الإثنين 10 مايو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

كنوز آمال العمدة.. الشيخ الشعراوى: لم أسجد لله شماتة فى عبدالناصر!

  هل يمكن أن ألجأ إلى تعريف القارئ بمن هو الشيخ الشعراوى؟!.. ماذا يمكن أن أقول عن هذه الشخصية؟ وإن قلت فهل يمكن أن أقول جديداً؟.. هو الشيخ محمد متولى الشعراوى العالم الذى عاش لخدمة الإسلام، قالوا عنه إنه مجدد القرن العشرين، وكانت خواطره فى تفسير القرآن الكريم نبراساً تسبب فى هداية الكثيرين إلى الطريق القويم.. وهكذا فلا يمكن أن أقول جديداً عنه.. يكفى فقط أن أقول حوارى هذا مع الشيخ الشعراوى ليدرك الجميع أهمية السطور التالية.



وهذا نص الحوار النادر الذى تنشره مجلة «روزاليوسف»..

>أسعد أن أنتصر على نفسى

آمال: ذكرياتك الخاصة من الممكن أن تعتبر دروساً يقتدى بها كل قارئ متعلق بك كقدوة للمسلمين فى مصر والوطن العربى.

الشيخ الشعراوى: ما دام الأمر كذلك، فما أكثر ذكرياتى التى أحب أن يعلمها الناس، أول هذه الذكريات أنى نشأت فى قرية، وللقرية حياتها ونظامها ومجتمعها وطبقاتها، فأشهد الله أننى كنت من أقل الناس فى هذه الأشياء لأنى نشأت فى أسرة عادية غير مرموقة إلا فى شىء واحد ،وهو أن هذه الأسرة كانت تتقن ما أُعدت له بإخلاص وأمانة، لكن هذا الإخلاص وتلك الأمانة جعلتها فيما بعد محل الثقة من الجميع، فأصبح كل خير عند الناس عندها، لأنها أصبحت أسرة مأمونة فى كل تصرفاتها، فرجل مثلى نشأ فى قرية أهلها مزارعون فقط ولا يملكون شيئاً من أرضها، وبعد ذلك بمدة أصبح أبى – رحمه الله – يزرع أكبر مساحة من الأرض لا يملكها أى إنسان رغم أنها بالإيجار، فهذا معناه أن الإنسان إذا أحسن ما يقيمه الله فيه، استطاع أن يأخذ خير ما أقام الله الناس فيه.

آمال: يوم يسعد فضيلتك أن يتكرر فى حياتك..

الشيخ الشعراوى: أسعد أن أنتصر على نفسى،وذلك هو قمة الرجولة الإيمانية أولاً فى أن ينتصر الإنسان قبل أن ينتصر على غيره أن ينتصر على نفسه، وحين ينتصر الإنسان على نفسه يزحف إليه الانتصار على الكل دون تعب منه، فسيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه مثلاً، قالوا عنه إنه حكم العالم، لكننا نقول إنه قد حكم نفسه أولاً فحُكم له العالم ثانياً، لأن النفس هى أعدى أعداء الإنسان، فالغير من الممكن أن يكون هوى وأنا لى هوى، لكن نفسى هى هوايا، فإذا تسللت إلىّ نفسى من جهة نفسى أصبحت هى العدو الأكبر، إنما إذا تسلل إنسان إلىّ من جهة أخرى فيكون من السهل أن أدفعه، ولذلك فيقول الرسول «صلى الله عليه وسلم» «نفسك التى بين جنبيك» أى التى لا تفارقها ولا تفارقك، فأنا حين أطلق لنفسى العنان فى أننى أصنع ما أحب يأتى علىّ وقت من الأوقات أعزل عن العالم كله، ولم يبق معى إلا نفسى حين أتمدد على فراش النوم، واستعرض ما فعلته، فحين أكبر على الناس بالبغى أصغر أمام نفسى فى هذا الوقت، إذن فالإنسان الموفق هو الذى يحاول أن ينتصر على نفسه ولا يجد رأى الناس فيه فوق رأيه فى نفسه، فلا بُدَّ أن يكون رأيى فى نفسى جيداً، هب أنى أخذت من الجاه والسلطان ما أستطيع به أن أجتذب آراء الآخرين ولو كذباً، لكنى بينى وبين نفسى قد صغرت، ومادمت قد صغرت بينى وبين نفسى قد صغرت، ومادمت قد صغرت بينى وبين نفسى فلا ينفع أن أكبر أمام الناس.

أحب أن ينتصر الإسلام على خصومه بذاتية الإسلام لا بتبعيته

 آمال: يوم صليت فيه لله شكراً.. وكان يوماً له تاريخ خاص لديك..

الشيخ الشعراوى: أنا صليت لله شكراً لمعنى إيمانى أولاً، ولمعنى يشترك فيه كل الناس وإن لم يكونوا مؤمنين، أما المعنى الإيمانى فإننى قرأت فى كتاب الله أن بنى إسرائيل فى ظل الإسلام يفسدون فى الأرض مرتين، ولو كان هذا الفساد عاماً فما أحسنهم إن لم يفسدوا إلا مرتين، لكن ذلك كان فى ظل الإسلام، وبعد ذلك يخبرنا الله بأننا ننتصر عليهم حين نكون عباداً لله، فإذا تخلينا عن هذه العبودية لله إيماناً به واتباعاً لمنهجه، فهم يقودون علينا، ويرد الله الكرة لهم علينا، لأننا خرجنا عن عبوديتنا لله، فلا بُدَّ أن نتأدب، فكأن التاريخ يقول: «حينما كنتم عباداً لله انتصرتم وشددتموهم وأخرجتموهم من ديارهم ودخلتم أنتم ديارهم وحين تخلت عنكم هذه العبودية لله، جعلنا لهم الكرة عليكم حتى تعلموا أنكم لم تنتصروا على عدوكم بذاتكم، ولكن انتصرتم على عدوكم بأنكم ظللتم فى عبادة ربكم، فإن تخليتم عن هذا ينصر الله غيركم عليكم وبعد ذلك أتستمر هذه المسألة بعد رد الكرة علينا؟ قال «فإذا جاء وعد الآخرة» وهذه تأتى حين نعود عباداً لله «وتدخلون المسجد كما دخلتموه أول مرة» وهذا القول يعنى أننا سنخرج منه، وإلا فإذا استمر الدخول ما كان هناك دخول ثانٍ كما دخلناه أول مرة فإذن حينما خرجنا من المسجد الأقصى فى «النكسة» علمت أن الله قد صدق فى المقدمة الأولى، وأنا أنتظر وعده بصدق فى المرة الثانية وأن أجوس خلال ديارهم مرة ثانية، إذاً فخروجنا فى أيام النكسة دلت على صدق الجزئية، أن تدخلوه كما دخلتموه أول مرة ولا يكون دخول المرة الثانية إلا بخروج وهذا هو المعنى الإيمانى،فجزء حدث وأنا أنتظر حدوث الجزء الثانى،وإذ صدق الله فيما قاله فى المقدمة، فأنا واثق من أنه سيصدق فى الدخول للمرة الثانية، لكن يلاحظ أنه لم يكلمنا فى الدخول أول مرة بالنسبة لليهود، لأن بيت المقدس حين دخلناه أول مرة فى أيام عمر لم يكن تابعاً لليهود، وإنما كان تابعاً للدولة الرومانية، فلم يكن دخولنا أول مرة إذلالاً لليهود لكن الدخول لثانى مرة هو الإذلال لهم بمعنى أنهم هم مالكوه وسنخرجهم منه، وهذا هو المعنى الإيمانى.

ويضيف: أما المعنى الدينى فإننى أحببت أن ينتصر الإسلام على خصومه بذاتية الإسلام لا بتبعيته لمن ينكر الإسلام وينكر كل الأديان، فقد كنا فى أحضان روسيا، فلو انتصرنا ونحن فى أحضانها لعزى هذا الانتصار إليهم، وأنا لا أحب ذلك بل أحب أن ننتصر بذاتنا، فإذا أنا لم أسجد لله شماتة فى جمال عبدالناصر حين انهزمنا فى عهده، ولكن إخلاصاً لدينى أولاً فى أننى تمنيت أن يُصدَّق الواقع قول الله فى الثانية كما صدقها لنا فى الأولى، وأن يكون انتصارنا بذاتنا لا بأننا أتباع للآخرين، وإذا لم يكن الناس قد فهموا هذا، فهذا شأنهم، فهناك من يتصيدون مثل هذه الأمور فقالوا أننى سجدت شماتة فى عبدالناصر، وأنا أتساءل، ولماذا أشمت فيه؟ وقبل أن أشمت فى عبدالناصر أقول أننى مؤمن أولاً، ومادمت مؤمناً، فلا بُدَّ أن يفسر كل شىء بالنسبة لى إيمانياً، ولكن أرضى الغرور السياسى فأنا أقول الثانية وهى أنى لا أريد أن ننتصر ونحن فى أحضان روسيا.

طلبت أن يرفدونى من الوزارة

آمال: بالنسبة للمسئولية السياسية يوم دخولك إلى موقع الوزير وتوليك مسئولية سياسية كيف كان إحساسك؟

الشيخ الشعراوى: أسأل الله ألا تعود هذه الأيام التى أعتبرها من قدر الله علىّ، لأننى كنت أعتقد أننى بتفكيرهم فىّ وأنا بعيد عن بلدى لمدة 18 عاماً ولا علاقة لى بأحد من رجال السياسة فما الذى جعلنى أخطر ببالهم حين أرادوا تشكيل وزارة وأنا بعيد عنهم؟ وقد قال لى ولدى سامى «أنت  بعيد عنهم ولا علاقة لك بهم فلماذا فكروا فيك؟ وقد يكون فى نيتهم أن يفعلوا شيئاً جيداً»، فقررت قبول المنصب وهذا كان كلامى مع من كلمنى وهو المغفور له ممدوح سالم الذى أكن له كل تقدير واحترام وأعلم له أشياء أنا مطمئن على جزاء الله عليها فى الآخرة، وأنه سبحانه سيعوضه أكثر مما فاته فى الدنيا، وقد قبلت، فلما لم أستطع أن أفعل شيئاً فكرت فى الخروج، لأننى كنت متولياً لقطاع دينى فى دولة لم توظف الإسلام بعد، فماذا سأفعل؟ من المؤكد أننى سأكون بهلواناً، لأننى أريد أن أوافق بين إسلامى وبين سياسة لا توظف الإسلام، لهذا فقد تعبت، فالمسائل التى كانت توافقنى فى الدوافع كنت أسعد بها، فمثلاً أنشأت الدولة إذاعة القرآن، وهذا شىء أسعدنى والدولة التى لم توظف الإسلام لا يمكن أن أنسى لها أنها هى التى تأتى فى كل أذان وتقطع كل إرسال وتعلن صوت الله، وهى بهذا تقول إنها ليست ضد الدين، وأنها ستقدم للناس كل ما يحبون وتعين كل من يحب الدين، وتعلن عن موعد الصلاة لكى يذهب المسلمون للصلاة، وأيضاً تقدم أفلاماً ومسلسلات لمن يحبونها أيضاً، إذاً فالدولة فى خدمة الناس بإرضائهم وتقديم كل ما يحبونه، إذاً تأتى هناك ولاية الإنسان على نفسه فمن يريد الخلاعة سيجدها ومن يريد الدين سيجده. آمال: وكيف كان يوم خروجك من الوزارة؟

الشيخ الشعراوى: أنا لم أخرج وإنما أُخرجت، فلا يوجد شخص فى النظام السياسى الحديث يخرج من الوزارة، فلا يمكن أن يقدم استقالته، وقد طلبت الخروج فرفضوا وقالوا لى إنه لا أحد يستقيل، فطلبت أن يرفدونى.

>تفرغت لخدمة كتاب الله آمال: وماذا سجلت فى مذكراتك فى هذا اليوم؟

الشيخ الشعراوى: يكفى أننى أصبحت أملك نفسى وأملك قرارى،ولا أحاول أن أجمع أضداداً، وهذا يكفينى تماماً ،ولهذا فقد تفرغت للقرآن وقد أصدروا قراراً بتعيينى فى مجلس الشورى، وأنا الوحيد فى عالم السياسة العالمية وفى عالم السياسة المصرية ملكية أو جمهورية ثورية أو غير ثورية الذى رد قراراً سيادياً وعينت فى مجلس الشورى ولم أذهب إليه، ولأنى فعلت ذلك بإخلاص، فقد جعلنا الله بلطفه ندخل على قلب الرئيس السادات رحمه الله بالرضا، فطلبت منه أن يفرغنى لخدمة كتاب الله فقبل ودعانى بدون عداوة رغم أنها مسألة تؤدى إلى عداوة، ثم رفضت قرارات أخرى العمل فى الجامعة الإسلامية والمجلس الإسلامى،ولأننى رفضتها لله، فقد حمانى الله من آثار مخالفتى له وبعد ذلك سمعت أن السادات سُئل فى الصعيد عن البرامج التى يتابعها فوضع من بينها برنامجى،فها هو الرجل الذى رددت قراراته يشيد بى،فهذا دليل على أن الإنسان حينما يرضى ربه ويغضب غيره فإن الله يرضى عليه ويرضى من أغضبه العبدأيضاً وهذا هو الذى حدث.

هم بحثوا عن زلتى فاجتنبتها وهم نافسونى فاكتسبت المعاليا.

آمال: يوم مر مرارة العلقم تسقطه من ذاكرتك متى كان؟

الشيخ الشعراوى: أنا لم أشعر بذلك اليوم، لأننى أرى أن كل ما يصيب الإنسان له موجتان، فإما يصيبنى شىء بتقصيرى فإذا أنا أستحق أكثر مما أصابنى،كمن يرسب لأنه لم يذاكر فهو يستحق الرسوب لكى يتعلم الأدب مع نفسه أولاً، وهنا لا يكون اليوم مراً، بل الدواء هو الذى يسبب المرارة، فحين ألتفت إلى حكمة الرسوب فعليَّ أن أجتهد حتى لا أرسب مرة أخرى، وإذا نالنى شىء من عدوى فالناس تكره أعداءها ،ولكن يجب أن نحب أعداءنا لأننا طالما علمنا أن لنا أعداء فسنحرص جيداً ألا يروا لنا عورة وقد قال الشاعر:

عدايا لهم فضل عليَّ ومنة        فلا أبعد الرحمن عنى الأعاديا

هم بحثوا عن زلتى فاجتنبتها        وهم نافسونى فاكتسبت المعاليا

إذاً فما يؤلم هو إما من نفسى فأعالجها، أو من أعدائى وأعتبره كحافز إلى العمل الجيد وأنا حينما سمعت هذه الأبيات أعجبتنى وقلت على طريقة نفس الشاعر

عدايا لهم فضل عليَّ ومنة        فعندى لهم شكر على نفعهم ليَّ

هم بحثوا عن زلتى فاجتنبتها        فأصبحت مما دنس العرض خالياً

فهم كدواء والشفاء سموه        فلا أبعد الرحمن عنى الأعاديا

وأضيف شيئًا آخر ليس من نفسى أو من الأعداء، فأصابنى ما يؤلمنى يشكل قدرى،فمجريه عليَّ له حكمة فيه، وهنا يجب أن يفطن الإنسان إلى أن الألم والمرارة لا تؤخذ بمحمل أننا أصابنا بها الضرر، بل أبحث عمن أجراها عليَّ، فلا يمكن فصل الفعل عمن فعله، فأنا إذا جلست وجاء ابنى مصاباً وغارقاً فى دمائه، فأول سؤال سأوجهه له هو سيكون عمن فعل به ذلك، على الرغم من أنه لا بُد من علاجه بسرعة قبل التفكير فى أى شىء آخر، ولكن كأننى لا أحكم على هذا العمل بأنه قبيح إلا إذا عرفت من فعله، فإن كان من فعلها عدواً فسأظن أنه فعل ذلك نكاية فيّ، أما أنا فأنظر إلى من آلمنى فإن كان الألم من نفسى فلابد من تعديل سلوكياتى،وإن كان من أعدائى فأدرك أنهم دفعونى إلى الخير وجعلونى أحتاط من الشر، أما لو كان من قدر أعلى منى فأدرك أنه له حكمته، ومادام هو مأمون على خلقه وعلى رزقه وعلى كل شىء لهذا فلا بد أن يكون له حكمة، فقد يكون قد حمانى من الغرور أو من الحسد أو من أى شىء آخر، فعلى المؤمن أن يبحث فى كل ما يعتبره مراً أو مؤلماً أو متعباً فإن كان من نفسه فليعالجها، أو من عدوه فيشكره، أو من ربه فيثق فى حكمه، وعلى ذلك يقول رسول الله «صلى الله عليه وسلم»: «كل أمر المؤمن خير» فلا مرارة فى حياة المؤمن أبداً، وكما قلنا: «لا كَرْب وأنت ربى» ويُحكى أن حكيماً صينياً كانت له ضيعة فيها خيول، وشردت خيوله من الضيعة فجاء الناس لمواساته فقال لهم «من أدراكم أن هذا شر» وبعد مدة فوجئوا بالخيول التى هربت قد عادت ومعها خيول أخرى فجاءوا لتهنئته، فقال لهم: «ومن أدراكم أن ذلك خير» وبعدها ركب ابنه الجواد الذى هرب بالخيل، فسقط من فوقه وكسرت قدمه، فجاءوا لمواساته، فقال لهم: «ومن أدراكم أن ذلك شر» ثم اندلعت الحرب وأخذوا كل الشباب فى الجيش وتركوا له ابنه لأنه أعرج، فجاء الناس لتهنئة الحكيم، فقال لهم: «من أدراكم أن ذلك خير» إذاً فالأمر الذى يجرى على الإنسان من فوق لا يجب أن يتهمه، بل عليه أن يعلن عجزه عن معرفته إن كان خيراً أو شراً وقد سئلت سؤالاً وأنا فى الجزائر عن الدعاء «وقنا شر ما قضيت فما دام هو الذى قضاه أفيقضى الله بشر؟!» فقلت لهم إن شر القضاء إلا ترضى به فهذا هو الشر لأن قضاء الله خير دائماً، أما الشر فهو عدم الرضا، لهذا فأنا ولله الحمد ليس فى حياتى مرارة أو شىء يتعبنى لأنى أضع لكل شىء حكمته.

آمال: اسمح لى أن استرجع إحدى الجمل التى قلتها «لو جالك أذى من عدو ده يستفزك على فعل الخير»..

الشيخ الشعراوى: بل عليَّ أن أبتعد أولاً عن الشر حتى لا يستغله عدوى،ثم أحرس على أن أسبقه إلى الخير.

 

كل خير للإسلام كان فى مصر

آمال: يوم تسعد به بلدى مصر…

الشيخ الشعراوى: اليوم الذى تسعد به مصر أن تذكر نعمة الله عليها بالإسلام، ويكفى أن الاسم نفسه «مصر» لفظ ثلاثى حركاته من أخف الحركات لأنه يبدأ بكسر ثم سكون، ويكفيها شرفاً أن الله قد ذكرها خمس مرات فى كتابه، وهذا ما لم تظفر به أى بلد من البلاد المقدسة فى العالم، ولذلك فحينما غيروا اسم مصر إلى الجمهورية العربية المتحدة، استنكرت أن يغير الاسم الذى ذكر فى القرآن، واستعضنا عن ثلاثة أحرف بثلاث كلمات، وليتنا أحسنا ترتيبها، فحينما نأخذ رمزية الحروف بالحرف الأول من كل كلمة فستصبح «جعم» لكن لو كانت قد سميت بالجمهورية المتحدة العربية فرمزها سيكون «جمع» وهذا طبعاً أفضل من «جعم» فلما جاء السادات وجعلوا الجمهورية فى مصر احتفظوا باسم «مصر» وكان يكفى أن يكون الاسم هو مصر، ثم نتحدث عن المواد فنقول إنها جمهورية عربية هكذا فلا بد أن ندرك عظمة أن يكون اسم مصر مذكوراً فى القرآن، فنحن نتعبد بتلاوته ويكون نطقه عبادة، ثم نجد للاسم معانٍى عظيمة، فكل خير للإسلام كان فى مصر، فقد جاءنا العلم من مكة والمدينة، لكن الله أئتمنا على تحقيق العلم بالأزهر، ولهذا فقد حققت مصر الإسلام، وبعد ذلك جاءت فترات عليها طبقت فيها الإسلام، فكان لها بالأزهر تحقيق، وكان لها بولاة المماليك تطبيق، فوقفت فى أعنف غزو شرس مرت به البلاد، وذلك حينما تصدت للتتار، ووقفت فى أحدث تجمع ضدها فى الصليبية فبلد هذا شأنها ماذا يكون حظها لو عاد إليها مجد حزم التطبيق وعلم التحقيق؟

اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا

آمال: ليلة القدر ما هو الدعاء الذى تطلبه فيها وتلح برجاء الاستجابة له؟

الشيخ الشعراوى: مادمت مؤمنا، فلا بد ألا يكون لى مراد بعد أن أعلم مراد ربى فيه، وممثل مراد ربى فيه هو رسول الله صلى الله عليه وسلم والتى سألته هذا السؤال هى أم المؤمنين عائشة فسألته عما تدعو به فى هذه الليلة، فترك رسول الله الدنيا لأنها موقوتة ومنتهية، وترك كل زخارفها وقال لها أن تقول «اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا» هذا هو الدعاء الذى يجب أن يكون عند كل إنسان، فالأشياء التى يمكن أن تفوت كالمال لا يجب أن تكون غاية، بل الغاية دائماً هى التى ليس لها بعد، فهذه هى الغاية الحقيقية مثل التلميذ الذى يلتحق بالابتدائية كمرحلة توصله للإعدادية والإعدادية مرحلة توصله للثانوية والثانوية مرحلة توصله للكلية، والكلية لأنها تعليم عال ثم يعمل ويتزوج ويكَوَّن أسرة، وهكذا فكل هذه ليست غايات بل مراحل أما الغاية الحقيقية فهى التى ليس بها بعد، والشىء الوحيد الذى لا بعد له هو الدار الآخرة، والمثوى إما إلى الجنة إو إلى النار، فالجنة «لا يفوتك النعيم ولا تفوت أنت النعيم فتفوت» وإلى هنا نصل للغاية الحقيقية.

آمال: ماذا تقول فى اليوم الذى منَّ الله عليك فيه بالشفاء؟

الشيخ الشعراوى: حين يمن الله عليَّ بالشفاء أفرح ولكن أتساءل عما وهبه الله لى فى المرض وذلك حتى لا أتهم الله بأنه أضرنى،فقد وهب لى فى المرض أن نبه الإنسان إلى ما ينفعه وإن كان قد نسى، فإن الإنسان متمتع بنعم الإنسان الكثيرة ففى ذاته هو يرى بعين ويسمع بأذن ويتكلم بلسان ويشم بأنف ويلمس بيد ويفكر بعقل وغيرها من النعم، ولكن هذه الأشياء تؤدى مهمتها برتابة قد تنسيك أنها نعمة فمتى ستتذكر أنها نعمة من الله؟ أتذكر أنها نعمة من الله حينما تؤلمنى،فكأن الله قد جعلها تؤلمنا لكى نتذكر نعمته، فقد كنا نتمتع بالنعمة دون أن نشعر بها، ولذلك فطالما ننسى العضو فهو سليم، وعندما نمرض نتذكره، إذاً فالمصائب فيها بالمرض منبه إليها ولنعرف أن لله حكمة فى ذلك وهى أن الصحيح من نعمة الله، ولكن المريض مع الله، وذلك لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «أما علمت أنك لو عدته لوجدتنى عنده» فالإنسان المريض يجب أن يشعر بأن الله معه، ووقتها فسيستحى أن يحزن، إذاً فحينما نتحدث عن المرض فلا بد أن نفهم أن له عطاء، والصحة أيضاً لها عطاء، فعطاء المرض أن ينبهنى لنعمة الله عليَّ بالسلام فى الآفة، وفى الصحة أن ينبهنى إلى توظيف نعمة الله فيما يرضى الله، وهكذا فإن كل أمر المؤمن خير.