الخميس 23 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

قصة حب وحرب.. لماذا نحب جيهان ؟

«الأمجاد لا تموت وإن غيب الثرى أجساد أصحابها.. فلا فناء للمَجد ولا خلود للأحقاد.. تبقى مصرُ ومن عطائها يبقى العطاء فى شموخ الهرم وصمود الزمن».. هكذا قدمت السيدة جيهان السادات كتابها «سيدة من مصر»؛ الذى تناولت فيه قصة حياتها ومذكراتها جوار الرئيس الراحل أنور السادات.



صباح الجمعة الماضية، رحلت السيدة «جيهان» عن عالمنا بعد صراع قصير مع المرض، عن عمر ناهز 88 عامًا.. «قدّمت نموذجًا للمرأة المصرية فى مساندة زوجها فى ظل أصعب الظروف وأدقّها، حتى قاد البلاد لتحقيق النصر التاريخى فى حرب أكتوبر المجيدة، والذى مَثّل علامةً فارقةً فى تاريخ مصر الحديث، وأعاد لها العزة والكرامة» كما وصفها نعى رئاسة الجمهورية.

لم يكن خبر وفاة جيهان السادات مجرد خبر عابر على صفحات الجرائد وشاشات التلفاز؛ بل أحدث حزنًا وصدمة كبيرة سواء فى أوساط النخبة أو الشارع المصرى بكل طبقاته.

وبكلمات مؤثرة نعى المصريون، رحيل أرملة الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، التى رحلت عن عالمنا عن عمر ناهز 88 عامًا، متذكرين أدوارها وبصماتها التاريخية فى مرحلة دقيقة من تاريخ مصر كانت شاهدة عليها بكل تفاصيلها، وأدوارها الوطنية المخلصة فى خدمة قضايا المصريين، لا سيما قضايا المرأة، وكذلك دعم أسَر الشهداء ومصابى حرب أكتوبر.

ووصفها رئيس مجلس الشيوخ المسشار عبدالوهاب عبدالرازق، بأنها «سيدة عظيمة قدّمت أروع الأمثلة على عطاء ووفاء المرأة المصرية»، وذلك فى برقية عزاء قدّمها لأسرة الفقيدة.

فيما قال عنها المجلس القومى للمرأة إنها «سيدة عظيمة قادت مسيرة كبيرة حافلة بالعطاء والتضحيات، وقدّمت نموذجًا فريدًا من التسامح والبساطة والتواضع، وقامت بدور عظيم وكانت خير سَند وداعم كزوجة رئيس فى فترة هى الأصعب فى تاريخ مصر».

كما نعت رحيلها أحزابٌ مصرية مختلفة، وحرص فنانون وشخصيات عامّة على نعى رحيل أرملة الرئيس السادات، من بينهم الفنانة دنيا سمير غانم التى وصفتها بالسيدة العظيمة الراقية، فيما قال عنها الإعلامى رامى رضوان: كانت «هانم» من طراز فريد. طيبة وشياكة ورُقى وأخلاق رفيعة.

أيضًا نعى رحيلها عالمُ الآثار المصرى البارز زاهى حواس، وقال إنها سيدة عظيمة أعطت لمصر الكثير، وقد أطلق عليها «سيدة القلوب». موضحًا: «أذكر فى السنوات الأخيرة عندما كانت السياحة فى حالة تستدعى الدعاية لمصر خارجيًا؛ فقد وافقت للدعاية لمصر معى فى أمريكا، وكانت الراحلة تستقبل المجموعات السياحية فى بيتها، وتلقى عليهم الكلمات الرائعة عن مصر.. وخطفت قلوبَ جميع مَن دخل هذا المنزل بالتحدُّث عن مصر».

وفى بيان نعيها، ذكّرَت مكتبة الإسكندرية بأيادى جيهان السادات البيضاء على الحياة العامة ونهضة المجتمع المصرى على امتداد عمرها. ويذكر لها المصريون جميعًا تواضعها الشديد وبساطتها الكاملة وحبها لمصر والمصريين.

دور كبير فى قضية حقوق المرأة 

ولعبت جيهان السادات دورًا بارزًا فى النهوض بقضية حقوق المرأة؛ فقد أنشأت فى عام 1967 جمعية تعاونية فى قرية تالا، بمحافظة المنوفية التى ينتمى إليها زوجها، حتى تتمكن الفلاحات من الحصول على درجة من الاستقلال الاقتصادى عن أزواجهن من خلال تعلم الحرَف اليديوية.

وخلال حرب عام 1973، ترأست الهلال الأحمر المصرى وجمعية بنك الدم المصرى، وكانت الرئيس الفخرى للمجلس الأعلى لتنظيم الأسرة، كما كانت رئيسة الجمعية المصرية لمرضى السرطان، وجمعية الحفاظ على الآثار المصرية، والجمعية العلمية للمرأة المصرية، وجمعية رعاية طلاب الجامعات والمعاهد العليا، التى جمعت الأموال لشراء الكتب والملابس للطلاب، كما أنشأت دُورًا للأيتام ومرفقًا لإعادة تأهيل المحاربين المعاقين.

وللتأكيد على تعليم المرأة، التحقت «جيهان» بجامعة القاهرة لدراسة الأدب العربى فى سن 41 وتخرجت فى عام 1977، وحصلت على درجة الماجستير فى عام 1980.

وفى عام 1979، ساهمت فى إصدار مجموعة من القوانين، كما تم تخصيص 30 مقعدًا فى البرلمان المصرى للنساء، وتم منح النساء حق الطلاق لتعدد الزوجات والاحتفاظ بحضانة أطفالهن.

 مواقف وقت الأزمة

عن اغتيال زوجها الراحل أنور السادات يوم الاحتفال بنصر أكتوبر عام 1981، قالت: «هذا قدره، ووفاته وسط أبنائه وفى يوم نصره يُشعرنا بالفخر لأنه أمْرٌ لا يُنسَى. لو أنه توفّى فى أى يوم عادى كان من الممكن نسيانه بالتدريج، بينما وفاته فى هذا اليوم جعلت ذكراه محفورة فى ذاكرة كل المصريين والعرب».

وتابعت: «القتلة دون أن يدركوا منحوا السادات وسامًا من أعلى الدرجات، وهو الشهادة فى يوم نصره».

ولعل الموقف الأبرز الذى كشف ثبات وقوة شخصية تلك السيدة، كان تصرفها لحظة اغتيال زوجها، فقد أبلغت بنفسها الرئيس الراحل حسنى مبارك، الذى كان يجلس فى غرفة انتظار المستشفى؛ حيث يعالج السادات، نبأ وفاة زوجها.

وقالت له حينها: «لقد استمر زوجى رئيسًا لمصر 11 عامًا. الآن ذهب أنور السادات، ولم يعد حيًا، لكن مصر لا تزال حية.. بلادنا الآن مُعرَّضة لخطر قاتل، ولدَىّ طلبٌ واحدٌ. أرجوك كتمان خبر وفاة السادات حتى تعرف ما هو الموقف فى البلاد وكيف يمكن السيطرة عليه».

 دفن أنور السادات

وعندما سألها «مبارك» عن مكان الدفن، أجابت أن زوجها يرغب بأن يُدفَن فى مسقط رأسه بقرية ميت أبو الكوم فى المنوفية، أو عند سفح جبل سيناء عند دير سانت كاترين؛ حيث كان قد قرّر بناء مسجد ومعبد يهودى كدليل على التسامح والتعايش.

لكنها قالت حينها إنه «رجل عظيم فلماذا ندفنه فى مكان يصعب على الناس زيارته؟ لماذا لا ندفنه حيث لقى حتفه؟ فهذا سيذكر الجميع بكل ما فعله من أجل بلده. وأثناء استعراض 6 أكتوبر سيمر كل جندى وكل ضابط على قبره ويعرف أن السادات دُفن هنا وسيقوم بتحيته».

 قصة حب وحرب

التقت «جيهان» للمرّة الأولى بالرئيس الراحل أنور السادات فى السويس وتزوجته فى 29 مايو 1949؛ وذلك قبل أن يصبح رئيسًا للجمهورية عندما كان ضابطا صغيرًا.

وفى لقاء لها تناولت تفاصيل حياتهما الأسرية قائلة: «رُغم هيبته كان فنانًا مرهف الحس؛ كان يغنى لى أغنية فريد الأطرش «يا ريتنى طير وأطير حواليك». موضحة: «فى حال مرض أطفالنا كان شديد القلق عليهم، وكان يحكى لهم القصص قبل أن يخلدوا للنوم».

وأضافت: «حين جرى انتقاله إلى العريش ورفح، وكنت لا أزال أدرس فى التوجيهية، كان يرسل لى الخطابات باستمرار».

وحول حالتهم المعيشية فى أول زواجهما قالت: «كنا نعيش بالقليل لكن على مستوى؛ كان يشترى بدلة واحدة فى السنة، وكنت أشترى فستانًا واحدًا فى السنة لكن على مستوى».

تابعت بشأن زواجها منه فى سن صغيرة: «أسر كل منا الآخر؛ السادات حضر عيد ميلادى الـ15 وغنّى لى يا ريتنى طير وأطير حواليك للفنان فريد الأطرش»، وأضافت: «أنا أمّى إنجليزية، لكن حبيت فى السادات مصر، وقبل أن ينصب رئيسًا لمصر وكان يحتفل بى بتورتة عليها خريطة مصر».

 رحلتها الأكاديمية

بعد اغتيال «السادات»، دخلت «جيهان» فى عُزلة لمدة عام. وعندما خرجت من فترة الحداد استأنفت إلقاء المحاضرات وإعداد الدكتوراه فى جامعة القاهرة، وفى عام 1984، طلب منها رئيس جامعة ساوث كارولينا الأمريكية، التى منحتها درجة الدكتوراه الفخرية فى عام 1979أن تقوم بالتدريس فيها فقبلت الدعوة، كما قامت أيضًا بإلقاء المحاضرات فى الجامعة الأمريكية فى واشنطن العاصمة.

تركت جيهان السادات جامعة ساوث كارولينا فى عام 1986 وأصبحت أستاذة زائرة فى جامعة رادفورد فى فرجينيا، كما حصلت على درجة الدكتوراه فى النقد الأدبى من جامعة القاهرة فى ذلك العام أيضًا.

وأصبحت جيهان السادات أستاذة الدراسات الدولية فى جامعة ميريلاند فى عام 1993، ومنحت كرسيًا هناك للسلام والتنمية باسم زوجها الراحل.