الأربعاء 19 يناير 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

معركة المنصورة الجوية ضمن أضخم 6 معارك عسكرية: 53 دقيقة تسطر التاريخ فى سماء الدلتا

ونحن نحيى الذكرى الـ«48 لحرب أكتوبر لا يمكن أن نغفل ما حدث يوم 14 أكتوبر 1973، تلك الليلة التى أذيع فى العاشرة مساء على راديو القاهرة البيان رقم 39 والذى جاء فيه: «دارت اليوم عدة معارك جوية بين قواتنا الجوية وطائرات العدو التى حاولت مهاجمة قواتنا ومطاراتنا وكان أعنفها المعركة التى دارت بعد ظهر اليوم فوق شمال الدلتا، وقد دمرت خلالها للعدو 18 طائرة وأصيب لنا 3 طائرات وهى معركة المنصورة الجوية التى شهدتها سماء الدلتا المصرية وتم تصنيفها ضمن أضخم 6 معارك فى التاريخ العسكرى حسب موقع «نرويتش» الأمريكى، باعتبارها أطول المعارك الجوية فى التاريخ التى شاركت فيها آلاف الطائرات الحربية.



 وفى ذلك اليوم التاريخى شهدت سماء الدلتا أشرس معركة جوية فى تاريخ العسكرية، عندما توجهت أكثر من ١٠٠ طائرة مقاتلة إسرائيلية فى وقت واحد على ثلاث موجات لضرب المطارات المصرية، فتصدت لها 62 طائرة مقاتلة مصرية فقط، ودارت بينها اشتباكات متواصلة طوال 53 دقيقة، كان لقاعدة المنصورة الجوية النصيب الأكبر، وتلقى العدو الإسرائيلى درسًا لن ينساه وانتهت المعركة بهزيمته وفرار طياريه بعد سقوط 18 طائرة لهم، ليبقى فى ذاكرة التاريخ التفوق النوعى للطيار المصرى على نظيره الإسرائيلى رغم امتلاكه لأحدث المقاتلات فى ذلك الحين، يروى بطولات ومشاهد من تلك المعركة تدرس فى أكبر المعاهد العسكرية فى العالم.

وفى محاولتنا لاسترجاع ما حدث فى هذا اليوم، حيث بدأت معركة «المنصورة الجوية» حين بادرت إسرائيل بإطلاق غارة جوية تتكون من مائة طائرة مقاتلة من نوع إف-4 فانتوم، وايه - 4 سكاى هوك لتدمير قواعد الطائرات المصرية بدلتا النيل فى المنصورة، وطنطا،

والصالحية، والتى استمرت فى سماء المنطقة لمدة 53 دقيقة واشتبكت فيها 200 طائرة مقاتلة فى آن واحد معظمها تابع لسلاح الجو الإسرائيلى، وشارك فى المعركة؛ 120 طائرة منها من أنواع الفانتوم وسكاى هوك والميراج 2000، تابعة للعدو الإسرائيلى، و80 طائرة حربية مصرية، من طراز ميج 21، وسوخوى 7، والميراج 2000.

واختارت القوات المسلحة 14 أكتوبر يوماً للقوات الجوية المصرية، تخليداً وتمجيداً لما حققته المقاتلات المصرية فى «معركة المنصورة الجوية»، التى وقعت شمال «قاعدة شاوة الجوية»، بمدينة المنصورة، 14 أكتوبر 1973، حينما حاولت أكثر من 100 مقاتلة «فانتوم» من مقاتلات العدو تنفيذ هجوم كبير على القواعد الجوية بالدلتا، لأنها كانت مركز انطلاق الطائرات المصرية، التى كانت تنفذ الهجمات وقت الحرب فى عمق سيناء وعلى الشاطئ الشرقى للقناة، فأراد العدو شل هذه المطارات، إلا أن القوات الجوية المصرية فى هذه المطارات كانت له بالمرصاد، وأوقعت به خسائر فادحة.

ويخلد التاريخ أبطال معركة «المنصورة الجوية» بحفر أسمائهم بحروف من نور، ليصبحوا القدوة والمثل والنموذج على التضحية والولاء والارتقاء بمستواهم، ليُحدثوا التفوق النوعى للإنسان على العدد والتوفق النوعى للسلاح على الجانب الآخر.

وفى شهادات اللواء طيار نصر موسى، أحد المشاركين فى المعركة، إن القوات الجوية المصرية فى هذه الفترة كانت تمتلك مقاتلات «ميج 21»، بينما كان العدو الإسرائيلى يمتلك طائرات «فانتوم»، والفارق كبير بين المقاتلتين، لصالح العدو، من حيث الرادارات وعدد الصواريخ والمتفجرات التى تحملها الصواريخ، فالفانتوم تختلف عن الميج، كانت طائرات الفانتوم الإسرائيلية محملة بالوقود، لتستطيع الطيران والقتال لمدة 4 ساعات متواصلة، بينما الميج 21 كانت مُجهزة للطيران لأقل من الساعة الواحدة فقط.

وأضاف أنه بعد اندلاع الحرب، وتدمير كثير من قواعد العدو وتحصيناته فى سيناء، فقد مسئولو «العدو» الاتصال بين القادة والضباط والطيارين، وبدأوا يفكرون فى كيفية استعادة التوازن، وأدركوا خطورة الطيران المصرى، وقرروا إخراجه من المعركة، فانطلقت طائراتهم لتنفيذ ذلك، لكنهم فوجئوا بوجود مظلات قوية للطيران المصرى تمنع وصولهم إلى تلك المطارات، فلم يستطيعوا حتى الوصول إليها.

وتابع أن من بين تلك المطارات قاعدة شاوة بالمنصورة، التى تُعد مفتاح الدلتا، فمَن يسيطر على مطارها يسيطر على الدلتا، لذلك كان تركيز الإسرائيليين عليها.

وقال «موسى»: «فى صباح 14 أكتوبر، قام العدو الإسرائيلى بشن حملة شرسة من طيرانه على القواعد الجوية المصرية، قوامها 80 طائرة فانتوم مهاجمة وميراج تنتظرهم فى البحر المتوسط للقضاء على الطائرات المصرية، التى تلاحق الفانتوم الإسرائيلية أثناء انسحابها، وحاولت طائرات العدو شن هجوم شرس على كل القواعد الجوية المصرية، ومنها مطار شاوة بالمنصورة، ليتصدَّى لهم المصريون بجسارة».

وأضاف: «استمرت المعركة حوالى 53 دقيقة، وهو وقت طويل جداً فى القتال الجوى، ما جعلها أطول معركة جوية فى التاريخ، إذ إن المعارك الجوية تستغرق من 3 إلى 5 دقائق فقط، وتنتهى بالقضاء على أحد الخصمين أو انسحابه، لإصابته أو نفاد الوقود».

أما اللواء طيار أحمد نصر، قائد قاعدة «شاوة» بالمنصورة، التى استهدفها الهجوم، فكان برتبة عقيد طيار، وقال، فى شهادة مسجلة فى وقت سابق: «دامت هذه المعركة الجوية حوالى 53 دقيقة، وهى المعركة الأطول فى تاريخ المقاتلات النفاثة، وما المعركة الجوية إلا دقائق، ففى الدقيقة الواحدة إما أن تحقق نصراً أو هزيمة، ومقاتلاتنا من طراز ميج 21، التى تهبط لتتزود بالوقود، وتتم إعادة تسليحها، ثم تقلع مرة أخرى فى حوالى سبع دقائق، الإقلاع نفسه يتم فى حوالى ثلاث دقائق، ولكن الطيارين المصريين كانوا يطيرون فى دقيقة ونصف الدقيقة فقط، وهذا دليل على التدريب الجيد، ومهارة الطيارين المصريين، وأثناء المعركة طارت طائراتنا، التى فاقت عدداً من الطائرات الإسرائيلية بنسبة كبيرة، وحققنا بطولات كبيرة فى تلك المعركة».

أما اللواء سمير فرج الخبير الاستراتيجى ومدير الشئون المعنوية الأسبق فأكد أن معركة المنصورة الجوية حظيت باهتمام الدوائر العلمية حول العالم لعدة أسباب؛ أولها، لأنها كانت المرة الأولى التى يدور فيها قتال جوى مباشر، بين طائرات روسية الصنع، وطائرات غربية الصنع. والسبب الثانى أنها أول معركة جوية تستخدم فيها أسلحة إلكترونية حديثة، والأسلحة الإلكترونية المضادة، خصوصاً التشويش على رادارات الطائرات من كلا الجانبين. أما السبب الثالث فلأنها أبرزت كفاءة عناصر التوجيه الأرضى، فى غرف عمليات المطارات المصرية والإسرائيلية، كما بزغ فيها كفاءة الأطقم الأرضية، خاصة على الجانب المصرى، التى نجحت، مع هذا الكم من الطائرات فى الجو، طوال مدة المعركة، فى إتمام مهمتها على أكمل وجه؛ مثل إعادة تزويد الطائرات المصرية بالوقود وإعادة تسليحها، والتأكد من السلامة الفنية للطائرات، كما كان لاشتراك 4 مطارات حربية مصرية فى هذه المعركة، الفضل فى رفع تقييم القوات المصرية لصعوبة تنسيق خروج الطائرات من تلك المطارات، وتوقيتات الاشتباك الجوى، والعودة بسلام، خاصة أن معظم الطائرات فى الدلتا متقاربة، بعكس الطائرات الإسرائيلية، فكانت بعيدة، الأمر الذى يسهل السيطرة عليها.

ويحكى اللواء سمير فرج ما حدث ليلة المعركة قائلاً:  بدأت معركة المنصورة الجوية فى الساعة الثالثة وخمس عشرة دقيقة، عندما أنذرت مواقع الرادارات المصرية، على ساحل الدلتا باقتراب 20 طائرة من طراز الفانتوم، من ناحية البحر المتوسط، لتجنب حائط الصواريخ المصرى، على الضفة الغربية لقناة السويس. فقررت قيادة القوات الجوية المصرية عدم اعتراض الموجة الأولى، مما أفشل مهمتها فى جذب المقاتلات المصرية، فعادت أدراجها عبر البحر المتوسط إلى القواعد الجوية الإسرائيلية. وفى الساعة الثالثة والنصف، أظهرت شاشات الرادارات المصرية، وجود 60 طائرة قادمة من ثلاثة اتجاهات، من ناحية البحر؛ بورسعيد، وبلطيم، ودمياط، فأقلعت 16 طائرة، ميج 21، من مطار المنصورة الجوى، ثم 8 طائرات من قاعدة طنطا الجوية للتصدى لها. أعقب ذلك بثمانى دقائق جاء إنذار للقوات الجوية باقتراب 16 إسرائيلية، قادمة من اتجاه البحر المتوسط، على ارتفاع منخفض، وبدأ القتال الجوى فوق سماء دلتا نهر النيل، ليبدأ معه تدفق باقى الطائرات الإسرائيلية، واشتعلت السماء المصرية بأكبر معركة جوية فى التاريخ، استخدم فيها الجانبان أحدث ما يملكانه فى ترساناتهما الجوية، سواء المقاتلات، أو أجهزة التشويش اللاسلكى، والرادارى.

وأنهى كلامه أنه رغم التفوق العددى والنوعى للطائرات الإسرائيلية، فإن خبرة المصريين وكفاءتهم فى التغلب على الطائرات والأسلحة الإلكترونية الإسرائيلية المضادة، حسم المعركة لمصلحتهم... وهكذا استحق يوم 14 أكتوبر، أن يخلد كعيد القوات الجوية المصرية، التى تفتخر بأبنائها، ليس فى مصر، فقط، ولكن أمام العالم كله.