا حجرًا أهون على الله من أن يُراق دم امرئ مسلم».

وأضاف مفتى الجمهورية: إن جماعات التطرف والإرهاب لا تراعِى حرمةَ دماء الأبرياء، ولا حرمةَ بيوت الله التى يجتمع فيها الناس ليتعبّدوا إلى رب العالمين، ويقيموا الفريضة، فهم بذلك يصدون الناس عن بيوت الله ويسعون فى الأرض فسادًا، فيحق فيهم قول الله سبحانه وتعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِى الدُّنيَا وَلَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

 إرهاب بلون الطائفية

الشيخ صالح الحيدرى- رئيس الوقف الشيعى بالعراق السابق وأحد علماء الشيعة- من جهته أكد أن هناك إرهابًا يحاول استخدام ورقة الطائفية للقتل، وتزكية حرب مذهبية.

وطالب بضرورة رفض تزكية الخلاف المذهبى، الذى تحاول داعش من خلاله أن توجد صراعًا مذهبيًا بين السُّنَّة والشيعة. وقال: «علينا أن ندرك أن الاختلاف هو اختلاف تنوُّع، وعلينا تدريس فقه الوحدة الإسلامية وعدم الانتقاص من الآراء الأخرى، ولا توجد أية خصومة من علماء السُّنَّة والمَراجع الشيعية، فعلماء السُّنَّة لديهم التصور السليم، ويدركون المساحة الواسعة من الثوابت المتفق عليها التى تُعَمّق جذور الإخوَّة وكذلك المَراجع الشيعية. واستطرد قائلاً: إن ما يتم توصيفه بوجود صراع مذهبى هو فى حقيقته نزاع سياسى وخطط متطرفة، والوقف الشيعى والسُّنى والمسيحى بالعراق أدركوا لعبة الطائفية، واتفقوا على مواجهة تلك اللعبة. موضحًا أن داعش ومَن يتبعهم لا دين لهم لأن الإرهاب لا دين له ولا يمكن أن نقول إن هؤلاء الدواعش ينتمون لأى دين سماوى  لأن الإرهاب لا ينتمى لأى عقيدة، ويحمله عقول بربرية ووحشية، فهؤلاء الذين يقطعون رقابَ الأطفال والشيوخ والنساء، ويُفجّرون المساجد ليسوا مسلمين ولا من أتباع البشر، وعدم تبرئة الإسلام من هؤلاء يُسىء للإسلام والمسلمين.

 تحليل لخطة داعش

وبتحليل للمَشهد الطائفى الذى يحاول داعش تزكيته من خلال استهداف مساجد الشيعة يرى د.إبراهيم نجم- مستشار مفتى الجمهورية- أن تنظيم «داعش» عاد مرة أخرى إلى اللعب على إشعال «حرب طائفية» فى المناطق التى ينتشر فيها، وتزايَد هذا الأمر بعد الأحداث الأخيرة التى شهدتها أفغانستان؛ إذ يسعى التنظيم للاستفادة من هذه الأوضاع عبر توسيع قاعدة عملياته، ولكن هذه المَرّة عبر العودة من جديد لاستهداف طائفة «الهزارة» الشيعية فى البلاد؛ حيث صَعَّد التنظيم فى الآونة الأخيرة من استخدام عبارات «طائفية» فى وصف خصومه محاولًا مرّة أخرى التحشيد لصفوفه، وإشعال الصراع بين هذه الطوائف والسُّلطات فى هذه الدول عبر إشعارهم بعدم قدرة الحكومات على حمايتهم.

أضاف: إن هذا التكتيك الذى عاد التنظيم لاستخدامة مرّة أخرى يرجع إلى «أبو مصعب الزرقاوى» فى العراق والتنظيمات التى ظهرت قبل ظهور «داعش» بعد عام 2003، وكان هدف «الزرقاوى» من ذلك جذب أنظار السُّنَّة إلى مشروعه والانضمام إليه عبر تأجيج الفتنة المذهبية، كما أن «الزرقاوى» ومَن ساروا على نهجه اعتبروا أن «الشيعة» هم بمثابة «العدو» الأولى بالقتال.

وأوضح د.«نجم» أن الخطاب الطائفى عند «داعش» ينبنى على ركيزة أساسية وهى خطاب قائم على «المظلومية»، هذا بالإضافة إلى رغبة التنظيم فى التأكيد على وجوده بعد التغيرات التى حدثت على الأرض وفقدانه لقوته الميدانية وأصبح يعمل فى صورة «حرب العصابات»، كما أن هذه النزعة الطائفية الهدف منها هو مزيد من تجنيد الشباب على أسُس حماسية؛ إذ يلعب التنظيمُ هنا على النزعة الدينية لدَى الشباب ويسعى لاستغلالها فى مشروعه التدميرى العنيف، كما ينطلق التنظيمُ فى صراعه الطائفى من اتجاه معاكس وهو حشد الدولة للتوجُّه صوبَ حماية الأقلية التى تعانى من هذا الصراع والعنف، وهو ما يستخدمه «داعش» فى الحشد ضد الدولة مرّة أخرى، كما قد يتسبب فى حشد مقابل له يؤدى إلى الغاية التى يبحث عنها فى مشروعه التدميرى.

أضاف إنه لذلك قد تشهد الآونة التالية مزيدًا من التصعيد الداعشى ضد الطوائف الأخرى فى المجتمعات؛ وبخاصة فى أفغانستان، وذلك بهدف رغبة التنظيم فى إدخال البلاد فى مزيد من الفوضى التى تخلق له أجواء للتمدد؛ خصوصًا بعد دخوله فى صراعات داخلية مع حركة طالبان.

 حرب مذهبية بنكهة داعشية 

الشيخ الصادق العثمانى- الباحث فى الفكر الإسلامى وقضايا التطرف، ورئيس الشئون الإسلامية باتحاد المؤسَّسات الإسلامية بالبرازيل.

وقال فى تصريحات خاصة لـ«روزاليوسف»: ما يقوم به هذا المتحور الوبائى الداعشى الجديد فى أفغانستان من تفجيرات لبيوت الله تعالى سينعكس سلبًا على الإسلام والجاليات المسلمة فى البلاد الغربية على وجه التحديد، بالإضافة إلى تشويه صورة العربى والمسلم فى عقول الغربيين، وبالتالى المزيد من القوانين المجحفة ضدهم، ناهيك عن انتعاش الأحزاب اليمينية المتطرفة الدينية من جهة، وارتفاع وتيرة الإلحاد فى صفوف شباب المسلمين من جهة أخرى.

وحول قناعة المنضمين لجماعة داعش بصحة ما يقومون به قال «الصادق»: إن المتطرف والمتعصب من أى دين كان يؤمن قطعيًا بأنه من أفضل البشر.

وشدد أنه آن الأوان لأهل العلم والفقه والفكر أن يجتهدوا ويضعوا الحلول الناجعة لمشكلات العصر ومستحدثاته؛ من أجل تخليص شباب الأمّة من براثين التطرف الدينى بكشف عوراته وتزييف حُجَجه وأطروحاته، قبل أن يتطاير شررُه فى المزيد من دول المسلمين.

وعن اعتماد داعش على فتاوَى تكفير للشيعة فى استهدافهم أكد د.أحمد كريمة- أستاذ الفقه المقارن والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر- أنه لا يجوز إصدار فتوَى لتكفير المسلم أيًا كان مذهبه؛ لأن الأصل بقاء المسلم على إسلامه حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك؛ لقوله- صلى الله عليه وسلم: «مَن صلى صلاتنا واستقبل قِبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم له ما لنا وعليه ما علينا».