الجمعة 25 يونيو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
«روزاليوسف» تواصل نشر فصول خاصة من (دعاة عصر السادات) (2-2)..  الشيخ الغزالى .. راعى الإخوان

«روزاليوسف» تواصل نشر فصول خاصة من (دعاة عصر السادات) (2-2).. الشيخ الغزالى .. راعى الإخوان

فى السطور التالية تنفرد (روزاليوسف)بنشر فصول من كتاب (دعاة عصر السادات) الصادر عن دار العين للزميل وائل لطفى.. الكتاب يناقش تفاصيل الصفقة السياسية مع جماعة الإخوان المسلمين والسماح لها بالعودة للعمل، وأثر الدعاة الذين تأثروا بأفكار جماعة الإخوان على الحالة السياسية والاجتماعية للمجتمع المصرى فى العقود التالية.. يحتوى الكتاب على فصول عن الدعاة الإخوان مثل الشيخ كشك والشيخ الغزالى والشيخ المحلاوى.. فضلاً عن دراسة عن موقف الشيخ الشعراوى من قضايا المرأة والأقباط والفن.. الكتاب هو الثالث للزميل وائل لطفى بعد كتابيه (دعاة السوبر ماركت) و(ظاهرة الدعاة الجدد) الذى حصل عنه على جائزة الدولة التشجيعية عام 2008.



 

رياح السبعينيات

ما إن أتت رياح السبعينيات حتى اتسعت المساحة الممنوحة للشيخ محمد الغزالى، وكان ذلك على يد د. عبد الحليم محمود، وزير الأوقاف، وشيخ الأزهر فيما بعد، والذى كان يعتبر نفسه واحدًا من الإخوان المسلمين، ولعب دورًا مؤثرًا فى التنسيق مع المملكة العربية السعودية والحصول على تمويل مباشر منها لتمويل أنشطة الأزهر (14)، فضلاً عن أنه كان أول شيخ أزهر يقابل رئيسًا أمريكيًا ويناقش معه التصدى للشيوعية فى الشرق الأوسط.

فى كتابه عن الغزالى يروى د. يوسف القرضاوى قصة ذات بعد غيبى ومفادها أن وزير الأوقاف استدعى الشيخ الغزالى فى بداية السبعينيات، وأخبره أن الصحابى عمرو بن العاص أتاه فى منامه يشكو من هجر مسجده وإهماله، وطلب الوزير من الشيخ أن يتولى الخطابة بجامع عمرو، وتم تجديد المسجد بالفعل وأعيد افتتاحه، واجتذب له الشيخ الغزالى آلاف المصلين.. ولسنوات طويلة ظل مسجد عمرو بن العاص أحد مراكز تجمع الإخوان المسلمين فى مصر.

بحلول نهاية السبعينيات والخلاف بين الرئيس السادات والإسلاميين عقب كامب ديفيد لم تعد نفس المساحة ممنوحة للشيخ الغزالى أو هكذا اعتبر هو، فسافر للتدريس فى المملكة العربية السعودية.

لكن السنوات التى عمل فيها الغزالى فى مصر منذ وفاة عبدالناصر وحتى سفره كانت أكثر من مؤثرة، فرغم أنه لم يعد تنظيميًا لجماعة الإخوان المسلمين فإنه كان واحدًا من أهم مفكرى الجماعة، والمبشرين بالدولة الإسلامية، وكان يفعل ذلك بلغة سهلة تصل إلى آلاف المصلين، فضلاً عن أنه كان يفعله مدعومًا بسلطة الداعية ورجل الدين بما لها من تأثير فى نفوس المسلمين، وكان أحد الأدوات الأساسية للتمكين للفكرة الإسلامية هى هدم الأيديولوجيات الأخرى التى كانت موجودة فى سوق الأفكار أو ممثلة بشكل أو بآخر فى مؤسسات الدولة المصرية، وكما يرى د. يوسف القرضاوى فإن المشروع الفكرى للغزالى كان محاربة القوى التى اعتبرها معادية للإسلام، وهكذا كان معاديًا للحضارة الغربية التى وصفها بالمادية، والإباحية، والعنصرية، ومحاولة السيطرة على الحضارات الأخرى، وهكذا كان عليه أيضًا أن يكون ضد العلمانية التى يعتبرها تعارض حاكمية الله فى خلقه، وسيادة الشريعة على الناس، وتعزل الدين عن الحياة .

ولكى يفسح الغزالى الطريق للفكرة الإسلامية التى آمن بها، كان عليه أن يهاجم المثقفين الذين لا يؤمنون بهذه الفكرة، والحقيقة أن مواقفه ضدهم كانت تتجاوز الهجوم إلى التكفير المباشر فى كثير من الأحيان، وهو ما من شأنه أن يجعلنا نعيد النظر فى الصورة التى استقرت للشيخ كداعية معتدل.

دخل الغزالى فى معارك متواصلة مع مثقفين مثل محمد سعيد العشماوى، ونصر حامد أبوزيد، وفرج فودة، وقد عبر عن تكفيره الصريح لهم قائلاً: (لم لا نسمى هؤلاء بأسمائهم الحقيقة.. (المرتدون ).. فهؤلاء قد مرقوا من الدين مروق السهم من الرمية، لم يعد فى قلوبهم توقير لله تعالى، ولا تعظيم لكتابه، ولا احترام لرسوله، ولا توقير لشريعته!، ثم يتساءل الغزالى: (لماذا يحرصون على أن يحتفظوا باسم الإسلام، والإسلام منهم براء)، ويمضى ليصفهم بـ(نباتات سامة فى حقول الإصلاح).(15)

وقد وثق الشيخ الغزالى رأيه أثناء شهادته فى محاكمة قتلة فرج فودة، والتى جرت وقائعها فى 8 يونيو 1993، والتى شملتها إجابته على 11 سؤلاً وجهتها له المحكمة، حيث سأله القاضى عن معنى القول بأن الإسلام دين ودولة؟ فرد الغزالى بأن الإسلام دين الفرد والمجتمع والدولة، وأنه ما ترك شيئًا إلا تحدث فيه ما دام هذا الشىء يتصل بنظام الحياة وشئون الناس)، وسألته المحكمة.. هل تطبيق الشريعة الإسلامية واجب؟ فتلا الغزالى الآية: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا)..وسألته المحكمة (ما حكم من يجاهر برفض الشريعة الإسلامية استهزاء)؟ فرد الغزالى كانت الشريعة الإسلامية تحكم العالم العربى الإسلامى كله، حتى دخل الاستعمار العالمى الصليبى، فألغى أنواع القصاص وأحكام الشريعة وأنواع التعازير والحدود، وحكم الناس بالهوى فيما يشاءون، وصحب الاستعمار العسكرى استعمارًا ثقافيًا مهمته جعل الناس يطمئنون إلى ضياع شريعتهم، وتعطيل أحكام الله من دون أن يتبرموا).. وسألته المحكمة السؤال الرئيسى حول حكم من يجاهر برفض تطبيق الشريعة جحودًا أو استهزاءً؟ فقرأ الغزالى الآيات (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، وفى آية أخرى (الظالمون)، وفى آية ثالثة (الفاسقون )- وهى نفس الآيات التى استند لها سيد قطب وتلاميذه من التكفيرين فى تبرير الخروج على الحاكم - ومضى الغزالى يقول إن الدعوة لاستبدال حكم الله بشريعة وضعية هو كفر يخرج صاحبه من الملة وأضاف أن رفض الحكم بما أنزل الله مخرج من الملة، وعندما سألته المحكمة عن حكم المرتد شرعًا أجاب (أن يستتاب وإذا لم يرجع يقتل وأضاف.. أما فى رأيى الشخصى فيجوز للحاكم إذا أراد أن يسجنه سجنًا مؤبدًا، ولو فر مرتدًا إلى خارج البلاد فليذهب إلى الجحيم ويكون المجتمع بريئًا منه، أما بقاؤه فى المجتمع فهو خطر على الأمة، ويجب أن يجهز عليه، وعلى الحاكم أن يقتله، وأضاف: (من يملك إيقاع الحد على المجتمع هو القضاء الذى يقوم بمهمة تطبيق الحدود والقصاص، وليس لآحاد الناس أن يقوموا بهذا حتى لا تتحول الأمور إلى فوضى)، وقال الغزالى أنه فى حالة عدم معاقبة القانون على الردة فإنه يكون معيبًا، وتكون هناك فوضى فى المجتمع، وعندما سألته المحكمة: (هل يبقى حد الردة واجب التنفيذ فى هذه الحالة ؟)أجاب: (نعم وحكم الله لا يلغيه أحد)، وعندما سألته المحكمة: (ماذا لو نفذ أحد الناس حكم الردة؟) أجاب: (يكون مفتئتاً على السلطة)، وعندما سألته المحكمة: (هل هناك عقوبة للإفتئات على السلطة فى الإسلام ؟) رد (لا أذكر أن لها عقوبة).(16)

رغم الطابع العمومى للأسئلة والأجوبة إلا أنها فى المحصلة النهائية كانت شهادة براءة للقتلة، الذين شهد الغزالى بأن عليهم قتل المرتد حال تقاعس السلطة عن ذلك، وأن جريمتهم الحقيقية (الافتئات على السلطة) لا عقوبة عليها فى الإسلام، ورغم أن شهادة المحكمة لم تسهم فى تبرئة القتلة الثلاثة الذين حكم على اثنين منهم بالإعدام، وحكم على الثالث بالأشغال المؤبدة، إلا أنها سببت صدمة فى أوساط المثقفين وأحدثت شرخًا فى صورة الغزالى كداعية وسطى معتدل، وهى الصورة التى سرعان ما استعادها بعد ذلك بسبب عدم خضوع إنتاجه للدراسة والبحث.

وإلى جانب تكفيره للمفكرين المسلمين واتهامهم بالردة، خصص الغزالى جانبًا كبيرًا من مقالاته وخطبه للهجوم على المفكرين والكتاب المسيحيين، الذين اتهمهم بأنهم عملاء الغرب الصليبى والشرق الشيوعى، وشمل هجومه سلامة موسى ولويس عوض، وميشيل عفلق، وجورج حبش، وقسطنطين زريق.

وفضلاً عن هؤلاء وهؤلاء فقد هاجم أحمد لطفى السيد، وطه حسين، وحسين أحمد أمين، ونزار قبانى، وعبدالرحمن الشرقاوى.

هاجم الغزالى طه حسين باعتباره رمزًا للتنوير وللتفكير النقدى فى التراث، وقال عنه: (قرأت الدكتور طه حسين، واستمعت له، ودار بينى وبينه حوار قصير، مرة، أو مرتين، فصد عنى، وصددت عنه ) ويمضى الغزالى ليقول أنه يرى أن عباس محمود العقاد أعمق فكرًا من طه حسين، وأن زكى مبارك أرشق منه عبارة، وأنه يرى أن الإصرار على جعل طه حسين عميدًا للأدب العربى يعود إلى رغبة البعض فى دعم المبادئ التى حملها الرجل و(كلف)بخدمتها طوال عمره، ويمضى فى ذم طه حسين قائلاً: (وواضح أن الدكتور طه حسين كان ترجمة أمينة لأهداف لم تعد خافية على أحد، عندما طالب بإقصاء الإسلام، وأخلاقه، وأحكامه، وعدم قبوله أساسًا تنطلق الأمة منه، وتحيا وفق شرائعه وشعائره)، ويمضى قائلاً: (قائل هذا الكلام يجب أن يكون عميدًا للأدب العربى.. إلخ، أما العقاد وإسلامياته فيجب دفنها معه).

ورغم الميول الإصلاحية للشيخ الغزالى والتى عبّر عنها فى عدد من مؤلفاته التى هاجم فيها طرق رواية الأحاديث النبوية وطالب فيها بتطهير السنة، وحاول إنصاف المرأة المسلمة، فإن هذا لم يمس جوهر مشروعه القائم على المطالبة بدولة إسلامية، وفق تصور الإخوان المسلمين تحديد، والاشتباك مع الأيديولوجيات الأخرى مثل الشيوعية، والقومية العربية، والتى كان المناخ السياسى فى مصر السبعينيات يتطلب الهجوم عليها أحيانًا أو يسمح به فى أحيان أخرى، وعلى كل حال فالفجوة بين الغزالى والدولة المصرية والتى بدأت وفق رواية القرضاوى فى عام 1978 واستدعت سفره للتدريس فى السعودية عقب ما اعتبره تضييقًا عليه (17) لم تطل، إذ سرعان ما تم اغتيال الرئيس السادات، وبدأ الرئيس مبارك حقبة جديدة، تقوم على التوازن فى العلاقة مع الإسلاميين، وبدأ هدنة طويلة، سمحت للشيخ الغزالى أن يعود إلى المنبر مرة أخرى، وأن يواصل مهامه القيادية فى وزارة الأوقاف المصرية، وقد ظل الرجل مخلصًا لأفكاره التى بثها فى المجتمع من خلال منبر الدعوة حتى صعدت روحه إلى بارئها فى عام 1996.