الأحد 17 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

عمرو دياب ممثلاً بداية واعدة.. يعقبها الصمت!

ثلاث فرص أتيحت لـ«عمرو دياب» ليصبح واحدًا من نجوم السينما المصرية، الأولى هى فيلم (العفاريت) مع المخرج «حسام الدين مصطفى» والنجمة «مديحة كامل»، والثانية مع المُخرج «خيرى بشارة» فى (آيس كريم فى جليم)، والثالثة مع «عمر الشريف» و«يسرا» فى فيلم (ضحك ولعب وجد وحب) إخراج «طارق التلمسانى». الأفلام الثلاثة عُرضت متتالية خلال ثلاث سنوات، وبدت كانطلاقة لنجم سينمائى جديد، ولكن فجأة حل الصمت، وحدث ما لم يكن فى الحسبان.



قبل هذه الأفلام حصل «عمرو دياب» على أول فرصة ظهور سينمائى له فى فيلم (السجينتان)، 1988، من إخراج «أحمد النحاس»، وبطولة «سماح أنور» و«إلهام شاهين»، شقيقة خطيبة «عمرو» فى ذلك الوقت، ولعب فيه دور طبّال شاب انتهازى يستغل زوجته الراقصة، ورُغْمَ أنه دورٌ قصيرٌ غير ملفت؛ فإنه وضع «دياب» على طريق التمثيل. 

الفرصة الحقيقية جاءت فى العام التالى مع بطولة فيلم (العفاريت).

وقتها كانت شعبية «عمرو دياب» قد وصلت لأعلى درجاتها بفضل ألبوم (مَيّال)، وذلك بَعد أن قضى فترة الثمانينيات يشق الصخر بحثًا عن «صوته الخاص» وعن تركيبة غنائية تميزه، وبَعد خمسة ألبومات لم تحظ سوى بقدر محدود من النجاح، جاء (مَيّال) وأعقبه ألبوم (شوقنا) ليضعا اسمه فى مكانة مختلفة.

لا عجب إذن أن يلعب «عمرو دياب» فى فيلم (العفاريت) شخصية المُغنى «عمرو دياب»! 

ورُغْمَ أن الأمْرَ لم يحدث إلا بعد سنوات طويلة مقبلة؛ فإن مؤهلات النجم الكبير كانت ظاهرة على «عمرو دياب» حتى فى ذلك الزمن البعيد. فى (العفاريت) يلعب «عمرو دياب» شخصية المغنى «عمرو دياب» الذى يصادف ذات يوم طفلة متسولة ونشالة موهوبة فى الغناء، فيقرّر مساعدتها باصطحابها إلى برنامج مواهب تقدمه مذيعة مشهورة، تعرّضت ابنتها للخطف منذ سنين، ليتبين أن الطفلة ( أو زميلة لها فى عصابة المتشردين) هى ابنة المذيعة المفقودة.

من الناحية الفنية؛ فإن (العفاريت) ليس بالقَطع واحدًا من أعمال «حسام الدين مصطفى» الجيدة. فيلم مصنوع على عَجَل، يعتمد بالأساس على شعبية بطلته كممثلة وشعبية بطله الغنائية. ورُغم موضوعه الجاد والفكرة المبتكرة لاستخدام «عمرو دياب» لكى يلعب شخصيته الحقيقية؛ فإن تنفيذ الفيلم جاء رديئًا. وبعد أكثر من أربعين سنة على صدوره لا يتذكره أحد سوى باعتباره أول أفلام «عمرو دياب».

فى (العفاريت) لم يكن «عمرو دياب» قد امتلك صورة نجوميته بعد. كان بَدينَا بعض الشىء، وكانت أناقة الثمانينيات بقمصانها الواسعة المزركشة تزيده بدانة، وعلى مستوى التمثيل كان لم يزل يتلمس خطواته الأولى، لا يعرف بعد أسرار الإلقاء والكاميرا. البداية الحقيقية جاءت بعد عامين مع فيلم (آيس كريم فى جليم). كان الفيلم جديدًا فى كل شىء: مُخرج متمكن والأهم صاحب أسلوب مميز، وسيناريو خارج مباشرة من روح العصر، ليس فقط فى مصر، ولكن عالميًا: التحرُّر وكسْر التقاليد وسقوط الأصنام السياسية والقومية فى العالم كله. سقوط سور برلين وبداية انهيار الكتلة الشرقية. حرب الخليج الثانية بصدمتها الهائلة على الوعى العربى، ظهور أول قناة فضائية عالمية، السى. إن. إن، التى بثت الحرب لأول مرّة على الهواء مباشرة.

يبدو «عمرو دياب» فى (آيس كريم) مختلفًا تمامًا عنه فى (العفاريت): أكثر رشاقة وثقة بالنفس، أداؤه محسوب ومُحكم، أنيق وعصرى فى سترته الجلدية السوداء ودرّاجته النارية على طريقة «مارلون براندو».  وفوق ذلك الأغانى المرتبطة بدراما الفيلم ارتباطا عضويًا؛ بكلماتها المختلفة وطريقة تصويرها. فى أحد المَشاهد، مَثلا، يمر «عمرو دياب» بالقرب من بعض الفتيات الجميلات، فينطلقن فى الغناء إعجابًا به لمدة ثوانٍ. ليست هذه بأغنية، ولا حوارًا غنائيًا. بعد قليل تشدو «سيمون» بمونولوج داخلى غنائى مشابه. وباستثناء أغنية الختام التقليدية نسبيًا فى كلماتها وتصويرها؛ فإن بقية أغانى وموسيقى الفيلم جاءت نسيجًا وحدها، متفردة فى تاريخ السينما المصرية. ربما يمكن مقارنة (آيس كريم) بفيلم (سمع هس) لـ«شريف عرفة» الذى كان قد ظهَر فى العام السابق (1991)، وكلاهما شكّل تجربة جديدة فى السينما الغنائية لم يَقدر لها أن تستمر بعد ذلك.

كشفت أغانى فيلم (آيس كريم فى جليم) عن إمكانيات ومناطق مجهولة فى صوت «عمرو دياب»، بعضها من أجمل ما غنّى على الإطلاق، ولكن للأسف لم تتكرّر التجربة مرّة أخرى.

فى العام التالى شارك «عمرو دياب» فى بطولة فيلمه الثالث والأخير (ضحك ولعب وجد وحب)، الفيلم الوحيد الذى أخرجه مدير التصوير الموهوب «طارق التلمسانى»، وشارك فى بطولته «عمر الشريف» و«يسرا». لعب «عمرو دياب» فى الفيلم دورًا مختلفًا تمامًا عن فيلمَيْه السابقَيْن، لم يعد «عمرو دياب» يمثل نفسَه كما فى (العفاريت)، أو نسخة تشبهه كفنان شاب يبحث عن صوته الخاص كما فى (آيس كريم)، ولكن كشاب ابن ذوات يترك بيت أبيه ويعمل بلطجيًا ويرتبط بامرأة تكبره. لا غناء هنا؛ بل تمثيل فقط، ومرّة ثانية يثبت «عمرو دياب» أنه قابل للتعلم والتطوُّر كممثل له حضور وإمكانيات جسدية وتعبيرية لا بأس بها. ورُغم أن الفيلم لم يحقق إيرادات كبيرة مثل (آيس كريم)؛ فإنه نجح وحظى بإشادات نقدية، وبمقاييس التسعينيات يُعتبر واحدًا من الأعمال الجيدة جدًا، وفوق هذا كان فرصة ذهبية لـ«عمرو دياب» للتمثيل مع عملاقين مثل «عمر الشريف» و«يسرا»، ونقلة لا يحلم بها أى مُغَنٍ شاب من جيله.

بعد ثلاثة أفلام خلال ثلاثة أعوام لم يتوقع أحدٌ أن يتوقف «عمرو دياب» فجأة عن التمثيل، وأن يظل طوال العقود الثلاثة التالية مغنيًا فقط، رافضًا كل العروض التى قدمت له للظهور فى السينما والتليفزيون.

لا أعلم الأسبابَ التى أدت بـ«عمرو دياب» لاتخاذ هذا القرار.. ربما أدرك أن سر نجوميته هو عدم الظهور كثيرًا، والاكتفاء بإطلالته السنوية بألبوم جديد مع نهاية كل عام.

من ناحية نجحت هذه الاستراتيچية فى إبقاء نجوميته وصورته لامعتَيْن، لا يخدشهما ابتذال الحضور الزائد ولا القرارات الخاطئة التى يمكن أن يقع فيها من يُكثرون العمل، وما يستدعيه الظهور والعمل من تسليط الأضواء عليه وتعرية حياته المهنية والشخصية أمام المعجبين والحاسدين.

ومن ناحية ثانية؛ أدى هذا الاعتزال المبكر لخسارة نجم سينمائى كان يمكن أن يكون له شأنٌ فى مجال السينما الغنائية ببعض الجهد فى التعلم والتدريب.

ترى أى مصير كان ينتظر «عمرو دياب» لو كان قرّر أن يصبح مُمَثلًا محترفًا بجوار الغناء؟!