الخميس 23 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

تيجراى شاهد على الجريمة: تيجراى أرض الموت

بعد توليه منصبه كرئيس وزراء ثانى أكبر دولة إفريقية، عمل آبى أحمد على تصدير صورة «رجل السلام» فكان يدعو إلى الرفاهية والسلام لشعبه،  وخلال أول خطاب رسمى بعد توليه منصب رئيس الوزراء أكد أنه سيعمل على تأمين شعبه، وسيعمل على حل السلام بين أقاليم دولته وعدم التمييز بين الأقاليم، كما أكد على انتهاج سياسة سلمية تجاه دول الجوار تقوم فى المقام الأول على التعايش السلمى والتكامل الاقتصادى، مُوجِّها دعوات تصالحية غير مسبوقة لخصوم بلاده التاريخيين، ولم يمر وقت طويل حتى أثبتت توجُّهات آبى أحمد التصالحية أنها مجرد سراب، فبعد قُرابة عامين على توليه منصبه، شنَّ رئيس الوزراء الفائز بجائزة نوبل حربا دموية فى إقليم تيجراى، مستعينًا بميليشيات خارجية للقضاء على شعبه، كما انخرط فى نزاع حدودى مع السودان، ونزاع آخر مع مصر والسودان بسبب أزمة سد النهضة، فبدت إثيوبيا وكأنها قنبلة موقوته.. يمكن أن تنفجر فى أى وقت، خاصة بعد دخول عناصر خارجية أخرى فى الصراعات الداخلية للدولة الفيدرالية، وبدأ صوت الانقسامات فى الداخل يتزايد.. فأصبح آبى أحمد «رجل الصراعات الإفريقية» وأصبح مصير دولته على المحك.. وتحول رمزه إلى رجل الدم بدلًا من رجل السلام.



روزاليوسف

 

نوفمبر 2020 تاريخ دموى لإقليم إثيوبى شهد أكبر كارثة إنسانية على مدار العام المنصرم، وأصبح شعب إقليم تيجراى يواجه الكثير من الكوارث الإنسانية، من مجاعات وعمليات تطهير عرقى وقتل جماعى، بالإضافة إلى افتقار للمواد الطبية والإغاثة فى ظل جائحة يواجهها العالم.

 

مع مناشدات دولية ومطالبات بوقف الصراع فى شمال البلاد وفرض عقوبات دولية على حكومة أديس أبابا كل هذا لم يوضع حدًا للأعمال الانتقامية من قبل آبى أحمد التى حولت أراضى الشمال الإثيوبى إلى كابوس دام.

ورغم كل هذا الدمار على مدار أشهر لم يستطع آبى أحمد إحكام قبضته على تيجراى، ونجحت قوات «الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى» فى الثأر مما فعلته قوات الجيش الفيدرالى والميليشيات المأجورة بأبناء الإقليم، واستيقظ العالم على صور فرار جنود الجيش الإثيوبى من تيجراى وإحكام سيطرة «الجبهة الشعبية» على العاصمة ميكيلى وجميع الطرق الرئيسية فى خطوة تعلن عن بدء فصل جديد من الصراع المسلح، وهو ما يفتح فصلا جديدا فى حرب وحشية، لكنه لا يصل لوضع نهاية قريبة بأى حال، كما طالبت جبهة تحرير إقليم تيجراى، بفتح تحقيق دولى فى المجازر التى ارتكبتها القوات الإثيوبية فى الإقليم. وأعلنت الجبهة أنها ستتعاون مع المنظمات الدولية من أجل إيصال الإغاثة لأكثر من مليونى نازح.

 بداية الصراع

بدأت الأزمة فى تيجراى بعد تولى رئيس الوزراء آبى أحمد الحكم، حيث كان لرجال إقليم تيجراى تاريخ طويل فى إدارة شئون البلاد منذ عام 1989 وحتى وصول أحمد للحكم، ومنذ عام 2018 شهدت البلاد صراعات بين قادة الإقليم «الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى» والحاكم الجديد، وحاول آبى أحمد كبح نفوذ الجبهة فقام بحل الائتلاف الحاكم الذى كان يتألف من عدة أحزاب عرقية وأعلن عن دمج الأحزاب السياسية فى حزب واحد أطلق عليه «حزب الرخاء»، لكن «جبهة تحرير تيجراى» رفضت الانضمام لهذا الحزب وبدأت الخلافات تشتعل بين ساسة الإقليم والحكومة المركزية، خاصة بعد اتهام القادة السياسيين آبى أحمد بالفساد وأنه فقد شرعيته فى الحكم، خاصة بعد إعلان رئيس الحكومة الإثيوبية تأجيل الانتخابات البرلمانية فى البلاد بسبب تفشى وباء كورونا، وهو الأمر الذى رفضه قادة الإقليم وأعلنوا المضى فى الانتخابات الخاصة بالإقليم، مما دفع أديس أبابا لإعلان عدم شرعية هذه الانتخابات وأمرت بتقليص الأموال المخصصة للمنطقة، وهو الأمر الذى اعتبرته الجبهة الشعبية بمثابة عمل حربى.

فى 9 نوفمبر 2020 استيقظ سكان الإقليم على نيران الجيش الإثيوبى بعد ادعاءات من رئيس الحكومة أن الجبهة الشعبية قد هاجمت قواعد عسكرية فى المنطقة، ومنذ ذلك الحين دخلت المنطقة فى قتال دموى عنيف خاصة بعد انضمام ميليشيات عسكرية من إقليم أورومو وعناصر عسكرية من إريتريا، وهو الأمر الذى أنكره آبى أحمد فى البداية ثم أقر به بعد ذلك فى خطوة لم تكن متوقعة من رجل حمل «نوبل للسلام» بين يديه وتعهد بالحفاظ على بلاده من أى اعتداءات خارجية، وهو الأمر الذى رفضه المجتمع الدولى واستنكره.

على مدار أشهر من القتال المسلح فر على أثره أكثر من 2 مليون نازح إلى الجارة السودانية وغرق الإقليم فى العديد من الأزمات الإنسانية، خاصة بعد عزل الإقليم من قبل رجال الجيش الفيدرالى، وتم قطع جميع الطرق الرئيسية، وقطع الكهرباء والإنترنت عن الإقليم الذى يمثل سكانه نحو 6 % من سكان إثيوبيا.

بدأت المناشدات الدولية فى الدعوة إلى فك حصار الإقليم، وأعلنت وكالة الإغاثة الإنسانية عجزها عن توصيل المساعدات إلى مئات الآلاف الذين يواجهون شبح المجاعة، فيما تحدثت الأمم المتحدة عن ارتكاب جرائم حرب محتملة فيما تشمل عمليات قتل جماعى للمدنيين، وتطهير عرقى، وعمليات اغتصاب جماعية، فضلًا احتمالية تفشى وباء كورونا بين السكان بسبب عدم إمكانية توصيل المساعدات الطبية اللازمة، كما اتهم المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس جيربريسوس الحكومة الإثيوبية بأنها تقوض وصول سيارات الإسعاف والإمدادت الطبية لآلاف الضحايا داخل الإقليم، كما أعلنت منظمة برنامج الأغذية العالمية التابع للأمم المتحدة شكواها من صعوبة توصيل المساعدات التى يحتاجها نحو 5.5 مليون شخص من سكان تيجراى، كما عملت الحكومة المركزية على مهاجمة مكاتب المؤسسات الدولية داخل تيجراى، واتهمت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) قوات رئيس الحكومة الإثيوبية بمهاجمة مكاتبها وتفكيك الأقمار الصناعية الخاصة بالمنظمة الدولية وهو الأمر الذى يعد انتهاكًا للقانون الدولى الإنسانى وحصانة المنظمة الدولية، كما تم منع المراسلين الصحفيين وتعرض حياتهم للمخاطر، حيث تم عزل الإقليم بشكل كامل عن العالم.

إدانات دولية

فى 24 نوفمبر الماضى عقد مجلس الأمن جلسة خاصة بعد طلب ثلاث دول، تونس وجنوب إفريقيا وسان فنسان وغرينادين، مناقشة أزمة إقليم تيجراى، لكنه لم يصدر أى قرار ملزم للحكومة الإثيوبية، بل شهدت الساحة العالمية إخفاقا آخر للإنسانية ومناشدات المنظمات الدولية لوضع حد لمأساة سكان الإقليم المعزول.

وفى 24 مايو الماضى، أعلن وزير الخارجية الأمريكى أنتونى بلينكن، فرض قيود على منح تأشيرات إلى أى مسئول أمنى أو حكومى حالى أو سابق إثيوبى أو إريترى، ثبت ضلوعه فى الانتهاكات التى ترتكب بإقليم تيجراى، وأضاف بلينكن، فى بيان نشرته الخارجية الأمريكية عبر موقعها الإلكترونى إن «الإجراءات التى اتخذتها الولايات المتحدة تهدف للضغط من أجل حل الأزمة»، مشيرا إلى أن «هذا وقت تحرك المجتمع الدولى»، وحذر بلينكن من إمكانية فرض المزيد من العقوبات فى حالة عدم اتخاذ أديس أبابا خطوات لحل الأزمة فى إقليم تيجراى، ودعت الولايات المتحدة المجتمع الدولى إلى الانضمام لهذه الإجراءات، وأضافت الخارجية الأمريكية أنها ستواصل قيودها الواسعة الحالية على مساعدة إريتريا، بعد إثبات ضلوع ميليشيات مسلحة فى الصراع الدموى.

حالة الغضب الأمريكى تجاه الانتهاكات فى إقليم تيجراى تواكب معها غضب أوروبى وهو ما تمثل فى البيان المشترك الذى صدر، يونيو الماضى، الذى حمل توقيع سامانثا باور، مديرة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية نائب رئيس المفوضية الأوروبية جوزيب بوريل فونتيليس، ومفوض الاتحاد الأوروبى لإدارة الأزمات يانيز لينارتشيتش، ومفوضة الاتحاد الأوروبى للشركات الدولية جوتا أوربيلينين.

وأكد البيان أنه بعد سبعة أشهر من الصراع فى منطقة تيجراى الإثيوبية، أصبحت فظائع حقوق الإنسان والأزمة الإنسانية الشاملة مقلقة، حيث تدفع حاليًا 400 ألف شخص برىء إلى حافة المجاعة وفقدان الأرواح. يجب معالجة هذا على الفور. يحسن بنا أن نتذكر مجاعة الثمانينيات فى إثيوبيا، والتى أدت إلى وفاة ما يقدر بمليون شخص، نتيجة توقف المساعدات الغذائية.

وذكر البيان أنه من بين 6 ملايين شخص فى تيجراى، يواجه 5.2 مليون شخص الجوع ويحتاجون إلى مساعدات غذائية طارئة. مع وجود 90 فى المائة من السكان فى حاجة ماسة للمساعدات الإنسانية، لا يمكن أن تكون المخاطر أكبر.

الانتقادات الموجهة لحكومة أبى أحمد لم تقتصر على المسؤولين الأمريكيين والأوربيين فقط حيث اتهم مارك لوكوك، كبير مسئولى الشؤون الإنسانية فى الأمم المتحدة، القوات الإريترية «بمحاولة التعامل مع سكان تيجرايين من خلال تجويعهم».

وقال لوكوك فى مقابلة مع وكالة «رويترز»، إن الجنود الإريتريين والمقاتلين المحليين تعمدوا منع الإمدادات لأكثر من مليون شخص فى مناطق خارج سيطرة الحكومة، مؤكدا أن الغذاء يستخدم بالتأكيد كسلاح حرب.