الأحد 17 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فى دورتها الـ76: الرئيس السيسى يوجه رسالة للعالم: «دعونا نتكاتف لننقذ أنفسنا قبل فوات الأوان»

انطلقت أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة فى دورتها الـ76، الثلاثاء الماضى، وقد تناولتْ عدة ملفات فى مقدمتها جائحة كورونا والمناخ، وخلال كلمة مصر التى ألقاها الرئيس «عبدالفتاح السيسى»، وجَّه عدة رسائل إلى العالم، حاملًا معها أزمات القارة الإفريقية، وتحديات الأمَّة العربية، إضافة لضرورة التوصل لاتفاق مُلزم لقضية سد النهضة - فى أسرع وقت-، وأن العمل متعدد الأطراف وسيلة للنجاة من احتدام المواجهات. موجهًا نداءَ مصر إلى أشقائها فى الإنسانية: «دعونا نتكاتف لننقذ أنفسَنا قبل فوات الأوان.. معتمدين فى تحقيق هدفنا على قوة المنطق.. لا على منطق القوة».



 

 ضرورة التوزيع العادل للقاحات

قال الرئيس «السيسى»، إن استمرار الجائحة العالمية منذ قرابة العامَين، أثبتت أن البشرية مثلما تتشارك فى الأخُوّة الإنسانية؛ فإنها عرضة للتشارُك فيما تواجهه من تحديات، وهنا تجدر الإشارة، إلى ما يحمله موضوع دورة الجمعية العامّة لهذا العام من أهمية، إذ لخص ما نحن بحاجة إليه فى عالم اليوم، من صمود فى مواجهة وباء «كوفيد- 19 »، وأمل فى التعافى منه، الأمر الذى يلقى الضوءَ على أهمية تذليل الصعوبات أمام توفير اللقاحات لمختلف دول وشعوب العالم، وضمان توافرها بصورة عادلة ومتساوية. 

واستعرض الرئيس رؤية مصر- كعضو مؤسِّس للأمم المتحدة ولعدد من المنظمات الإقليمية-، للواقع الدولى، وإسهاماتها فى مواجهة التحديات التى يشهدها العالم، مشيرًا إلى خطورة التبايُن فى مسارات التعافى الاقتصادى بين الدول، وفقًا لقدرتها على توفير الأعداد اللازمة من اللقاحات؛ حيث تستأثر الدول المتقدمة بالنصيب الأكبر من إنتاج العالم منها، وتشير مصر إلى ضرورة الاستجابة السريعة لاحتياجات القارة الإفريقية؛ حيث باتت قارّتنا الأكثر تضررًا من تداعيات الجائحة، فى الوقت الذى تواجه شعوبها تحديات أخرى، لذا حرصت مصر على توطين صناعة اللقاحات ليس فقط لتلبية احتياجات مواطنيها؛ ولكن أيضًا للتصدير إلى القارة الإفريقية.

 التعنت الإثيوبى تهديدٌ  لاستقرار المنطقة

وقد أكد الرئيس، على اعتزاز مصر بواقعها الإفريقى، الذى لا يرتبط فقط بموقعها الجغرافى؛ ولكنه يتصل عضويًا بوجودها، لذا فإن تحقيق التعاون بين دول القارة لن يتأتّى من خلال تحديد طرف واحد لمتطلبات طرف آخر؛ وإنما يتعين أن تكون تلك العملية متبادلة، فمصر التى تعترف بحقوق أشقائها التنموية تُعَد من أكثر الدول جفافًا، ويظـل شعبها تحت حد الفقر المائى، ويشكل نهر النيل شريان وجودها الوحيد عبر التاريخ، وهو ما يفسر القلق العارم، الذى يعترى المواطن المصرى إزاء سد النهضة الإثيوبى. 

مضيفًا: «لعلكم تعلمون جميعًا، ما آلتْ إليه المفاوضات الدائرة منذ عقد من الزمن بين مصر وإثيوبيا والسودان، جراء تعنت معلوم، ورفض غير مبرَّر؛ للتعاطى بإيجابية مع العملية التفاوضية فى مراحلها المتعاقبة، واختيار للمنهج الأحادى وسياسة فرض الأمر الواقع، ما بات ينذر بتهديد واسع لأمن واستقرار المنطقة بأكملها، وتداركًا لعدم تطور الأمر إلى تهديد للسِّلم والأمن الدوليَيْن».

مشيرًا إلى أن مصر لجأت لمجلس الأمن للاضطلاع بمسئولياته فى هذا الملف، ودعم وتعزيز جهود الوساطة الإفريقية، عن طريق دور فاعل للمراقبين من الأمم المتحدة والدول الصديقة، ولا تزال مصر تتمسك بالتوصل- فى أسرع وقت ممكن- لاتفاق شامل متوازن ومُلزم قانونًا حــول مـــلء وتشـــغيل ســـد النهضــــة؛ حفاظا على وجود «150» مليون مواطن مصرى وسودانى، وتلافيًا لإلحاق أضرار جسيمة بمقدّرات شعبَىْ البلدَيْن، مستندين فى ذلك ليس فقط إلى قيم الإنصاف والمنطق؛ ولكن أيضًا إلى أرضية قانونية دولية صلبة، رسخت لمبدأ الاستخدام العادل والمنصف للموارد المائية المشتركة فى أحواض الأنهار الدولية.

محاسبة الدول الراعية للإرهاب

وعن أكبر التحديات التى تواجه الأسرة الإنسانية، قال «السيسى»، إن ظاهرة الإرهاب تنتهك الحقوق الأساسية للمواطنين وفى مقدمتها الحق فى الحياة، وتعيق جهود الحكومات نحو بلوغ الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لشعوبها. مؤكدًا  أهمية احترام كل الدول، لالتزاماتها بموجب القانون الدولى وقرارات مجلس الأمن، والتشديد على أهمية محاسبة الدول الراعية للإرهاب، وتحتضن عناصره وتوفر لهم الملاذ والدعم أو تسهل انتقالهم عبر أراضيها، بما يهدد السّلم والأمن الدوليَيْن.

لذلك تُشددُ مصرُ، على أنه لا يمكن القضاء على الإرهاب إلا من خلال مواجهة الفكر التكفيرى والمتطرف، المتسبب فى تلك الظاهرة البغيـضـــة، وذلك فـــــى إطــــار مقـاربـــــة شـــــاملة لا تقتصر فقط على المواجهة الأمنية للإرهابيين وتنظيماتهم؛ بل تشمل أبعادًا اقتصادية واجتماعية وتنموية وفكرية تجفِّف منابع الإرهاب، وتعالج الظروف والعوامل التى تدفع البعض إلى هذا الطريق الإجرامى، وهى مقاربة كما تتطلب جهدًا وطنيًا؛ فإنها تستلزم تعاونًا دوليًّا.

 نهجٌ شاملٌ لتعزيز حقوق الإنسان

كما أوضح الرئيس «السيسى»، أن مصر تحرص على تعزيز حقوق الإنسان لمواطنيها وتبذل لتحقيق هذه الغاية جهودًا حثيثة فى إطار من احترام مبادئ المواطنة وسيادة القانون، وتدرك الدولة أن الإنسان المصرى يأتى فى القلب من منظومة التنمية الشاملة، التى تحرص على تنفيذها إعلاءً لكرامته وضمانًا لحقوقه وحرياته.

مشيرًا إلى أن منظومة حقوق الإنسان فى مصر قد عكست مؤخرًا، تطورًا جليًا اتصالًا بما يتضمنه الدستور المصرى وتعديلاته، من مواد تضمن الحقوق والحريات العامّة، ولعل «الاستراتيچية الوطنية لحقوق الإنسان» التى أطلقتها مصر منذ أيام بناءً على تشاوُر مجتمعى وبمساهمة المجتمع المدنى، خير  دليل على النهج الشامل الذى تنتهجه بلادى إزاء موضوعات وقضايا حقوق الإنسان.

 ضرورة حل القضايا العربية 

وقال الرئيس، إنه لا سبيل لاستقرار الشرق الأوسط؛ دون التوصل إلى حل دائم للقضية الفلسطينية، وذلك عَبْر التفاوُض استنادًا إلى مقرّرات الشرعية الدولية؛ لإقامة الدولة الفلسطينية على حدود يونيو 1967، وعاصــــــمتها «القــــدس الشــــــرقية»، كما تدعو مصرُ المجتمَعَ الدولى؛ لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتحسين الأوضاع المعيشية للشعب الفلسطينى، وحث الأطراف المانحة على دعم وكالة «الأونروا» تمهيدًا للقيام بعملية إعادة الإعمار فى قطاع «غزة»، آخذًا فى الاعتبار ما أعلنته مصر من تخصيص «500» مليون دولار لإعادة الإعمار.

مضيفًا، إن منطقة الشرق الأوسط، كما تتسم بموقع استراتيچى فريد فإنها تُعَد أيضًا من المناطق الأكثر اضطرابًا، مما يضيف إلى التحديات العالمية المشتركة، تحديات أخرى ذات خصوصية بدولها، إذ بات مفهوم الدولة الوطنية المتماسكة مهددًا، ما يجعل دولًا غنية بمواردها الطبيعية وتاريخها، كالعراق الشــقيق، أو بثقافتها وتنوعها، كـ«لبنان» و«سوريا»، أو بثرواتها، كـ«ليبيا» أو بموقعها الاستراتيچى، كـ«اليمن»، تعانى من التحديات الضخمة، وهو ما يؤكد أنه لا غنَى عن إعلاء مفهوم الدولة الوطنية، الذى يحول دون التدخل فى الشئون العربية.

 دعوة لتخفيف أعباء الديون 

وفى ضوء الظروف الراهنة، دعت مصر إلى تخفيف أعباء الديون عن الدول النامية؛ وبخاصة الإفريقية، والدول متوسطة الدخل، وتيسير شروط الاقتراض من المؤسّسات الدولية والإقليمية، من خلال إمدادها بأدوات للتمويل الميسر، وتشجيع الاستثمارات، وضمان استمرار تدفقها إلى هذه الدول لما تمثله هذه الإجراءات من عامل حيوى فى دعم الجهود الوطنية للتنمية، وعلى ضوء التحرك الدولى لإصدار ما قيمته نحو «650» مليار دولار من حقوق السَّحب الخاصة فى إطار صندوق النقد الدولى، ترى مصر أهمية بالغة فى استطلاع السُّبُل الملائمة لتوظيف هذه الموارد لخدمة احتياجات العالم النامى بما يشمل الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.

 مصر تتطلع لاستضافة قمة المناخ 2022

كما شارك الرئيس «عبدالفتاح السيسى»، عبر الفيديو كونفرانس فى اجتماع «رؤساء الدول والحكومات حول المناخ»، على هامش أعمال الدورة 76 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وذلك برئاسة «بوريس جونسون» رئيس وزراء بريطانيا، وبمشاركة لفيف من رؤساء الدول والحكومات حول العالم، و«أنطونيو جوتيريش» سكرتير عام الأمم المتحدة.

وقد جاءت مشاركة الرئيس فى ضوء بدء مرحلة جديدة على صعيد عمل المناخ الدولى، لما أصبح يمثله تغير المناخ وتداعياته السلبية من تهديد يواجه البشرية، وقد أكد الرئيس على أهمية تحمُّل الدول المتقدمة لمسئولياتها فى خفض الانبعاثات؛ تنفيذًا لالتزاماتها الدولية فى إطار اتفاق باريس والاتفاقية الإطارية لتغيُّر المناخ؛ خصوصًا مع ما شهدته مؤخرًا مناطق شتّى حول العالم من حرائق غابات واسعة النطاق، والتى أكدت أن تغيُّر المناخ قد بات حقيقة مفزعة تستدعى التحرك الفورى لمواجهتها.

مشددًا على ضرورة التعامل بجدّيّة مع أى إجراءات أحادية تساهم فى تفاقم تبعات تغيُّر المناخ، وفى مقدمتها إقامة السدود على الأنهار الدولية دون توافُق مع دول المصب على قواعد ملئها وتشغيلها، وذلك فى إطار الجهود الرامية للتعامل مع قضايا التكيف مع تغيُّر المناخ، والتى تمثل جانبًا شديد الأهمية من عمل المناخ الدولى وأولوية قصوى للدول النامية؛ خصوصًا فى القارة الإفريقية التى تعانى من التبعات الأشد وطأة لهذه الظاهرة؛ لاسيما المتعلقة بندرة المياه والجفاف وتصحُّر الأراضى وتهديد الأمن الغذائى.

مؤكدًا على أهمية العمل على خروج الدورة المقبلة بنتائج ملموسة على صعيد تمويل عمل المناخ وآلياته؛ خصوصًا ما يتعلق بجهود التكيف وصندوق المناخ الأخضر، وذلك على نحو يساهم فى تعزيز عمل المناخ بالدول النامية، ويرفع عن كاهلها الكثير من الأعباء؛ لاسيما فى ظل الفجوة الراهنة فى تمويل المناخ بين ما تحتاجه الدول النامية لتنفيذ التزاماتها وبين ما هو متاح.

وأعلن الرئيس عن تطلع مصر إلى استضافة الدورة الـ 27 لقمة تغيُّر المناخ فى 2022، بالإنابة عن القارة الإفريقية، مشددًا على أن مصر ستعمل على أن تكون تلك الدورة نقطة تحوُّل جذرية فى عمل المناخ الدولى بالشراكة مع جميع الأطراف، وذلك لمصلحة القارة الإفريقية والعالم أجمع.

 جهود الدولة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة

وعلى هامش اجتماع أهداف التنمية المستدامة بالأمم المتحدة، ألقى الرئيس «السيسى» كلمته التى أكد خلالها أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة بات يكتسب أهمية متزايدة، مقارنة بأى وقت مَضَى؛ لاسيما فى هذا الظرف الدولى الدقيق، لذا تأتى أهمية الاجتماع تأكيدًا على الأهمية التى توليها الدول لتعزيز أهداف التنمية المستدامة التى توافَق المجتمع الدولى عليها وارتضاها إطارًا شاملًا، يعمل من خلاله على تحقيق الرخاء لشعوبه، وصولًا إلى العام 2030.

وأكد الرئيس على عدد من النقاط، أولًا: أثبتت الأحداث التى عاشها العالم على مدار قرابة عامَين ماضيَين حتمية التعامل مع أجندة التنمية المستدامة 2030 وأهدافها وفْقَ منظور شامل، يسعى إلى تحقيق أقصى استفادة مما تتيحه من فرص للتعاون الدولى لتمويل التنمية سواء فى الإطار متعدد الأطراف أو على صعيد العلاقات الثنائية مع شركاء التنمية، مع مراعاة أولويات الدول والحفاظ على الملكية الوطنية لسياساتها وبرامجها التنموية.

ثانيًا: قد حرصت مصر منذ وقت مبكر على توطين أهداف التنمية المستدامة ودمجها فى سياساتها وبرامجها التنموية على جميع المستويات، وهو الجهد الذى أسفر عن تبنّى «رؤية مصر 2030» كإطار جامع لجهود الدولة فى هذا المجال، كما سارعت مصر بتقديم تقاريرها الطوعية حول تنفيذ أهداف التنمية المستدامة وآخرهـا التقريـر الطوعى الثالـث الذى قدّمته مصر خلال الدورة الماضية للمنتدى السياسى رفيع المسـتوى فى يوليو 2021، وذلك اقتناعًا منها بأهمية استعراض التقدم المتحقق؛ خصوصًا فيما يتعلق بإيجاد بيئة وطنية داعمة لتحقيق التنمية والتطورات الإيجابية التى يشهدها تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادى والاجتماعى.

ثالثًا: لقد أدركت مصر منذ البداية أن هدف أى جهد تبذله الدولة لتحقيق التنمية هو المواطن، ومن ثم فقد صمّمت سياساتها وبرامجها التنموية واضعة مصلحة المواطن المصرى فى القلب منها، ملبية لطموحاته ومستجيبة لتطلعاته فى العيش الكريم، والسكن اللائق، والعمل المناسب، ولقد تبلورت هذه الرؤية فى مبادرة «حياة كريمة»، التى تُعد أحد أكثر البرامج التنموية طموحًا وشمولًا؛ حيث تعمل على تحقيق التنمية الشاملة على نحو يعزز من جهود الدولة لتحقيق التنمية الإقليمية المتوازنة وحشد الاستثمارات اللازمة لتحسين جودة الحياة للمواطنين والقضاء على الفقر وخفض معدلات البطالة.

رابعًا: إن النجاح الذى استطاعت مصر تحقيقه، على هذه الأصعدة على مدار السنوات الماضية لم يتأتَ دون تضحيات أثبت من خلالها المواطن المصرى قدرته على تحمُّل الصعاب فى سبيل بناء وطنه وتحقيق أهدافه وتطلعاته المشروعة، ولا تزال مصر تواصل بخُطى ثابتة - ورُغم كل التحديات - تنفيذ برنامجها الطموح للإصلاح الاقتصادى.