الخميس 23 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

الاستيطان الإسرائيلى.. كيف تم التهام الأرض؟ «جِرَاح» الشيخ جرّاح

لا تَصالح..



فما الصلح إلا معاهدةٌ بين نِدّين.. (فى شرف القلب) لا تُنتقَص

والذى اغتالنى مَحضُ لص.. سرق الأرض من بين عينىّ

والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة!

بتلك الكلمات لخص الشاعر المصرى الراحل «أمل دنقل» حال الشعب الفلسطينى على مدار عقود، فالاحتلال الإسرائيلى اعتاد انتهاك القانون الدولى، وخرق الاتفاقيات الأممية، بالتمدد غير الشرعى على الأراضى الفلسطينية، والاستمرار فيما يُعرف بـ«الاستيطان»، الذى مَر بمحطات عديدة كانت للإسرائيليين «مستوطنات»، وللفلسطينيين «مُغتصبات»، إلى أن وصل لمحطة «الشيخ جرّاح»، الذى أبَى أن ينسلخ من هويته العربية بخلع «الشال الفلسطينى»، لتشتعل الأوضاع فى جميع أرجاء الأراضى الفلسطينية «المحتلة»، ما دفع البعض لرفع شعار «الانتفاضة الثالثة». 

فما ترتكبه قوات الاحتلال من جرائم تجاه الفلسطينيين؛ إنما هى ضريبة دفاعهم عن أرضهم المحتلة، والتصدى لمحاولات تهويد القدس الشرقية، التى يقع فى قلبها «حى الشيخ جرّاح» الذى أشعل فتيل المواجهات بين الجانبين، بعد محاولة الإجلاء القسرى للأهالى الفلسطينيين، الذين رفضوا التفريط فى أرضهم وصمدوا أمام رصاص واعتداءات قوات الاحتلال، مرددين هتافات «عنصريون»، «لن نرحل».

ليبقى التساؤل: متى ينتصر المجتمع الدولى للقانون والاتفاقيات، ويوقف الزحف الاستيطانى المتواصل منذ القرن الماضى؟

 تاريخ الاستيطان الإسرائيلى   

«الاستيطان الإسرائيلى» مصطلح يستخدم للإشارة إلى حركة النشاط العمرانى، وإنشاء تجمعات سكانية يهودية حديثة على أرض فلسطين، إضافة لممارسات المستوطنين والحكومة فيما يتعلق بالسيطرة على الأراضى وتهجير سكانها، ففلسفتهم فى التعامل قائمة على نفى الآخر واقتلاع جذوره، وقد تم ذلك خلال عقود كثيرة منذ القرن الماضى.

مرحلة 1974-1967: كانت حكومة حزب العمل برئاسة «ليفى أشكول» ومن بعده «جولدا مائير»، قد أقامت 9 مستوطنات فى «غوش عتصيون» و«غور الأردن»، وهى تعادل 82 % من المستوطنات التى أقيمت آنذاك وعددها 11 مستوطنة، وتشكل 8 % من مجموع المستوطنات اليوم.

 1974-1977: عقب حرب أكتوبر تم تصعيد السياسة الاستيطانية من خلال الحكومة برئاسة «رابين»؛ فأقامت 9 مستوطنات، تشكل 6.5 % من مجموع مستوطنات اليوم، وارتفع عدد المستوطنين إلى 2876 مستوطنًا يمثلون 0.3 % من مجموع السكان بالضفة الغربية، كما أقيمت مستوطنات فى «القدس» ومستوطنة فى «الضفة الغربية»، وقد تركز الاستيطان فى القدس بإقامة الحى اليهودى، ومستوطنات التلة الفرنسية، ونفى يعقوب، وتل بيوت الشرقية، وجيلو، وراموت، ورمات أشكول، ومعلوت دفنا.

1977-1981: شهدت هذه الفترة وجود أكثر الحكومات الإسرائيلية تطرفًا بقيادة مناحيم بيجن، بدأ برسم سياسة جديدة، فتم بناء 35 مستوطنة جديدة شكلت 35.5 % من مجموع المستوطنات اليوم، وازداد عدد المستوطنين إلى 13234 مستوطنًا، وبلغت نسبة الزيادة 241 %، وللمرة الأولى أقيمت مستوطنة فى قطاع غزة، كما شهدت القدس فى هذه الفترة أكبر حركة مصادرات للأراضى الفلسطينية فى المنطقة الشمالية الشرقية.

1981-1986: أقيمت 43 مستوطنة شكلت 31 % من مجموع المستوطنات آنذاك، وارتفع عدد المستوطنين إلى 28400 مستوطن بزيادة بلغت 115 %، وشكل المستوطنون نسبة 2.2 % من عدد السكان الفلسطينيين البالغ آنذاك 1294700 نسمة، وقد أقيم 53 % من هذه المستوطنات فى مناطق مكتظة بالسكان فى نابلس ورام الله، و32.5 % من هذه المستوطنات أقيم فى قطاع غزة وجبل الخليل، و14 % فى غور الأردن، ومستوطنة أقيمت فى منطقة غوش عتصيون الموسعة.

1986-1988: أقيمت فى هذه الفترة 27 مستوطنة شكلت 20 % من مجموع المستوطنات، وارتفع عدد المستوطنين إلى 69500 مستوطن بزيادة 14 %، وارتفع عدد المستوطنين إلى 4.4 % من مجموع السكان الفلسطينيين، فمنطقة القدس شهدت إقامة مستوطنات جديدة أهمها، بسكات زئيف الشمالية والجنوبية، فى حين شهدت الضفة الغربية إقامة 59 % من هذه المستوطنات فى منطقتى نابلس ورام الله. 

1988-1990: أقيمت فى هذه الفترة خمس مستوطنات شكلت 3.6 %، وارتفع عدد المستوطنين إلى 81200 مستوطن، وبلغت نسبتهم 2 % من مجموع السكان فى الضفة الغربية، وتم توزيع المستوطنات، 3 مستوطنات فى منطقة رام الله، وواحدة فى جبل الخليل، وواحدة فى غوش عتصيون.

1990-1992: اشتدت الحركة الاستيطانية فى هذه الفترة بعد أن رأس الحكومة الإسرائيلية الليكودى إسحاق شامير، الذى كان يجسد الفكر الصهيونى الاستيطانى، فقد أقيمت سبع مستوطنات شكلت 5 % من مجموع المستوطنات آنذاك، وارتفع عدد المستوطنين إلى 107 آلاف مستوطن، فصارت نسبتهم 5.3 % من المجموع العام لسكان الضفة الغربية، وقد توزعت إقامة المستوطنات فى أرجاء الضفة الغربية.

 1992-2000: واصلت الحكومات الإسرائيلية إصدار الأوامر العسكرية القاضية بوضع اليد على الأراضى الفلسطينية. واستمر التوسع الاستيطانى فى مناطق محددة أكثر من مناطق أخرى، وذلك بغية تنفيذ الرؤية الإسرائيلية للمرحلة النهائية للحدود والمستوطنات، وقد تزايد عدد المستوطنين من 107 آلاف مستوطن إلى 145 ألف مستوطن فى نهاية حكومة العمل برئاسة بيريز، كما تم استكمال بناء عشرة آلاف وحدة سكنية، وأقيمت ضمن مفهوم «القدس الكبرى» 4000 وحدة سكنية جديدة.

2000-2018: واصلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة مصادرة الأراضى الفلسطينية لصالح المستوطنات القائمة وبناء جدار الفصل العنصرى؛ فشهدت هذه الفترة بناء عدد كبير من البؤر الاستيطانية، وتضاعف عدد المستوطنين، تحديدًا فى المحافظات الشمالية، وعلى وجه الخصوص القدس، وشهدت هذه المرحلة انسحاب وتدمير المستوطنات فى قطاع غزة فى العام 2005، وإجلاء نحو 8500 مستوطنً منها، واعتمد مجلس الأمن فى 2016 قرارًا يدعو إسرائيل إلى الوقف الفورى والكامل لأنشطتها الاستيطانية فى الأراضى الفلسطينية، لكن القرار لم يردع حكومة الاحتلال، واستمرت فى مخالفتها للشرعية الدولية، حتى أعلن الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب اعتراف بلاده بالقدس عاصمة لإسرائيل 2018، كما شهد العام ذاته، تهديد الطائفة البدوية فى خان الأحمر أبو الحلو فى المنطقة «ج».

2018-2020: شهد عام 2018 توسعًا كبيرًا فقد تم بناء 15800 وحدة، منها 9400 وحدة فى الضفة الغربية، 6400 فى القدس الشرقية، وفى 2020 تم الإعلان عن مشروع ضم أجزاء واسعة من الضفة، تتراوح بين 22 % حسب خطة «نتنياهو» لضم الأغوار ، وتمثل المشروع الاستيطانى فى تقسيم الضفة الغربية إلى «كانتونات» والعمل على تهجير الفلسطينيين من الأغوار والمناطق المهددة بالاستيلاء عليها، وفيما تم فعليًا بناء 6125 وحدة استيطانية.

قصة «الحى الصامد» 

يتبع حى الشيخ جراح القدس «المحتلة»، وقد صعد إلى واجهة الأحداث خلال الأسابيع الماضية، حيث يسوده توتر متصاعد واشتباكات دامية، إثر تهديدات الاحتلال لعائلات الحى بإخلاء منازلهم لصالح جمعيات استيطانية، فيواجه السكان (أكثر من 500 مقدسى يقطنون فى 28 منزلًا) خطر الإجلاء القسرى، حيث يسعى المستوطنون لبناء ما يسمى بـ«مستوطنة شمعون هاتصديق»، التى تتألف من 200 وحدة سكنية، فـوق أرض مساحتها 18 ألف متر، كما تم تقديم المخطط الأصلى لبلدية الاحتلال بالقدس، للحصول على ترخيص بناء مستوطنة جديدة تتألف من 90 وحدة استيطانية.

«حى الشيخ جراح» الذى أخذ اسمه من الأمير حسام الدين بن شرف الدين عيسى الجراحى، طبيب صلاح الدين الأيوبى-والذى يضم ضريحه- يقول سكانه إنهم يقطنونه منذ خمسينيات القرن الماضى، وتحديدا 1956 حينما عقدت وزارة الإنشاء والتعمير الأردنية اتفاقية مع وكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، لإنشاء 28 وحدة سكنية فى حى الشيخ جراح، وعقدت اتفاقيات فردية مع الأهالى لإقامة مساكن لهم فى الحى، وتعهدت بموجب الاتفاقيات أن يتم تفويض وتسجيل ملكية الوحدات السكنية بأسمائهم، لكن نتيجة لحرب 1967 فإن عملية التفويض وتسجيل الملكية لم تتم، فى حين يزعم المستوطنون اليهود أنهم اشتروا الأراضى بشكل قانونى، من جمعيتين يهوديتين اشترتا الأرض منذ أكثر من 100 عام.

محاولات السيطرة الكاملة على أراضى حى الشيخ جراح قائمة منذ سنوات، حيث تسعى الحكومة الإسرائيلية مع المنظمات الاستيطانية إلى إنشاء تواصل جغرافى يمتد من «القدس الغربية» إلى «الجامعة العبرية»، وذلك عن طريق الاستيلاء الكامل على حى الشيخ جراح، استكمالًا لما تم بناؤه من مستوطنات، ومنها «جفعات همقتار»، أقيمت عام 1973 لتكون ضاحية سكنية فى القدس الكبرى على أراضى قرية «لفتا» وأراضى تل الذخيرة فى منطقة الشيخ جراح على طريق القدس – رام الله، وفى 2008 طردت سـلطات الاحتلال قسرًا عائلات فلسطينية من منازلها بالحى. 

 انتهاك للقوانين والاتفاقيات الدولية 

تنص «اتفاقية جينيف» الرابعة 1949، بشأن حماية المدنيين فى وقت الحرب، فى المادة 49 منها على إنه « يحظر النقل الجبرى الجماعى أو الفردى للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضى المحتلة إلى أراضى دولة الاحتلال أو إلى أراضى أى دولة أخرى، محتلة أو غير محتلة، أيًا كانت دواعيه».

وخلال سنوات اتخذ مجلس الأمن سلسلة من القرارات المتعلقة بالشأن الفلسطينى، باعتباره المسؤول عن حفظ السلام والأمن الدوليين، كان آخرها القرار رقم 2334؛ إذ تبنى المجلس بأغلبية ساحقة، قرارًا يدين الاستيطان الإسرائيلى، ويطالب بوقفه فى الأراضى الفلسطينة المحتلة.

فقد صدر عن المجلس قرارات تدين الاستيطان، وما سبقه من محاولات تغيير طابع القدس، وأولها كان 252 لسنة 1968 «تعتبر جميع الإجراءات الإدارية والتشريعية، وجميع الأعمال التى قامت بها إسرائيل، بما فى ذلك مصادرة الأراضى والأملاك التى من شأنها أن تؤدى إلى تغيير فى الوضع القانونى للقدس- إجراءات باطلة-، ولا يمكن أن تغير فى وضع القدس».

وجاء أول القرارات بشأن المستوطنات فى القرار 446 لسنة 1979، «قرر المجلس أن سياسة إسرائيل وممارساتها فى إقامة المستوطنات فى الأراضى الفلسطينية والأراضى العربية الأخرى المحتلة منذ عام 1967، ليس لها شرعية قانونية ويدعو إسرائيل بوصفها «السلطة القائمة بالاحتلال»، إلى التقيد الدقيق بـ«اتفاقية جنيف» الرابعة، والامتناع عن اتخاذ أى إجراء من شأنه تغيير الوضع القانونى والطابع الجغرافى، أو يؤثر ماديًا على التكوين الديموغرافى للأراضى العربية المحتلة منذ 1967؛ وعلى وجه الخصوص (القدس)، وعدم نقل سكانها المدنيين».

وكذلك فى القرار 465 لسنة 1980، أوضح المجلس أن الاستيطان يتم- دون سند قانونى- «ويقرر المجلس أن جميع التدابير التى اتخذتها إسرائيل لتغيير المعالم المادية والتركيب السكانى والهيكل المؤسسى فى الأراضى الفلسطينية وغيرها من الأراضى العربية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس، أو أى جزء منها- ليس لها أى مستند قانونى - وأن سياسة إسرائيل وأعمالها لتوطين قسم من سكانها من المهاجرين الجدد فى هذه الأراضى تشكل خرقًا فاضحًا لـ«اتفاقية جنيف»، ويدعو إسرائيل إلى تفكيك المستوطنات».

وفى 2016 صدر القرار 2334 «يدين مجلس الأمن بناء المستوطنات وتوسيعها، ومصادرة الأراضى، وهدم المنازل، وتشريد المدنيين الفلسطينيين فى الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية»، كما أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة فى العام ذاته «أن ما تقـوم به إسرائيل من تشييد للجدار والمستوطنات فى الأرض الفلسطينية ، بما فى ذلك القدس الشرقية، يشكل انتهاكا للقانون الدولى، وتدعو إلى التقيد التام بالالتزامات القانونية التى أكدتها الفتوى الصادرة عن محكمة العدل الدولية فى 2004.