الأحد 17 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

كنوز آمال العمدة.. تحية كاريوكا: الفنان لا يمكن أن يكون أنانيًا..!

من المؤكد أن الذكاء هو السر الحقيقى وراء الفنانة تحية كاريوكا، فالمتأمل فى مشوارها الفنى يدرك على الفور أنها كانت تتخذ القرارات الفنية بحكمة بالغة وفى توقيت يشهد لها بالنبوغ والذكاء، ولهذا فقد كانت أعمالها مؤثرة وتركت بصمات مميزة فى وجدان المشاهدين سواء فى التمثيل أو الرقص، حتى حينما اتخذت قرارها الحاسم بالإقلاع عن الرقص كان التوقيت هو العامل الذى جعل الجميع يرفعون القبعة احترامًا لها.



وهذا حوارى معها الذى أهديه لمجلة روزاليوسف..

 

آمال: سأسألك سؤالًا محددًا أبدأ به حوارنا دون إعداد.. إلى أين يتجه المسرح المصرى، هل إلى ازدهار أم إلى انحدار؟

- تحية كاريوكا: المسرح المصرى فى حالة بيات شتوى ولن أقول انتكاسة، والمسرح فى العالم كله يعانى من حالة خمول، فكل العروض المسرحية تتجه إلى العروض التى تحتوى على استعراض ورقص وغناء أكثر من المضمون.. فلقد عادوا بالمسرح إلى ثلاثينيات القرن العشرين. 

 آمال: وما سبب هذه الردة؟

- تحية كاريوكا: سببها أننا خرجنا من حالة حرب، وحتى الأغنية المصرية تراجعت وتدهورت بشكل ملحوظ، وهذا التدهور مستمر وامتد إلى ذوق الجمهور، فالجمهور الذى كان يستمع إلى أم كلثوم أصبح يستمع الآن إلى أحمد عدوية وكتكوت الأمير وهما يغنيان كلامًا كالفوازير ومَنْ يغنى للكبش وآخر يغنى للمانجو.

 آمال: إذًا فالذوق ينحدر، بشكل مطرد، وأنا أتصور أنه فى حالات المعاناة وعقب الخروج من الحروب كما فى حالة شعبنا فإن الفن يزدهر.. لأن الفن ينتعش أثناء المعاناة.. فماذا يحدث لنا الآن؟

- تحية كاريوكا: إذا قلنا إن الفن انتعش فنقول مثلًا إن الانتعاش تمثل فى أن المذهب السيريالى بدأ بعد الحروب فكان ممثلًا عن الفعل الباطن، أى كالشخص «المسطول» الذى يشخبط دون أن يدرى ماذا يرسم، وفى الحرب العالمية الثانية كانت تباع تماثيل لشكوكو، لكن بعد الانتكاسة أتوقع أن تنتعش مرة أخرى وسيعود المجد للمسرح وسيصحو النائمون.

 آمال: أنت تقرين وتعترفين بأن مسرح تحية كاريوكا يعيش حالة بيات شتوى أيضًا؟

- تحية كاريوكا: نعم أعترف أننا توقفنا منذ ثلاث سنوات تقريبًا عن تقديم أعمال جديدة.

 أتمنى أن تزدهر الفنون بكل أنواعها

 آمال: ومتى تتوقعين أن تحدث الصحوة.. ليس لمسرح تحية كاريوكا فقط، بل لجميع روافد الفن فى مصر؟

- تحية كاريوكا: أتمنى أن يحدث هذا قريبًا، وأن تزدهر الفنون خاصة المسرح، لأنه الأقرب للناس والأوسع انتشارًا لأنه فن مباشر، أما السينما فأنا أحذر أن التليفزيون سيصبح  كالحوت  الرهيب الذى يلتهم السينما دون أن يدرى السينمائيون شيئًا، وللأسف فإن كل سينمائيى العالم بدأوا يشعرون بخطر التليفزيون عليهم، وبدأوا يحسنون إنتاجهم، لكن بالنسبة لنا فإن السينمائيين لم يدركوا بعد حجم الخطر المحدق بهم، فى الوقت نفسه فإن الإنتاج التليفزيونى ليس على المستوى أيضًا.

 آمال: لو قمنا بتصنيف مسرح تحية كاريوكا من بين نوعيات مختلفة من الفنون التى قدمت على المسرح، فسنقول إنه انتقادى سياسى، فى حين كان مسرح نجيب الريحانى انتقادى اجتماعى.. فهل تعتبرين أن مسرحك هو تطور لمسرح نجيب الريحانى؟

- تحية كاريوكا: نحن نختلف عن نجيب الريحانى، فهذا الفنان سبق عصره، ولو عاد نجيب الريحانى الآن لكان أكثر تطورًا عن الموجودين، فقد قدَّم هو فى عصره ما نقدمه نحن الآن.

 آمال: وأيضًا الثنائى الناجح فايز حلاوة وتحية كاريوكا يقدمان نوعًا من الحدس لفترة قادمة…

- تحية كاريوكا: ورغم ذلك فأنا لا أقارن مستوانا بمستوى نجيب الريحانى، فهو فى نظرى أفضل من شارلى شابلن، فقد كان أستاذًا بمعنى الكلمة وهو فنان لا يمكن تعويضه.

آمال: وماذا عن الانتقاد فى مسرحك؟

- تحية كاريوكا: أنا الآن أشعر بالحزن من مسرحى، لأننا لم نقدم جديدًا منذ ثلاث سنوات ولا يزال الأستاذ فايز حلاوة لا يكتب، فهو يقول إن من الأفضل ألا يكتب، على أن يكتب للمسرح التجارى.

آمال: فى مسرح اليوم يدخل المتفرج وهو يحمل قرطاس لب، وقد قال الراحل يوسف وهبى إنه كان هناك احترام للمسرح فى أيامهم، وكان هناك احترام متبادل بين الفنان والمتفرج، فالفنان يحترم المتفرج ويحضر فى موعده، والمتفرج يحترم الفنان بعدم قزقزة اللب أو شرب الكوكاكولا أو تناول الساندويتشات.

- تحية كاريوكا: ونحن أيضًا نحترم الجمهور والجمهور يحترمنا، وأنا أعرف أنه فى أيام يوسف وهبى كانت هناك قزقزة لب وتناول ساندويتشات فى المسرح، بل كانوا يدخنون الشيشة، وأنا أرى أن جمهورنا أفضل من جمهوره، فعلى الأقل جمهورنا لا يأتى بحلل المحشى ولا الخس والشيشة كما كان يحدث فى مسرحه، وأنا أعرف أيضًا أن الممثل كان يخرج بعد انتهاء العرض وفى يده أوراق الجرائد التى يلف فيها الخبز والطعمية، ولا أعرف لماذا يتعمد يوسف وهبى أن يُحَقِّرنا ويقلل من شأننا، ولماذا يهاجمنا دائمًا ولا يعترف بنا؟.. والحقيقة أنه لا يريد أن يعترف بأن هناك مسرحًا بعد مسرح رمسيس..

 آمال: هو يعترف بجهود جيل الوسط الفنى، لكنه يقول إنه حزين جدًا لأنه أمضى خمسين عامًا من عمره يرسى تقاليد ومفاهيم وأشياء قيمة فى المسرح ولكنها اندثرت اليوم.

- تحية كاريوكا: وأنا أسأله لماذا تعيش تقاليد الريحانى واندثرت تقاليده هو؟.. ولماذا تعيش أعمال الريحانى وتندثر أعمال يوسف وهبى؟ وأنا لا أهضم حق يوسف وهبى كأستاذ، لكن لا يجب أن يستخف بنا إلى هذا الحد.

 آمال: هو يتحدث عن التقاليد التى أرساها، مثل التعليمات التى كانت تكتب على ظهر تذكرة المتفرج.

- تحية كاريوكا: وأنا أريد أن أسأله.. كم مرة أغلق الستار؟ فقد قال لى بلسانه أنه أغلقها مرات بسبب اللب ومرات أخرى بسبب الأطفال، ومرات بسبب حلل الطعام، وحينما كنت أعمل معه فى مسرحية «بنت الهوى» قص عليَّ كل هذه القصص، فجمهوره لم يكن يأتى له من لندن، لكن الحقيقة أن الجمهور لم يتغير فهو نفس جمهوره الذى يحترم الفنان ويقدره، وحتى لو دخل المتفرج إلى المسرح بقرطاس اللب، فإن الفنان إذا استطاع جذبه فمن المستحيل أن ينشغل بقزقزة اللب، لكن لم يعجبه العمل فمن حقه أن يقزقز اللب ويأكل الساندوتشات وغيره.

 آمال: فتحية كاريوكا كفنانة ترى أن مدرستى زكى طليمات ويوسف وهبى اندثرتا بتوقف صاحبيهما، ولكنَّ مدرستى الريحانى والكسار ممتدتان ومستمرتان ولهما جذور وفروع حتى اليوم.

- تحية كاريوكا: هذا صحيح وأنا عملت مع نجيب الريحانى فى فيلم «لعبة الست» وتعلمت منه أشياء أشعرتنى بأننى كنت تافهة بالنسبة له، وأتذكر أن أول يوم دارت فيه الكاميرا أمامه بكيت، فأوقف التصوير بعد أن شعر بخوفى، وقد لا يعرف أحد أننى رفضت هذا الفيلم فى البداية من فرط خوفى من الوقوف أمام هذا العملاق، وكان صبورًا معى ويوجهنى فى كل مشهد، وكانت لديه مقولة يكررها دائمًا وهى أن الفنان الأنانى ليس فنانًا، ولهذا فلا يوجد فيلم واحد لنجيب الريحانى يستأثر فيه بالبطولة، بل كل واحد من الفنانين المشاركين فى أعماله بطل، ولهذا فإن فنه لم يمت.. وأتذكر أنه يوم بكيت من خوفى من العمل معه ألغى التصوير وقضى بقية اليوم يتحدث معى، لكى يزيل عن نفسى الرهبة.

 الريحانى كان رحيمًا بى

 آمال: نفس هذا الكلام قالته لى الفنانة «ليلى مراد، فقد سقطت دموعها فى أول يوم تصوير مع نجيب الريحانى رغم أن المشهد كان مشهد فرح وسعادة، لكنها لم تتمالك نفسها فبكت.

- تحية كاريوكا: كلامها صحيح بالفعل، وهذا ما حدث معى أيضًا، والحقيقة فإن الريحانى كان رحيمًا بى فلم يفرد عضلاته عليَّ، وهذا كان سببًا فى ظهورى بشكل جيد فى الفيلم، لأنه كان يعلم أننى أخطو خطواتى الأولى وأنه يجب أن يساعدنى، وكان يوجهنى بين كل مشهد بشكل أبوى، فهو أستاذ يحتضن تلاميذه، أما الآن فكأن الممثلين يأكلون بعضهم، أما الريحانى فقد كان أبًا لكل أفراد فرقته، ويمكن ملاحظة مجد الريحانى من أن أبطالًا كلًا منهم كان قادرًا على القيام بدور البطولة فى رواية منفردة مثل بشارة واكيم وعبدالفتاح القصرى ومارى منيب وزينات صدقى وشرفنطح كان الريحانى يجمعهم فى رواية واحدة، ومن مواقفى مع الريحانى أننى كنت سأعمل معه فى رواية مسرحية وأديت بعض البروفات وقال لى إنه سيجعل الناس ينسون أننى كنت راقصة وسيتذكرون فقط أننى ممثلة جيدة.

 آمال: تقصدين أن أول بادرة جعلتك تبيتين النية على هجر الرقص وتتجهين للتمثيل كانت من الريحانى؟

- تحية كاريوكا: نعم.. وأنا إلى الآن أزور قبره هو وكاميليا.. وأشعر بأنهما أحياء معى.

 آمال: أرى صورة لك مع نجيب الريحانى معلقة فى مكان بارز بشقتك.. فما قصة هذه الصورة؟

- تحية كاريوكا: هذه الصورة عمرها يتعدى الأربعين عامًا، فقد التقطت لنا عام 1942 خلال تصوير فيلم «لعبة الست» وأنا أعتز بها جدًا، لأن هذا الرجل جعلنى أحب فن التمثيل، وكنت وقتها مرتبطة بعقود هائلة للرقص داخل وخارج مصر، وكان من الصعب أن أتفرغ للتمثيل، لكنه منحنى أجرى لمدة عام كامل لكى أقوم بالبروفات.

آمال: وممن تعلمت غير الريحانى؟

- تحية كاريوكا: من بديعة مصابنى.. فقد كانت تمتلك صفات الريحانى، لقد كانت مدرسة عمل معها حسن فايق وشرفنطح وبشارة واكيم وزينات صدقى، وكل المطربين الكبار فى عصرها عملوا معها قبل شهرتهم مثل محمد فوزى وفريد الأطرش وعبدالمطلب وعبدالغنى السيد وإبراهيم حمودة وغيرهم، وكان فؤاد الجزايرلى يرقص مع المجموعات، وكان محمود الشريف يقوم بالتلحين والرقص مع المجموعات، وبديعة مصابنى هى السيدة الوحيدة التى كانت تمتلك صفات بنت البلد رغم أنها سورية، وفى بداية عملها كانت تفرض إتاوات على المسارح وهناك حادثة قتل مشهورة لامتثال فوزى التى قتلها فؤاد الشامى، لكن بديعة كانت تتصدى لهم كالرجال، وأنا أرفض أن يسمى مسرحها «كباريه» فقد كانت تقدم روايات كاملة داخلها رقص وتمثيل وغناء ومنولوجات ودراما وهو ما لا يفعله أحد غيرها إلى الآن، وأيام الحرب العالمية الثانية طلبوا منها أن تقدم رواية ضد هتلر وموسولينى فقدمتها بالفعل وشاركت أنا فيها، وكانت بديعة متزوجة من الريحانى، وحينما انفصلا أخذت هى كل ممثليه إلى مسرحها فتوقف الريحانى، وظلت هى تعمل بهم إلى أن غادرت البلاد.

 آمال: كانت بديعة مصابنى تقدم الاستعراض من خلال مشاهد مسرحية غير دخيلة على الأحداث.. فأين هذا الآن؟

- تحية كاريوكا: انتهى.. وفريدة فهمى هى الوحيدة التى أشعر أنها تقدم ما كنا نقدمه، ولكنى لا أرى مثيلًا لفرقة بديعة مصابنى، لأن فريدة تقدم الرقص الشعبى، لهذا فهناك فرق بين فرقة بديعة وفرقة رضا، ففرقة بديعة كانت تقدم كل شهر رواية كاملة ومعها عرض أجنبى، فكنا نصنع تزاوجًا بين الفن المصرى والفن المستورد، وفريدة إنسانة مثقفة تفهم ما تقدمه وتحبه، ومن يحب شيئًا فلا بد أن يجيده، وهذه هى أفصل مزاياها.

اتخذت القرار وأنا فى القمة

 آمال: إذا تحدثنا عن قرار توقفك عن الرقص.. كيف حدث؟

- تحية كاريوكا: أنا توقفت فى وقت كان يجب أن أتوقف فيه، ليس لضعف ولكن كان يجب أن أتخذ القرار وأنا فى القمة وألا أتراجع عنه، فمن المستحيل أن أحلم الآن بتقديم ما قدمته قبل عشرين عامًا، بل يجب على الفنان أن يبحث عن رافد آخر للفن، فأنا كنت أقدم دور البنت المحبوبة، أما الآن فأقدم الأم أو الجدة أو التاجرة لأن الفن واسع ولا يتوقف عند طريق واحد، وممن التفتوا إلى ذلك الفنان عماد حمدى الذى كان دوره فى فيلم «أم العروسة» بمثابة تحويلة فى حياته، فقد كان يرفض الدور لأنه كان لا يزال يقدم أدوار الشاب المحبوب، فنصحته بتحويل هذا المسار وتوقعت أن يحقق نجاحًا باهرًا وقد حدث بالفعل، لكن هناك من رفضوا هذا التحويل وهم أحرار فى ذلك لكنه من المستحيل أن يظلوا سائرين على نفس الطريق.

 آمال: إذا عدنا لمن تعلمت منهم.. فماذا تقولين عن سليمان نجيب؟

- تحية كاريوكا: سليمان نجيب كان بمثابة أب لى، فقد كنت صغيرة وكان ذوقى سيئًا فعلمنى الذوق السليم، وكان ينصحنى دائمًا وكنت أتقبل نصائحه فورًا، وكنت كالعجينة اللينة فى يده وكان هذا يسعده، فكان يعلمنى كل ما يستطيع من صفات جميلة.

 آمال: يمكن القول إذًا أن نجيب الريحانى وبديعة مصابنى وسليمان نجيب هم من شاركوا فى صنع وجدان تحية كاريوكا؟

- تحية كاريوكا: هذا صحيح، فقد علمتنى بديعة الإرادة وعلمنى الريحانى كيف لا يكون الفنان أنانيًا وأن يتعاون مع زملائه، وتعلمت الذوق من سليمان نجيب.

 آمال: إذا قلنا أن هؤلاء قد أسدوا لك النصح.. فمن أسديت له أنت النصح؟

- تحية كاريوكا: أنا أنصح الكثيرين ولكن معظمهم لا يلتفت لهذه النصائح دون أن أعرف السبب، ولكن هناك من يتقبلون النصيحة فى مقدمتهم فريدة فهمى، ولكنى لا أحب أن أنصح من لا يتقبلون النصيحة، فعدم تقبل النصيحة نابع من الجهل، لكن الإنسان العاقل يجب أن يستمع إلى كل النصائح مهما تقدم به العمر، لأن النصيحة قد تأتى من شخص له تجارب أكثر ومجرب أكثر ويعرف أن هناك أخطارًا معينة فى تلك المنطقة مثلًا.

آمال: هل ترين أن الفنانة فريدة فهمى تمثل امتدادًا لطريقكم المسرحى؟

- تحية كاريوكا: هى فنانة رائعة، لكنها تختلف عن الفن الذى كنا نقدمه، ومحمود رضا يقوم بتدريبها على أداء يختلف عن أدائنا، لكنها فى النهاية امتداد لاستعراضاتنا التى كنا نقدمها، وغيرها يؤدين على المسرح حركات غير مدروسة وكأنهن كالمهر الشارد.

 

آمال: هل تَصدق آراء الناس دائمًا عنك؟

- تحية كاريوكا: تَصْدُق بنسب متفاوتة، ولكنَّ هناك منافقين يبدو نفاقهم واضحًا.

يابخت مَن بَكّانى وبَكى عليَّا

 آمال: تكرهين النفاق.. لكن هل تكرهين المديح؟

- تحية كاريوكا: أكره المديح لو كان فيه نفاق، وهناك مثل يقول «يابخت من بكانى وبكى عليَّ.. ولا ضحكنى وضحك الناس عليَّ»، فأنا أحب من يدلنى على عيوبى، وأقبل النصيحة من الأصدقاء الذين أشعر أنهم أصدقاء فعليين وإذا تأكدت من هذا العيب أقلع عنه فورًا.

 آمال: كل إنسان بعيد عن حياته الخاصة يلبس قناعًا، فهل ترين نفسك بهذه الأقنعة؟

- تحية كاريوكا: لا.. ولهذا السبب فإن الكثيرين يغضبون منى، فأنا فشلت فى ارتداء هذه الأقنعة، فأحب أن أقول ما يعجبنى ولو أدى ذلك إلى موتى.

 آمال: وهل أضرتك هذه الصراحة؟

- تحية كاريوكا: أضرتنى كثيرًا.. لكنها نفعتنى أكثر.

 آمال: إلى أى مدى توائمين بين آرائك الخاصة جدًا وإعلانها للناس؟

- تحية كاريوكا: أحد عيوبى أننى لا أستطيع حجب آرائى الخاصة، والطريقة الوحيدة التى يمكن أن أحجب بها آرائى هى أن أغادر المكان ولا أبقى فيه.

 آمال: هل إحساس تحية كاريوكا يسبق عقلها، أم عقلها هو الذى يسبق إحساسها؟

- تحية كاريوكا: الإحساس هو الذى يسبق العقل، وأعترف أن هذا خطأ فادح، وأعتبر نفسى من صنف الأذكياء البُلهاء.

أنتقد نفسى بقسوة بالغة

آمال: هل تنتقدين نفسك بقسوة؟

- تحية كاريوكا: أنتقد نفسى بقسوة بالغة، فى بعض الأحيان أغضب من نفسى جدًا، لدرجة أن والدتى قالت لى يومًا أننى يجب أن أحب نفسى قليلًا، فأنا أنتقد نفسى بعنف وغضب وغيظ، وأعاتب نفسى على الأخطاء، وأندم لو جرحت شعور شخص أحبه، وعندئذ أعتذر فورًا.

آمال: هل الندم كثير فى حياتك؟

- تحية كاريوكا: ندمت كثيرًا فى حياتى وأحتاج لسنوات لكى أحكى المواقف التى ندمت فيها.

عقدة خيانة الصداقة

آمال: العقد المترسبة فى وجدان الإنسان هى التى تصنع نجاحه.. فما عُقَد تحية كاريوكا؟

- تحية كاريوكا: لا يوجد إنسان خالٍ من العقد، لكن هناك عقد يتجاوزها الإنسان رغم أنها تؤثر فيه، وهذا من أسباب النجاح فى حياة إنسان ناجح، خاصة أن هناك كثيرًا من الأشياء التى تؤثر فى النفس، مثل خيانة الصديق أو وضع الثقة فى غير محلها، وكثرة الفشل وهذه الحوادث إما أن تسبب للإنسان عقدًا أو أن يتخطاها ويلقيها وراء ظهره.

آمال: هل حرمانك من الأمومة يسبب عقدة فى حياتك؟

- تحية كاريوكا: كان عقدة بالفعل، لكن وجود أبناء أشقائى تسبب فى حل هذه العقدة، فقد قمت بتربية أبناء أشقائى وأعتبرهم كلهم مثل أولادى حتى بعد زواجهم.

آمال: هل الجمال والتقدم فى العمر يسببان عقدة لك؟

- تحية كاريوكا: لا.. فكل سن له جماله، ويجب على نسائنا أن يعلمن أن النساء فى أوروبا يعشن حياتهن فى كل سن، لدرجة أننى رأيت نساء هناك عمرهن تسعين عامًا ويعشن سنهن بسعادة، لكننا فى مصر نفقد الأمر فى الحياة بعد الأربعين أو الخمسين، ولذلك فأنا لا أخفى عمرى، فالكل يعلم أنى من مواليد عام 1926.

آمال: هل تمثل الخيانة عقدة لك؟

- تحية كاريوكا: أنا لا أحب الخيانة، وسبب كثرة مرات زواجى هو أننى لا أحب أن أخون أحدًا أو أن يخوننى أحد، وأنسحب فورًا إذا شعرت ببوادر خيانة.

آمال: هل يمكن أن تصفى نفسك وأنت طفلة صغيرة؟

- تحية كاريوكا: كنت طفلة شقية جدًا، وكنت ألعب مع الأولاد، ولم يكن لى أصدقاء من البنات، وكنت أمارس كل لعبة يلعبها الأولاد خاصة كرة القدم، وكانت جدتى تضربنى حينما يضربنى أحد، لكنها كانت تكافئنى إن ضربت أى طفل آخر، فقد كانت تحب أن تكون لى شخصية قوية وأن أعتمد على نفسى.

آمال: إذًا فجدتك أهم شخصية فى مرحلة طفولتك؟

- تحية كاريوكا: نعم.. وقد كانت سيدة صعيدية من إسنا، لكنها كانت طيبة، والصفات التى زرعتها فى نفسى ما زالت موجودة حتى الآن.

عشق الإسماعيلية

آمال: ماذا عن صورة الإسماعيلية فى ذهن الطفلة تحية محمد كريم الشهيرة بتحية كاريوكا؟

- تحية كاريوكا: سمعت ممن حولى أنهم يلاحظون أنى حينما أذهب إلى الإسماعيلية فإن غدد جسدى تعمل، فهى أفضل مكان فى العالم بالنسبة لى، وأنا طُفت العالم كله لكنى لم أجد أجمل من الإسماعيلية، ولا أطيب من ناسها فكل أهلها متحابون وكأنهم عائلة واحدة، ولى فيها ذكريات طفولة جميلة فى مدرسة الفرانسيسكان وقد ألحقنى بها أبى وشقيقى اللذان كانا يعملان فى «القنال» فقد كنا نُعالج ونتعلم على حساب هيئة القنال لدرجة أنهم كانوا يطلقون علينا لقب «أولاد الهيئة» وما زلت أذكر حدائقها وشجر المانجو والهروب من المدرسة والجرى فى الحدائق، ولهذا فأنا حتى الآن أعشق الخضرة وأسعد برؤيتها، ورغم أنى كنت أهرب من المدرسة إلا أننى كنت متفوقة جدًا، وكنت محبوبة من كل المدرسين والمدرسات، وبسبب «شقاوتى» ألحقونى بمدرسة داخلية.

 

آمال: هل هناك ذكريات سيئة عن الإسماعيلية؟

- تحية كاريوكا: حينما تم ضربها وهاجر سكانها، وذهبت لأجد الإسماعيلية خاوية وقد هجرها سكانها، ويومها بكيت وجلست على رصيف الشارع وأخذت أصرخ، والحمد لله أن أبناء الإسماعيلية نجحوا فى إعادة بنائها، وأعادوا لها الجمال والنظافة.

آمال: ألا تزال الطفلة تحية كاريوكا تعيش بداخلك؟

- تحية كاريوكا: أشعر بروح الطفلة بداخلى، وأكتسب منها الطيبة، وهذه ميزة جميلة لأنى أنسى الإساءة دائمًا.

آمال: هل بكيت وأنت طفلة؟

- تحية كاريوكا: بكيت كثيرًا.. فقد تعرضت لظروف صعبة جدًا بعد وفاة جدتى، لكنى لم أكن أستعمل البكاء للحصول على ما أريد مثل الأطفال الآخرين، بل كنت أحصل على ما أريد بالعنف والعناد.

آمال: شىء حرمت منه فى صغرك وعوضتيه بعد أن كبرتى؟

- تحية كاريوكا: حنان جدتى الذى عوضتنى عنه والدتى رحمها الله، فقد تركت والدتى فى صغرى حينما رحلت للعيش مع أهلها والتقيت بها فى سن الخامسة عشرة وكان ذلك بسبب مشاكل بينها وبين عائلة والدى، لكن حينما عادت إليَّ عوضتنى حنان جدتى التى بموتها ضاعت طفولتى فى سن العاشرة.