الأحد 5 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
كدهوّن! .. الرجل البنفسجى

كدهوّن! .. الرجل البنفسجى

استيقظت من نومى العميق مذعورًا على صوت جرس مزعج  يرن بإصرار وبدون انقطاع مصحوب بدقات عنيفة بالأيدى وأحيانًا بالأرجل مما ينذر بكارثة كونية قد حدثت وأنا غير مستعد لاستقبالها فى هذا الوقت المتأخر من الليل، فليكن «الصباح رباح» وأستكمل نومى الآن وكدهون، وخصوصًا أن استيقاظى فى هذا الوقت لن يغير من الوضع شيئًا. ولكنه سيزعجنى ويجعلنى أصاب بصداع طوال اليوم من قلة النوم وكدهون.



 

نظرت لزوجتى ربما توقظها كل هذه الضوضاء دوى جدوى والجرس اللحوح يرفض أن يتوقف وكدهون، لم يعد هناك أى حل  غير أن أقوم وأترك فراشى الدافئ وأتلقى الصدمة بمفردى، ولم أنس قبل أن أترك غرفتى مُجبرًا لأفتح الباب أن ألقى نظرة  لزوجتى وهى تغط فى النوم العميق وأحسدها على قدرتها العظيمة على النوم تحت كل الظروف، ومهما كانت الضوضاء وكدهون، تعمدت أن أفتح الباب فى تكاسل مصطنع وأن أتثاءب أكثر من مرة  حتى أحرج هذا  السمج  الذى يكاد يحطم الباب بدون أى هوادة أو رحمة بالسادة النائمين بداخله وكدهون، وجدت ميزو جارى العزيز يقف أمامى وهو فى حالة هيستيرية عنيفة وجسمه الضخم يهتز عدة اهتزازات متتالية كفيلة بأن تسقط جبل المقطم وليست عمارتنا فقط، فحاولت أن أهدئ من روعه وأحتوى كل هذه التشنجات والاهتزازات وهو يتوسل لى أن أتدخل لإنقاذ زواجه من الانهيار، فزوجته تصر على طلب الطلاق وترك منزل الزوجية حالًا، وهنا سمعت صوت الحكيم بداخلى يتساءل ماذا فعلت أيها الأهوج حتى تدفع زوجتك أن تطلب الطلاق فى منتصف الليل وكدهون؟ طلبت منه الهدوء والصمت حتى يستطيع أن يتنفس بشكل أفضل وألا  يلهث بحروف وكلمات غير مفهومة وكدهون، قلت له بصوت الأستاذ زكى رستم؛ ما حدث أيها التعيس؟ فتوسل لى أولًا أن أرسل زوجتى لزوجته بأقصى سرعة ممكنة لتشغلها بعض الوقت حتى يصل أهل زوجته ويتولوا هم أمرها، وهنا أشفقت على ميزو المسكين من هذا الاقتراح الساذج، فأى محاولة لإيقاظ زوجتى فى هذا الوقت كفيلة بأن تجعلها تدمر زواجى أنا شخصيًا فما بالك بزواج الجيران، ولكنه كرر طلبه هذا بالحاح شديد وتوسلات  درامية مؤثرة وكدهون، لم أجد مفرًا من ضرورة الدخول لزوجتى وهى نائمة لإيقاظها وإقناعها بأهمية المهمة الإنسانية التى ستقوم بها من أجل الحفاظ على أسرة ميزو جارنا العزيز وكدهون إلا أنى فوجئت بها تفتح لى عينًا واحدة فقط وتحتفظ بالأخرى مغلقة وتقول لى بالهدوء الذى يسبق العاصفة: واحدة وعايزة تطلق تصحينى أنا من نومى ليه؟ فقلت ببراءة الأزواج علشان تعقليها لغاية لما أهلها يوصلوا وكدهون فردت على بنفس الهدوء الذى يسبق العاصفة، مش فاهمة يعنى أنت بتصحينى دلوقتى علشان أنا كمان أطلب الطلاق زى مرات ميزو وما تبقاش هى الوحيدة اللى طالبة الطلاق؟ فرسمت ابتسامة ثلجية على وجهى وأنا أحاول أن أخفى سعادتى من هذا السؤال المباغت وصحت متصنعًا الألم العميق: اوعى تقولى كده يا حبيبتى انت عارفة إنى ماقدرش أعيش من غيرك وكدهون، حاولت أن أقنعها بقدسية المهمة التى سنقوم بها للم شمل الأسرة التعيسة هذه وإنقاذ ميزو من الانهيار التام كما حرصت على تنبيهها على تجنب ذكر رأيها فى ميزو لزوجته فى مثل هذه الظروف وكدهون، فتحت عينيها الاثنتين وجلست فى منتصف السرير وصرخت بصوت مكتوم: انت عارف إن ميزو ده هو الوحيد من الجيران اللى ما دفعش فلوس صيانة الأسانسير لغاية دلوقتى؟ وبيتعمد يطلع صفيحة الزبالة بالليل علشان القطط تنشر زبالته على السلم يوميًا رغم إنى سبق وطلبت منه بمنتهى الذوق والرقة إنه يطلعها الصبح مش بالليل، وبيركن عربيته مكان عربيتى فى الشارع؟ وهنا كان لا بد من اتخاذ وضع الاندهاش على طريقة الرسوم المتحركة ولم أجد غير كلمة وحيدة فقط للرد على كل هذه المعاناة التى تعانى منها بسبب ميزو فقلت: معقولة! فاستكملت مرافعتها ضد ميزو فقالت: ده راجل ما يتعاشرش ده كان لازم يتخلع من بدرى مش بس تطلب الطلاق علشان يبقى عبرة لكل  الرجالة المزعجة، ونظرت لى نظرة ذات مغزى جعلتنى أصمت إلى الأبد وكدهون، استشعرت الحرج من سلوك ميزو الطائش مع القطط والزبالة وقررت الانسحاب الاستراتيجى من غرفة زوجتى حتى لا تشعل النار فى ميزو شخصيًا، وتركتها تنام فى هدوء وأغلقت المصباح وأحكمت غلق الباب عليها وكدهون، عدت لميزو الذى ما زال يهذى ويراقب زوجته من نافذة الصالون ويقول: ياريت المدام تلحقها بسرعة قبل ما تلم هدومها وتمشى و- وهنا تقمصت روح أحد الحكماء المجهولين وقلت له حتى أتهرب من موضوع رفض زوجتى المشاركة فى عملية الإنقاذ هذه: كل شيء وله سبب يا ميزو وأكيد زوجتك لديها من الأسباب التى تجعلها تقرر هدم منزل الزوجية بهذا الشكل المفاجئ وتشريد اطفالكم بينكم وكدهون، صرخ فى وجهى وقال: الست اكتشفت فجأة إنى نرجسى جدًا وكدهون، قلت له بمرح: نرجسك ماله يا صديقى؟ فلم يرد على سؤالى المرح فقلت له بجدية: تقصد بتحب عليها واحدة اسمها نرجس؟ فقفز ميزو فى الهواء بمنتهى الرشاقة والخفة وقال لى: والله ما حصل أنا مظلوم يا منعم، فلم أصدق دموع التماسيح هذه واستكملت كلامى بمنتهى الثقة وقلت: مالكش حق يا راجل تخونها بعد العمر والعشرة الطويلة دى وكدهون، رمانى ميزو بنظرات نارية وهو يمسح أنفه بكم قميصه وصرخ فى وجهى قائلًا:  أنا بحب نفسى يا منعم هى بتقول كده - فقلت له بحماس شديد: وماله لما تحب نفسك مش أحسن ما تحب نرجس؟ وهنا انهار ميزو ودخل فى  حالة بكاء وهو يردد دون توقف: والله يا ناس أنا مش نرجسى ومليش فى النرجسية دى خالص وفجأة ظهرت زوجتى وهى تصيح فى وجه ميزو المسكين: ما تغير لونك معاها ما دام البنفسجى مش مريحها، ولا هو عند وخلاص زى ما بتعند معانا ومش راضى تدفع فلوس صيانة الأسانسير؟ فتجاهل ميزو موضوع فلوس الصيانة بشكل متعمد وتوسل لدولت للتدخل لدى سماح زوجته لإقناعها بالبقاء معه وتعهد بأنه سوف يتغير تمامًا حتى يرضيها فقالت له زوجتى وقد رق قلبها: يعنى هاتدفع فلوس الصيانة وتبطل بقى تشتغل فى البنفسجى ده اللى بيزعل سماح؟ فرد ميزو بلهفة: أوعدكم عمرى ما هاعمل كده تانى أبدًا- فابتسمت زوجتى ابتسامة النصر وهى تقول  له بثقة: خلاص سيب لى موضوع سماح مراتك ده هاروح لها  دلوقتى وأعقلها وأفهمها أنك اتغيرت حقيقى وهاتدفع فلوس صيانة الأسانسير  وكدهون، ذهبت زوجتى فى رحلتها المقدسة لإنقاذ أسرة ميزو من الدمار، بينما دخل ميزو مرة أخرى فى حالة بكاء هستيرى جعلنى أشفق عليه وأحتضنه كأب يستقبل ابنه الوحيد بعد أن علم برسوبه فى امتحان الثانوية العامة، وطلبت منه أن يهدأ حتى  نستطيع أن نفكر بشكل سليم وكدهون، ماذا حدث جعل زوجتك العاقلة الكاملة تتخلى عن عقلها وتطلب الطلاق فى منتصف الليل؟ فصرخ وهو يقذف بكتاب ضئيل ذي غلاف بنفسجى لامع  باسم «تزوجت بغلًا» مرسوم عليه رجل بلا رأس «حاجة ما تطمنش» وصرخ ميزو وهو يقول: هذا هو السبب الحقيقى لتحول زوجتى، فلقد طلبت منها  أن تشغل وقتها  بالقراءة بدلًا من أن تنشغل طوال الوقت بالثرثرة مع صديقاتها ومتابعة السوشيال ميديا فكان أن اشترت هذا الكتاب القاتل أونلاين بعد أن رشحته لها إحدى الصديقات على جروب «أنثى وأفتخر» فاقترح عليه على الفور أن ننشئ نحن أيضًا جروبًا باسم «رجل وافتخر» ولكنه لم يتحمس لاقتراحى، وقال لى المشكلة فى هذا الكتاب أنه يضع السم فى العسل ويشكك أى زوجة من كل تصرفات زوجها وتحوله إلى مريض نفسى يعشق نفسه فقط على حساب أسرته، وفجأة وجدتها تصرخ وتقول لى: انت نرجسى يا ميزو كل تصرفاتك مكتوبة فى هذا الكتاب، أنت لا تُطاق، لازم تطلقنى وكدهون، وصممت على طلب الطلاق لأن مؤلفة الكتاب نصحتها بكدة، وقالت لها: لا أمل من إصلاح مثل هذا الزوج النرجسى، فلا تضيعي عمرك مع رجل يسرق عمرك، وابدئى من جديد مع رجل آخر يعرف قدرك ويستطيع أن  يسعدك كدهون، وقبل أن أنطق دخلت زوجتى وهى تمسك بنسخة أخرى من الكتاب البنفسجى وتنظر لى شذرًا وهى تقول لى: تصدق كل تصرفاتك معايا مرصودة فى الكتاب ده، فخطفت الكتاب من يدها وصرخت بأعلى صوتى: لا أنا مش بنفسجى يا دولت.