السبت 24 يوليو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

كنوز آمال العمدة.. الشيخ محمد الغزالى أعجب بالحضارة التى ترتقى بالإنسان!

كان مثالًا للعالم الإسلامى الذى يعى واجباته وحقيقة مهمته المقدسة، استحق أن يوضع من بين أفضل علماء الدين الإسلامى فى القرن العشرين، فرجل وهب حياته للإسلام لا يستحق فى الدنيا أقل من ذلك وحسبه ثواب الله فى الآخرة.



وهذا حوارى معه الذى أهديه لمجلة روزاليوسف ذات الـ 95 عامًا..

لست من محبى الخشونة والشقاء

آمال: يقاس البشر بحجم العطاء وبالبصمات التى لا تذهب، وضيفنا هو شخصية ثرية، مفكر إسلامى مصرى عربى – عالمى، بجمال وبلاغة خطابته بعذوبة وسلاسة كتابته، له خمسون مؤلفًا تعرض فيها للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فهو أول من كتب عن العدالة الاجتماعية فى الإسلام، وكان إمامًا لأكبر مساجد القاهرة، وقام بالتدريس فى الجامعات الإسلامية فى الأزهر والسعودية وقطر والجزائر، وأسس أول جامعة إسلامية هناك وهو فضيلة الشيخ محمد الغزالى المولود سنة 1917، تخرج فى الأزهر الشريف سنة 1941، له خمسون مؤلفًا قيمًا..

  الشيخ الغزالي: يسرنى أن أشارك فى هذا الحوار، وأنا سعيد بأن أستمع إلى ما يوجه من أسئلة، وأحب أن أخوض فى القضايا التى تعرض عليَّ لأدلى فيها بدلوى لعلى أقدم شيئاً يستفيد منه الناس أو ينتفعون به.

آمال: فضيلة الشيخ، لك كتاب بعنوان «ظلام فى الغرب» فماذا قصدت فيه؟ وكيف تتعامل مع الحضارة الغربية؟

  الشيخ الغزالي: قد يستغرب الناس إذا علموا أنى معجب بالحضارة الغربية وأعتبرها طورًا ذكياً من أطوار التقدم البشري، بل طفرة من طفرات العقل الإنسانى وهو يكتشف المجهول ويبحث عما يسمو به وعما تزدان به الحضارة فى هذه الأرض، قد يستغربون ويتساءلون عما يجعلنى أعجب بهذه الحضارة والطابع المادى الذى يغلب عليها، أقول ليكن إن نفس الطابع المادى ليس عيبًا، إن الطابع المادى قد يكون ضرورة للإنسان، وقد يكون من مرفهات الإنسان ولست من محبى الخشونة والشقاء، فإذا كانت الحضارة قد قدمت لى مصعدًا كى أرتفع به عشرين طابقاً فلست محباً لأن أرهق أقدامى على السلالم، فماذا على لو صعدت على قدمى، وماذا على لو قطعت المسافات بين القاهرة والجزائر فى طائرة أمضى فيها ثلاث ساعات أكون بعدها مستريحاً كما أبغى، أما الناحية المادية فلا أخشاها، ولا أشعر بأنها مسلية لهذه الحضارة، فقد تكون من خصائصها، فأنا أنظر للحضارة من الناحية المادية التى وصلت إليها على أنها دعم قوى جداً لإيمانى بالله، فالمركبة الفضائية التى وصلت إلى حافة الأثير وحدود المجموعة الشمسية والتى صورت لنا بإمكانات العقل البشرى والطور الذكى الذى بلغته هذه الحضارة – صورت لنا الكواكب وباتت الشمس نقطة لامعة، وبانت الأرض بجوارها شيئاً تافعاً، وأنا فى الحقيقة كنت بعين الخيال أرمق سعة الكون، ولكنى وجدت نفسى بالبصر العادى أرى الكون الذى أشعر بأنه عظيم، فشعرت بعظمة بانيه ومنشئه، إن هذا الفضاء الذى تنطلق فيه مركبته بسرعة هائلة ثم لا تصل إلا إلى مسافة أشبار من هذا الكون المديد، أنا فهمت من ذلك معنى قول الله فى الحديث القدسى «ياعبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك فى ملكى شيئاً، ياعبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئاً» أنا أحسست أنه لو أن هذه الأرض سقطت من الكون وتلاشت واختفت فهل نقص الكون شيئاً طائلاً؟ فإذا افترضنا أن شخصاً يملك ألف ألف مليار دولار ووقع منه قرش فإنه بالفعل لن يفقد شيئاً، وهكذا شعرت بأن الكون عظيم وبأن صاحبه الذى بناه أعظم منه، لكن هل حقيقة الحضارة الغربية تتوسل بالمادة لمعرفة صاحبها أو خالقها؟ وهنا شىء أحب أن أعرف الحق فيه، لأنى فى ساعة تشاؤم قلت يوماً والله لأن يمشى الناس على ظهر الأرض وهم أطهار خير من أن يطيرون فى الجو وهم لصوص، فما هو التقدم المادى إذا كان هذا التقدم لن يكون إلا على حساب المثل والقيم. خطر بنفسى هذا الخاطر لكنى راجعت نفسى ثم قلت ولماذا يكون هذا التحديد بين لص يطير وبين طاهر يمشى على الأرض؟ ولماذا لا يكون الذى يمشى على الأرض أيضاً لصاً أو الذى يطير فى الجو طاهراً، فلا بأس أن نبحث عن القيم ونسعى إليها. ويضيف: وكلمة ظلام من الغرب التى جعلتها عنواناً لكتابى كنت أنظر فيها إلى التعصب والحق وسطوة الرجل الأبيض ورغبته فى أن يسىء إلى الأجناس الأخرى، وأن يضن عليها بحقوق الإنسان، وأن ينكر عليها كرامات الشعوب، إن الغرب الذى اكتشف كثيراً من الحضارات العظيمة وبلغ مبلغاً كبيراً لم يحسن – للأسف – الانتفاع بهذه الاكتشافات العلمية لحساب الإنسان المجرد وإنما جعلها لحساب أطماعه الخاصة، ولذلك أطلقت على الكتاب «ظلام من الغرب».

الحضارة الغربية تمشى على ساق واحدة مادية وتترك الأخرى الأخلاقية

آمال: فضيلة الشيخ «محمد الغزالي» ما تفضلت به هو ملمح جيد وذكى وموضوعى فى النظر إلى الحضارة الغربية لأن الغرب له عبقرية فى التقدم المادي، وهذه العبقرية هى فى خدمة الإنسان إذا ضبطت بالقيم وبالضوابط الأخلاقية، أما إذا لم تضبط بالقيم فهى تتحول إلى أسد مفترس يفترس الآخرين ويفترس الذات أيضاً، وهذا هو ما نلمسه فى الحضارة الغربية التى تكاد أن تدمر العالم وتدمر ذاتها بهذا التقدم المادى المنفلت، فماذا نستفيد من الحضارة الغربية وما الذى نرفضه فيها؟

  الشيخ الغزالي: نحن نستفيد من الحضارة الغربية بكل ما يمثل مصدر قوة بالنسبة للحضارة العربية والإسلامية، فهذه الاكتشافات والإنجازات المادية وأيضاً أشياء كثيرة فى المؤسسات الغربية وفى خبرة الإنسان الغربى وتطويع الواقع الذى يعيش فيه والاكتشافات العلمية فى الطب والأدوية وغزو الفضاء والزراعة والصناعة كل هذه الأشياء منجزات يستطيع الإنسان فى كل حضارة من الحضارات أن يستفيد بها لكن القضية التى يجب أن نحذرها هى أن الحضارة الغربية تمشى على ساق واحدة فهناك تقدم مادى لكن ليست هناك مُثُل أخلاقية تضبط هذا التقدم المادي، فالطابع العنصرى والاستعلائى فى الحضارة الغربية هو ما يجب أن نحذره، ونحن فى التفكير الإسلامى نؤمن بالتعددية ونريد تعايشاً بين الحضارات المختلفة، فى حين أن الحضارة الغربية تريد أن تكون هى الحضارة الوحيدة والمركزية فى العالم ولا تريد شريكاً آخر، ولذلك إذا قارنا بين فتوحات المسلمين التى كانت تحيى مواريث الأمم التى تفتح بلادها بينما كان الغرب يدمر المواريث الحضارية للأمم التى ابتليت بغزوه واحتلاله ونحن فى الشرق نريد أن نعيش، ونريد لهذا العالم أن يكون منتدى فيه حضارات متعددة

  آمال: ولكن نعيش بقيمنا وبخلقنا وبتاريخنا وبما تركه لنا أسلافنا من مفاهيم ومعتقدات..

  الشيخ الغزالي: هذا ضرورى لأن التعددية فى الحضارات تفترض أن لكل حضارة من الحضارات خصوصية وثقافة وهوية معينة ومُثُل وفلسفات خاصة بها، وبالتالى تكون هناك تعددية فى الخصائص الحضارية مع الاشتراك فى علوم التقدم المادي، فالعلوم المادية مشتركة بين كل حضارات البشر كالكيمياء والطبيعة والفضاء أما الثقافات فتتعدد وتختلف باختلاف الحضارات.

 آمال: إذن فكل هذه العلوم لا تطغى على قيم البشر..

الشيخ الغزالي: هى لا تطغى من جانب ولا بد أن تحكم بفلسفة متميزة لأنه حتى فى العلوم الطبيعية وفى قوانين العلوم الطبيعية من الممكن إذا انعدمت المثل أن توظف ضد الإنسان، فعلوم الوراثة ستكون شرًا إذا لم تضبط بالمُثُل والأخلاقيات، فالأسلحة وحتى الأدوية من الممكن أن توجه إلى أشياء مدمرة إذا لم تضبط بالمثل الأخلاقية، إذن حتى التقدم المادى لا بد أن يحكم بفلسفة أخلاقية تتميز بها كل حضارة من الحضارات.

آمال: وماذا عن الجانب الإنسانى لهذه الحضارة؟

الشيخ الغزالى: الحضارة الغربية لها جانبان جانب عقلانى حر من الخير أن أتابعه لأن الإنسان مُيز بالعقل وأنا أعجب بكل حضارة ترتقى بالخصائص الإنسانية وتتجاوب معها لكن الحضارة الغربية للأسف استطاعت أن تتقدم مادياً، ولكنها – بكل أسف – تحاول فى الوقت الحالى اكتشاف أدوية لما صنعته من بلاء، وأنا أتابع البحث عن دواء للإيدز أسأل نفسى أحياناً لماذا لا يسأل أصحاب هذه الحضارة أنفسهم عما جاء بهذا الداء ولماذا نعطف على المرضى به بمحاولة تيسير الجرية لهم بعلاج عللهم؟ ويضيف: لماذا لا نطالب بعصمة الدين والبعد عن الشذوذ وأداء الواجبات المطلوبة من الإنسان ليكون إنساناً لا ليكون حيواناً؟ وأن يكون هذا هو ما نفكر فيه ونسعى إليه؟ لقد ذهبوا بفيروس الإيدز إلى الفضاء حتى يعرفوا أثر الفضاء عليه وهذه عناية غريبة وغير طبيعية لعلاج هذا المرض دون أن تكلف نفسها بإيقاظ ضميرها النائم وتقول للإنسان إنها سرقت فى ميدان الشهوات وارتكبت رذيلة ربما ترفض الحيوانات أن ترتكبها، ماذا على هذه الحضارة لو أطلقت وسائل الإعلام المسموعة والمرئية وعلمت الناس الصون والعفة والشرف قالت لهم ما قالت الأديان إنه لا بد أن يكون الإنسان نظيفاً طاهراً بعيداً عن الدنايا.

 آمال: هل هناك معايير لما نأخذه ونرفضه من الحضارة الغربية؟

الشيخ الغزالي: إذا قارنا بين موقفنا الحالى من الحضارة الغربية وبين الموقف أيام المأمون فى العصر العباسى فسنجد أنهم كانوا فى ذلك الوقت يأخذون منها أو يتركون ما يريدونه وفقاً لمعاييرهم وقيمهم.

لدينا الميزان القيمى والمعيار الأخلاقى

آمال: على أساس أن لنا أصالتنا وحضارتنا وما نأخذ منه ومالا نأخذ منه..

الشيخ الغزالي: لدينا الميزان الذى نأخذ به ولدينا المعيار الذى نقيم به ما تأخذ وما تترك من أعمال غيري، لكن ما حدث فى القرنين الأخيرين أننا لا نأخذ اختياراً بل نأخذ جبراً وهذه هى المشكلة فالمفروض أن ندفع ما يراد لنا أن نأخذه مما يضر بنا ونأخذ ما يفيدنا، وأتصور أن الجوانب التى يغلب عليها النفع من مظاهر الحضارة الغربية هى العلوم الطبيعية والكونية وفنون الصناعات المختلفة والنظم المتعلقة ببناء بعض المؤسسات إنما كونها تأتى لى متلبسة بقيم معينة ليست من قيمى وتفرض على قيماً ليست من قيمى فهو المرفوض بالنسبة لى وهو ما يجعل معيار الاختيار بالنسبة لى لا بد أن يكون دقيقاً وأن يكون مأخوذاً من تراثى ومن فكرى ومن معتقداتى وتاريخي.

يجب تصويب كل خطأ وتصحيح كل غلط

آمال: ما الفرق بين الشورى فى الإسلام والديمقراطية فى الغرب؟ وما الفرق بين الحريات فى الإسلام والحريات فى الغرب؟

الشيخ الغزالي: يسرنى فى الحضارة الغربية أنها نظمت انتخابات ودللت الأفراد، وتركت الميدان مفتوحاً للمخطئ أو المصيب وأنا لا أعطى الإنسان حق الخطأ ليصير عليه أو يمضى فى طريقه بل أعلم أنه بشر وأن الخطأ من طباعه، ولكنى لا أؤدب المخطئين بسحقهم بل بتقويمهم ولذلك يجب أن يضمن تصويب كل خطأ وتصحيح كل غلط، ينبغى ألا يترك الخطأ مستكبراً فى هذه الدنيا لا يستطيع أحد أن يؤدبه، بل لا بد من حرية تجعل من يرى الصواب يقول للمخطئ أنت لا ترى، ويكتب ويخطب ويذيع، تعجبنى الحرية على هذا النحو، ويسرنى فعلاً من حضارة الغرب أن الديمقراطية فيها قامت على مثل هذا وليس على هذا نفسه لأن هناك اتفاقاً بين البشر كلهم فى العصور السابقة واللاحقة على أن الصدق فضيلة والكذب رذيلة والعدل فضيلة والظلم رذيلة، فإذا حدث أن الحرية خرجت عن طبيعتها البشرية ثم حاولت أن تجعل الحسن قبيحاً والقبيح حسناً فأنا أرفض أن تكون هذه حرية وأعتبر أن هذا انتحار للحرية، لأن الحرية إذا جعلت الخطأ يمضى دون تصويب وتحت عنوان حسن وشارة طبية فمعنى هذا أن البشرية تخرج على نفسها وتنحدر. ويضيف: والدين هنا غير الديمقراطية، فالدين لا يعرض البشر لتجارب كثيرة، بل يقول للإنسان إنه يوفر عليه التجارب بحكم صائب من عند الله بمعنى أن الأديان كلها تحرم الخمر فما من نبوة تقوم على السُكْر لكن الحضارة الحديثة باسم الديمقراطية تقول لى ولك أن تسكر ولا تحرم هذا على أحد، وأنا لاحظت أن السيدة «مارجريت تاتشر» رئيسة وزراء بريطانيا السابقة عندما تولت السلطة وشعرت بأن قانون إلغاء عقوبة الإعدام قاصر وأن آثاره سيئة رأت أن تعيد النظر فى هذا القانون لكى يلغيه مجلس العموم البريطاني، هى كانت مع القانون من قبل، لكن بتجاربها رأت أن القانون أمكن فى ظله أن يقتل اللص الشرطى ثم يذهب إلى السجن ليُعْلَف فيه دون حرج، ورأت أن هذا شىء سيئ وحاولت بالفعل حمل المجلس على أن يلغى القانون ويعيد العقوبة لكن المجلس رفض، وهذا من أخطاء الديمقراطية لأنه اصطدم بنص دينى عند الأديان التى جاءت من عند الله كلها، ففى الكتاب المقدس وفى القرآن الكريم بعد ذلك أن القاتل يُقْتَل وأن السن بالسن والعين بالعين ولو تم هذا فستختفى جرائم كثيرة، وكما قال الله تعالى «فى القصاص حياة» فالفارق بين الديمقراطية والشورى أن الديمقراطية تبيح أمورًا قد يرفضها الدين لكن الشورى لا مجال تتحرك فيه وهو مجال الاجتهاد البشرى الذى يكون فيما لا نص فيه من عند الله، وهناك فارق آخر أن الشورى والديمقراطية يمكن لهما معاً أن يتفقا على أنه ما لم ينص فيه الشارع بعقوبة معينة يترك للمجالس المتخصصة أو للمسئولين أن يضعوا فيه عقوبة ما، وأنا الآن قد أنتقل بعقوبة التجارة فى المخدرات من السجن إلى القتل حماية للمصلحة العامة لأن هذه الجريمة أصبحت الآن بعيدة المدى فى أخطارها على حاضر الأمة ومستقبلها، فإذا كان الحكم متروكاً للشعب واختار الشعب أن يعدم الذين يتاجرون بل الذين يتعاطون هذه المخدرات وينقلونها من مكان إلى مكان، فإن الشريعة قد تبارك هذه الخطوات ولا مانع من ناحية الشورى والديمقراطية أن يتفق الاثنان عليها، لكن تنفرد الديمقراطية بتصرفات ربما رأى الشارع أنها تتجاوز المصلحة العامة.

 آمال: وما الذى تقتضيه المصلحة العامة فيما يختص بالاتجار فى المخدرات وإفساد المجتمع بهذه السموم؟

الشيخ الغزالي: لا بد من حماية المجتمع قبل أن يموت المجتمع فلا بد أن يموت هؤلاء لأن حياة الأمة أولى عندنا من حياة بعض الأفراد الخطرين عليها، ونحن لذلك نرفض أن يترك هؤلاء أحراراً يفسدون الحاضر والمستقبل.

نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل

آمال: هل للفراغ دخل فى مثل هذا النوع من المشكلات؟

الشيخ الغزالي: هناك كلمة سمعتها من آثار الصالحين عندنا وهى «نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل» فالفراغ جريمة والأمم التى توفر الفراغ لشبابها إنما توفر لهم الأوقات التى يقتلون فيها أنفسهم ويريقون حاضرهم على التراب ومستقبلهم كذلك، ومن الخير أن تشغل الحكومة والمعنيون بمستقبل أولادنا وتربيتهم – أن يشغلوا أنفسهم بعمل مشروعات كثيرة رياضية واجتماعية وصحية واقتصادية تجعل هؤلاء الشباب لا يجدون وقتاً للعبث، وفى الحديث «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس.. الصحة والفراغ» وعندما يكون المرء صحيح البدن ولديه وقت لا يدرى كيف يقضيه فإنه سيبحث فى فراغه وفى صحته عما يهلكه، ولذلك فيجب ألا نبقى للشباب فراغاً يعينه على المجون والانطلاق بل يجب شغل أوقاتهم بأنواع من المعرفة والتسلية والرياضة والمذاكرة أو المتاجرة والتكليف بالأعمال، فلا بد من شغلهم بأشياء كثيرة فالفراغ جريمة والأمم التى تخاف على أولادها لهم أوقات للعبث.

 آمال: إذا كان فى الغرب قيم للدعوة للعمل والانضباط والتقدم والنظافة والأمانة، ولعل الإسلام قد دعا لنفس القيم فلماذا تخلو مجتمعاتنا من هذه القيم؟ وهل هناك تعارض بين الدعوة للنظافة والأمانة وبين التحضر؟

الشيخ الغزالي: ليس هناك تفاوت أو خصام بين الدين وبين أى فلسفة أخرى تعمل فى نفس المنهج ولنفس الهدف، وأنا ذهبت إلى لندن وباريس وسويسرا وأعجبنى جداً أن أرى النظافة فى أركان الشوارع والبيوت، كان كل شيء كإنما مسته يد ساحرة فجعلته شيئاً جميلاً.

 آمال: ولماذا لا نقتضى به يا فضيلة الشيخ؟

الشيخ الغزالي: القصة ليست اقتداء بالغرب لأننى قبل أن أقتدى بالغرب لم أنفذ تعليمات عندى أنا والسبب هو أننى مضطرب نفسياً وفكرياً، وأننى بحاجة إلى علاج أساسى يجعلنى أؤدى واجباتى متجاوباً مع الفطرة التى خلقنى الله عليها، ومع المواريث التى يسرها الله لى، المشكلة أن أمتنا فى حالة حذر أو لديها نوع من الغيبوبة الفكرية والعقلية التى تجعلها تتصرف أحياناً بدون وعى، حتى ليخيل إليَّ أن بعض الناس يسرهم أن يرموا الفضلات فى الطريق لأنهم يكرهون أن يكون الطريق نظيفاً.

آمال: كيف نرفع التخلف من عندنا، وكيف يواكب الدين السلوك والعلم والتحضر والمستقبل؟

الشيخ الغزالى: السلوك والعلم الذى وجد إنما هو نابع من الدين أصلاً، إنما المشكلة هى أن هناك أحوالاً اقتصادية واجتماعية وفكرية وخلقية تجعل أمتنا تتحرك حيث يجب أن تسكن، وتسكن حيث يجب أن تتحرك ولا تؤدى ما عليها بأمانة، وهذا يضطرنا إلى أن نتدخل فى مناهج التربية والتعليم والإعلان، وننظر إلى ما يتلقاه الفرد فى البيت وما تغرسه الأم فى ولدها والأب فى أبنائه.

دعوة للعودة إلى التربية السليمة

آمال: هناك سؤال يجب أن أقوله لفضيلتك الآن، وهو كيف نكَوَّن المستقبل دون تنازلات عن القيم والتاريخ؟

الشيخ الغزالي: من الجميل أن نؤكد أن القيم لا تنازل عنها، وأضم إلى هذا أن الأمم التى تعيش بقوانين كثيرة أمم متخلفة لأن المفروض أن التقاليد هى التى تحكم الأمم وتسيرها وأن صوت الضمير من داخل النفس البشرية هو الذى يصف الأقدام على الطريق المستقيم لا عصى الشرطة ولا الرهبة من هنا أو من هناك، وما تريدينه إنما هو دعوة إلى أن نعود مرة أخرى إلى التربية، وكيف تكون تربية سليمة، وكيف يتزاوج العقل والقلب معاً لكى يَنْشأ إنسان سوى فى وعيه وفى هديه وفى حياته وفى مسالكه كلها، هذا شىء لا يمكن أن يتم تلقائيًّا..

 آمال: نعم لأن هذا دور المؤسسة الصغيرة وهى البيت، حيث الأم والأب وتآزرهما معاً لتماسك الأسرة التى هى المجتمع الصغير الذى يستشرى لكى يصبح مجتمعًا كبيرًا..

الشيخ الغزالي: نعم لا بد أن يقوم البيت برسالته وتعاونه بعد ذلك المدرسة والمسجد وكل ما يتصل بالتوجيه الأدبى والخلقى للناس.