الأحد 17 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
من ديجول وشيراك إلى إيمانويل ماكرون: لماذا يستبعد الغرب فرنسا من الساحة الدولية؟

من ديجول وشيراك إلى إيمانويل ماكرون: لماذا يستبعد الغرب فرنسا من الساحة الدولية؟

احتضنت العاصمة الأمريكية واشنطن أعمال القمة الأولى لتحالف كواد أو ما يعرف إعلاميًا بـ «الحوار الأمنى الرباعى»، وضمت القمة قادة أعضاء التحالف وعلى رأسهم الرئيس الأمريكى چو بايدن، ورئيس الوزراء الأسترالى سكوت موريسون، ورئيس الوزراء اليابانى يوشيهيدى سوجا، ورئيس الوزراء الهندى ناريندرا مودى.



ويهدف تجمع كواد إلى تقويض نفوذ الصين عالميًا مع التركيز على المحيط الهادى والمحيط الهندى أو إقليم «الإندوباسيفيك» Indo-Pacific كما يُطلق عليه فى علوم الچيوسياسية..

 

وقد تأسّس تجمُّع كواد عقب انتهاء الحرب الباردة، ولكن دون تفعيل حقيقى لهذا التحالف، قبل أن ينتشله الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب من كتب التاريخ ويعيد إحياءه فى مواجهة المد الصينى العالمى.

وتأتى إدارة چو بايدن لتستثمر فى مجهودات ترامب، خصوصًا زيارته التاريخية إلى الهند من أجل تهيئتها لتتحول إلى أكبر حائط صد فى التاريخ ضد المد الصينى.

فرملة العولمة الصينية

وتأتى تلك الخطوات بعد سنوات من اندماج الصين فى دوائر العولمة الأمريكية، دون أن تصنع ضجيج المواجهة المباشرة مثل التى قام بها الاتحاد السوفيتى؛ حيث كانت الصين تتجنب اشتعال حرب باردة مع الغرب وترى أن التعاون مع دوائر الرأسمالية الدولية هو الحل الأفضل لعدم اشتعال حرب عالمية جديدة.

ولكن مع هيمنة الصين على العولمة الأمريكية ذاتها، دق انتخاب دونالد ترامب فى أمريكا خلال نوفمبر 2016 جرسَ الإنذار لشبكات المصالح التى تدير الغرب بأن ساعة مواجهة «الخطر الصينى» قد حانت، وأن بكين قد أنتجت نسخة خاصة بها من العولمة الأمريكية يصطلح أن نسميها «العولمة الصينية»، وأن الخلاف مع ترامب لا يعنى أنه على خطأ فى ملف الصين، وأن أولى خطوات الإدارة الأمريكية الجديدة عقب التخلص من ترامب يجب أن تكون الصين.

ولكن هنالك فارق بين سياسات ترامب القومية وسياسات إدارة بايدن النيوليبرالية، إذ بينما ترامب يلجأ إلى حماية السوق الأمريكية من البضائع والهيمنة الصينية عبر العقوبات ورفع التعريفة الجمركية وزيادة فرص العمل ودعم الصناعة الوطنية والرأسمالية الوطنية؛ فإن السياسة النيوليبرالية لحكومات العولمة تلجأ إلى ألعاب معقدة منها صناعة أزمة اقتصادية محدودة داخل الصين من أجل فرملة هذا المد، وتحمل تبعات هذه الأزمة عالميًا دون اكتراث لما سوف يحدث للاقتصاد الأمريكى ذاته طالما أن هذه الآثار سوف تخدم خزائن شبكات المصالح الغربية.

ورُغم عدم وجود بيان رسمى أو خطوات معلنة نتجت عن القمة الأولى لتجمع كواد؛ فإن عمليًا تم الاتفاق على دعم الغرب ممثلًا فى الولايات المتحدة لكل من أستراليا واليابان والهند فى فرملة النفوذ الصينى داخل الدول الثلاث وفى دول الجوار المحيطة جغرافيًا بالدول الثلاث، وبدء تنفيذ اتفاق «أوكوس» رُغم غضب فرنسا.

لماذا أغضبوا فرنسا؟

ويعتبر اتفاق أوكوس نقلة فى الصراع الدولى للهيمنة على جنوب شرق آسيا، حينما اتفقت أستراليا مع بريطانيا والولايات المتحدة على صفقة للغواصات النووية إلى جانب نشر الجيش الأمريكى فى جنوب أستراليا، مع فسخ التعاقد الأسترالى مع فرنسا لصفقة غواصات.

هذا الاتفاق أثار غضب باريس التى اتخذت فى خطوة نادرة قرارًا بسحب السفير الفرنسى من أستراليا والولايات المتحدة، ولم يكن مربط الخلاف بين فرنسا وثلاثى «أوكوس» هو العائد التجارى من الصفقة كما روّج الإعلام الدولى، ولكن كان فكرة تعمد واشنطن ولندن لاستبعاد باريس من مسرح العمليات هو ما أثار غضب الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون.

وتعود الاستراتيچية الأمريكية لاستبعاد فرنسا إلى نهاية الحرب العالمية الثانية؛ حيث رأت واشنطن أنه فى ظل العالم الجديد، حيث تتقاسم الولايات المتحدة وقتذاك النفوذ الدولى مع الاتحاد السوفيتى؛ فإن طموحات فرنسا للعب دور إمبراطورى لا محل لها من الإعراب على ضوء سقوط باريس فى قبضة الألمان خلال الحرب العالمية الثانية للمرة الثالثة خلال أقل من مئة عام، وروّجت البروباچندا الأمريكية منذ الأربعينيات حتى اليوم مقولة أنه «لولا أمريكا لكانت فرنسا تتحدث اللغة الألمانية حتى اليوم».

وعلى أثر هذا التوجه الأمريكى، الذى انصاعت له بريطانيا مرارًا وتكرارًا فى ظل رغبة لندن أيضًا فى خفض الروح الإمبراطورية فى السياسة الخارجية الفرنسية، حاولت واشنطن ولندن استبعاد باريس من ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وقامت أمريكا بتهريب الزعيم التونسى الحبيب بورقيبة من سجنه وإرساله إلى تونس لقيادة الثورة ضد الاحتلال الفرنسى، بينما حركت بريطانيا رئيس الوزراء المصرى مصطفى النحاس لقيادة جهود جامعة الدول العربية لتحرير سوريا ولبنان من الغزو الفرنسى، وهى الشرعية العربية والإقليمية التى استغلها الچنرال أدوارد سبيرز الوزير البريطانى المفوض فى سوريا ولبنان من أجل حسم هذا الملف.

كما أن الولايات المتحدة وبريطانيا قد وقفتا ضد الإجراءات الفرنسية لعزل الملك محمد الخامس قائد المقاومة المغربية ضد الاحتلال الفرنسى، وذلك فى خمسينيات القرن العشرين؛ بل تركت الولايات المتحدة فرنسا تغرق أولًا فى مستنقع فيتنام التى كانت مستعمرة فرنسية قبل أن تفكر فى التدخل هنالك.

ومع تولى الچنرال شارل ديجول رئاسة فرنسا عام 1959 وبدء سياسة الديجولية، استمر الخلاف بين فرنسا والغرب قبل أن يكون هنالك خلاف بين فرنسا والكتلة الشرقية، وهو خلاف تكرر مرة أخرى بين أمريكا وتلميذ ديجول، الرئيس چاك شيراك الذى أسّس الشيراكية.

ورُغم أن إيمانويل ماكرون لا يصنف باعتباره من أبناء الديجولية والشيراكية؛ فإنه أنتج سياسة الماكرونية التى تعتبر مع ما سبق هم رؤوس حربة القومية والوطنية الفرنسية فى العصر الحديث، وقد رد الغرب على هذه الروح القومية الفرانكفونية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية بمحاولة توطين اللاجئين والمهاجرين فى فرنسا لتغير الديموجرافية الفرنسية، تارة بالمغاربة، ولاحقًا عبر الإسلام السياسى، وهو ما يسفر عدم دعم الغرب لخطوات ماكرون الساعية لتفكيك مجتمع «الإسلام السياسى الانفصالى» داخل فرنسا.

كما أن الغرب حقق نجاحًا كبيرًا فى تقليم أظافر الإمبراطورية الفرانكفونية الفرنسية خلال العقد الأخير، وذلك بتوطين الإسلام السياسى وجماعاته الإرهابية فى غرب إفريقيا، المعقل الأخير للنفوذ الفرنسى فى القارة السوداء، وإجبار فرنسا على سحب وإنهاء عملياتها العسكرية فى منطقة الساحل، والتعاون مع الولايات المتحدة وبريطانيا فى ملف مكافحة الإرهاب فى هذه المنطقة بعد أن تآكل النفوذ الفرنسى على ضوء صعود تلك الجماعات فى تشاد ومالى وإفريقيا الوسطى والنيجر ونيچيريا والكاميرون.

ويكمن الخلاف «الفرنسى- الغربى» الحالى فى رفض ماكرون لفكرة ترك لبنان يغرق فى بحور الفوضى من أجل نقل مسرح عمليات الحرب السورية إلى الداخل اللبنانى، وكانت التحركات الفرنسية الأخيرة لإحداث انفراجة فى لبنان وزيارات ماكرون المتكررة محل فيتو وغضب مكتوم فى واشنطن ولندن وحتى برلين.

ولا يخفى على أحد أن الغرب قد دعم ماكرون للفوز بالانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2017 هربًا من فوز زعيمة اليمين القومى مارين لوبان؛ بل ودعم الغرب حزب الجمهورية إلى الأمام الماكرونى بعد انهيار الثنائية الحزبية الفرنسية التى حكمت الجمهورية الفرنسية الخامسة منذ تأسيسها عام 1959 ألا وهما حزب الجمهوريين الديجولى والحزب الاشتراكى، وهو أمر لن يكرره الغرب فى الانتخابات الرئاسية الفرنسية مايو 2022؛ حيث تعول أوروبا على فوز ميشيل بارنييه مرشح حزب الجمهوريين بالرئاسة؛ بل إن ماكرون هو اختيار أوروبا الرابع بعد اسمين داخل الحزب الاشتراكى هما السيدة آن هيدالجو عمدة باريس ووزير الزراعة الأسبق ستيفان لى فول عمدة لومان حاليًا.

التحسب لفوز القوميين

ويكتسب الاستبعاد الغربى لفرنسا من المسرح الدولى فى الحقبة الحالية أبعادًا جديدة على ضوء تخوف الغرب من فوز اليمين القومى أو الوطنى الفرنسى بالرئاسة فى انتخابات 2022؛ حيث من المقرر أن تبدأ مارين لوبان حال فوزها فى ترتيبات إجراء استفتاء فرنسى على غرار الاستفتاء البريطانى من أجل الخروج من الاتحاد الأوروبى، وسن سياسة تقارب مع روسيا على حساب التقارب «الأوروبى- الأمريكى».

ومن هنا لا يريد الغرب أن يعطى لفرنسا أى أرصدة دولية أو إمبراطورية، على ضوء تفهم الغرب إلى أن فرنسا هى الخطر القادم فى لعبة تفكيك الاتحاد الأوروبى، وأنه حتى لو خسرت مارين لوبان انتخابات الرئاسة عام 2022 وتقاعدت عن رئاسة حزب التجمع الوطنى الذى أسّسه والدُها چان مارى لوبان تحت اسم حزب الجبهة الوطنية عام 1972؛ فإن أچندة الخروج الفرنسى والقومية الفرانكفونية والإمبراطورية الفرنسية سوف تظل باقية فى عهدة جيل جديد من الوطنيين الفرنسيين تتصدرهم ماريون مارشال لوبان حفيدة الجد المؤسّس، وأن كل الطرُق تؤدى إلى استلام اليمين القومى الفرنسى للحكم فى باريس يومًا ما.