الخميس 23 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

تعليمات للموظفين بالتخلص من الوثائق الحساسة إذا داهمت طالبان منازلهم: عودة الأمم المتحدة للعمل فى أفغانستان.. قرار جنونى يمنع كارثة إنسانية

تواجه الأممُ المتحدة موقفًا عصيبًا للغاية فى أفغانستان يتمثل فى خيارَين؛ تبعات وعواقب أى منهما لا تقل خطورة عن الآخر، فإمّا أن تعيد موظفيها للعمل فى أفغانستان، ومن ثم يواجهون مخاطر جسيمة فى ظل حُكم «طالبان» صاحبة التاريخ الدموى المَلىء بالانتهاكات الإنسانية، أو أن تبتعد عن الساحة الأفغانية، وفى هذه الحالة سيواجه ملايين الأفغان أزمات إنسانية طاحنة، كما سيفقد المجتمع الدولى عيونه المتمثلة فى موظفى الأمم المتحدة لمراقبة الأوضاع هناك ورصد مدَى التزام «طالبان» بتعهداتها.



وفى ظل الضغوط من أطراف دولية عدة، اتخذت الأممُ المتحدة قرارَها بالعودة للعمل فى أفغانستان، بعد شهر من محاولة حماية موظفى الإغاثة بسَحبهم من مناطق الخطر، لتضعهم مرّة أخرى على خط المواجهة المحفوف بالمخاطر.

ويعكس القرارُ المعضلة الكبيرة التى عانت منها المنظمة الأممية، فإمّا المُخاطرة بحياة موظفيها من خلال البقاء فى البلاد، أو المُخاطرة بتفاقم أزمة إنسانية رهيبة من خلال استمرار الانسحاب.

فى المقابل؛ اعتبر البعضُ قرارَ العودة جنونيًا للغاية؛ خصوصًا مع تواصُل نزوح آلاف الأشخاص من أفغانستان خوفًا من انتقام طالبان، ولكن هذه الخطوة جاءت أيضًا فى ظل ضغوط تعرضت لها الأمم المتحدة من قوَى دولية مختلفة بما فيها الولايات المتحدة والصين وروسيا وباكستان؛ حيث أقامت الأخيرة بالفعل جسرًا جويًا بين إسلام آباد وكابول لاستئناف العمليات الإنسانية فى أفغانستان التى ترغب فى أن يكون للأمم المتحدة آذانٌ وعيونٌ تراقب عن كثب انتهاكات طالبان.

وأكد بعضُ المسئولين فى الأمم المتحدة أن عدم العودة معناه مواجهة كارثة إنسانية وحقوقية غير محتملة؛ لأن هناك 18 مليون أفغانى، أى نحو نصف السكان، يعتمدون بشكل أساسى على المساعدات الإنسانية، كما حذرت الأمم المتحدة أخيرًا من أن عددًا مماثلاً قد ينضم إلى هذا الرقم إذا لم يتواصل العمل الإنسانى على الأرض، لذلك أعلن «ستيفان دوجاريك» المتحدث باسم المنظمة، أن الرحلات الإنسانية التى ينظمها برنامج الأغذية العالمى التابع للأمم المتحدة استؤنف مؤخرًا، مما سمح لستين منظمة إنسانية بمواصلة أنشطتها الحيوية فى الولايات الأفغانية، ودعا لتقديم هبات دولية؛ خصوصًا أن نداءات التمويل لا تزال قاصرة وغير ملبية لاحتياجات المنظمة لتغطية الوضع الإنسانى المتدهور.

وقدّر مكتب تنسيق الشئون الإنسانية، الأسبوع الماضى، أن الأمم المتحدة وشركاءها بحاجة إلى 1.3 مليار دولار لتلبية الاحتياجات الإنسانية لأفغانستان، لكنها لم تتلقَ سوى 39 فى المائة من هذا التمويل حتى الآن فى حين يعانى نحو ثلث السكان من انعدام الأمن الغذائى، كما يتوقع أن يؤثر سوءُ التغذية على أكثر من نصف الأطفال دون سن الخامسة خلال العام المقبل، وفقًا لبيانات الأمم المتحدة.

فى السياق؛ أكد «ليام ما كدويل» المتحدث باسم بعثة الأمم المتحدة فى أفغانستان، أن حياة الكثيرين من الأفغان فى خطر وأن الأمم المتحدة ستبذل كل ما فى وسعها لإنقاذ الأرواح وفى الوقت نفسه حماية سلامة أفرادها.

وأشار إلى أن أفغانستان شهدت فى الأشهُر القليلة الماضية اضطرابات جماعية مع تصاعُد الصراع ومقتل وجرح مئات المدنيين، ومع ذلك قامت الأمم المتحدة بحماية جميع موظفيها خلال هذه الفترة المضطربة، ونحن مصممون على الاستمرار فى القيام بذلك ونطالب بزيادة المساعدة لملايين الأفغان الأكثر ضعفًا والذين هم فى أمَسّ الحاجة إلى مساعدة العالم فى الوقت الحالى.

كما حذر بعضُ الخبراء من اتساع فجوة التمويل مع مغادرة الدول الغربية لأفغانستان، فقد يختفى ببطء التزام هذه الدول التمويلى لدعم الشعب الأفغانى، وهذا سيزيد الوضع سوءًا، ومع اقتراب تفويض بعثة المساعدة الأممية من الانتهاء فى 17 سبتمبر الجارى، من المقرر أن يناقش مجلس الأمن الدولى تمديده فى 9 سبتمبر، وأوفد «أنطونيو جوتيريش» الأمين العام للأمم المتحدة، الأسبوع الماضى وكيله للشئون الإنسانية «مارتن جريفيث» إلى كابول لإجراء محادثات مع قيادة طالبان، حسبما ذكر «ستيفان دوجاريك» المتحدث باسمه، الذى قال فى بيان: إن «جريفيث» التقى الملا بردار وقيادة طالبان فى كابول لمناقشة الشئون الإنسانية وتقديم المساعدة المحايدة والمستقلة ولحماية ملايين الأشخاص المحتاجين.

ورُغم أن طالبان تعهدت للأمم المتحدة بضمان سلامة وأمن العاملين فى المجال الإنسانى، ووصول المساعدات الإنسانية وضمان حرية الحركة للعاملين فى المجال الإنسانى رجالاً ونساءً وتعهدت أيضًا بالتعاون مع المجتمع الإنسانى لضمان إيصال المساعدات إلى الشعب الأفغانى؛ فإن العديد من الجهات لا تثق بوعودها ولا تعتبر هذا الوعد ضمانًا لسلامة موظفى الأمم المتحدة، بالإضافة إلى أن هناك مخاوف خاصة ومضاعفة تتعلق بالنساء منهم.

ووفقًا لصحيفة «فورين بوليسى»؛ فإن هناك مسئولًا فى الأمم المتحدة قال: إن قرار العودة جنونى للغاية، كما تضامنت الصحيفة مع هذا الرأى فى مقال نشرته الأسبوع الماضى، وجاء فيه أن الطلب بالعودة جاء بعد أيام من كتابة «أنطونيو جوتيريس» الأمين العام للأمم المتحدة، مذكرة إلى طالبان سَلط فيها الضوءَ على الحاجة إلى مواصلة العمل فى أفغانستان رُغم المخاطر؛ حيث كتب فى مذكرة بتاريخ 31 أغسطس حصلت عليها «فورين بوليسى»: «إنهم يواجهون معضلة رهيبة وأنه يرغب فى التأكد من أن الأمم المتحدة الموجودة فى أفغانستان منذ عام 1948 يمكنها مواصلة عملها الحيوى لدعم الشعب الأفغانى». وأضاف جوتيريس أنه «فى الوقت نفسه يدرك تمامًا مسئوليته عن بذل كل ما فى وسعه لحماية سلامته وأمن موظفى الأمم المتحدة»؛ خصوصًا أن هذه الخطوة تمثل تراجعًا عن موقف الأمم المتحدة قبل شهر واحد فقط عندما كان مسئولو الأمم المتحدة يحثون الموظفين على البقاء فى منازلهم ويعملون مع الحكومات لتأمين ممر آمن لهم للخروج من البلاد.

وعكست سلسلة من وثائق الأمم المتحدة الداخلية التى حصلت عليها مجلة «فورين بوليسى» مدى هشاشة الوضع الأمنى بالنسبة لمسئولى الأمم المتحدة فى ظل سيطرة حركة طالبان، وحذرت الوثائق المسئولين العاملين فى أفغانستان من القيام بأى «تحركات مفاجئة» إذا داهم مسلحو طالبان منازلهم، كما تلقى العاملون الأمميون تعليمات بشأن كيفية إتلاف وثائق الأمم المتحدة الحساسة حتى لا تقع فى يد طالبان.

وأضافت الصحيفة إن الوثائق عكست النقاشات الداخلية التى أجرتها منظمات حقوق الإنسان أثناء تقييمها لطبيعة عملهم فى أفغانستان التى تسيطر عليها طالبان، وطرحت تساؤلاً: هل هى مخاطرة بحياة موظفيها من خلال البقاء فى البلاد أو مخاطرة بتفاقم أزمة إنسانية حادة بالانسحاب؟ كما أن بعض جماعات حقوق الإنسان المستقلة ومنظمات الإغاثة أكدت أن الأمم المتحدة تواجه معضلة صعبة، لكنها ليست جديدة تمامًا، فرغم أن الأمم المتحدة عليها التزام بحماية موظفيها؛ فإنها بحاجة إلى أن تكون عيون وآذان العالم على الأرض فيما يتعلق بحقوق الإنسان؛ خصوصًا فيما يتعلق بالنساء والأطفال بالنظر إلى سجل طالبان السيئ.

وطلب «رامز الأكبروف» نائب الممثل الخاص ومنسق الشئون الإنسانية فى أفغانستان، وهو أعلى ممثل أممى موجود فى الميدان، من الأمم المتحدة، الإذن بعودة الموظفين الدوليين والوطنيين الأساسيين إلى عدة مدن تم إجلاؤها فى الأسابيع الأخيرة. مشيرًا إلى تضاؤل احتمالات الاشتباكات المسلحة بين طالبان وفلول قوات الأمن الوطنى الأفغانية.

وكتب الأكبروف إلى جيلز ميشود، وكيل الأمين العام ورئيس إدارة شئون السلامة والأمن بالأمم المتحدة، مذكرة جاء فيها أن «مستويات المخاطر الأمنية الحالية والمتوقعة مرتفعة لجميع المناطق» فى أفغانستان.

وقال الأكبروف: «بينما لا يزال الوضع متقلبًا فى أفغانستان؛ فإن وقوع اشتباكات مسلحة بين طالبان والقوات الأفغانية أصبحت قليلة. برجاء الموافقة على عودة موظفى الأمم المتحدة إلى مدن باميان، وهرات، وقندهار، وميمانا، ونيلى، بمجرد تنفيذ الترتيبات الأمنية اللازمة».

 

وبحسب «فورين بوليسى»؛ فإن طلب الأكبروف، جاء بعد أيام من مذكرة رئيس الأمم المتحدة أنتونيو جوتيريس، التى أرسلها إلى البعثة الأممية فى كابول، نهاية أغسطس الماضى، سلّط فيها الضوء على «الحاجة إلى مواصلة العمل فى أفغانستان رُغم المخاطر».