السبت 27 فبراير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
دعاة السوشيال ميديا.. عبدالله رشدى تاجر الكراهية "الحلقة الرابعة"

دعاة السوشيال ميديا.. عبدالله رشدى تاجر الكراهية "الحلقة الرابعة"

لا يحتاج «عبدالله رشدى» إلى تعريف بقدر ما يحتاج إلى فهم، إنه وافدٌ جديدٌ إلى عالم (السوشيال ميديا) من عوالم الوعظ التقليدى؛ حيث يقترب إجمالى مُشاهدات فيديوهاته من الستين مليون مَرّة.. وتحقق بعضُها مُشاهدات تتراوح من نصف المليون إلى المليون.. وعلى عكس زملائه من (سَلفية الفيس بوك)فهو لم يبدأ فى الفضاء الأزرق.. لقد بدأ على الأرض ومُبكرًا، فهو واعظ فى وزارة الأوقاف المصرية استغل فترة تغيير الوجوه بعد يناير 2011 وحقق قدرًا من الشهرة.. مع الشهرة كان التمَسُّح بالأزهر الشريف؛ حيث كان يختم تغريداته المختلفة بعبارة يقول فيها الأزهر قادم.. بالإضافة إلى الإلحاح فى نشر صورة يقف فيها إلى جوار الإمام الأكبر فى أحد المؤتمرات.. لكن كل ذلك انتهى.. فالأوقاف أوقفته عن الصعود للمنبر مرّتين.. والأزهر قال إنه لا يتحدّث بلسانه ولا يُعَبر عنه.. لكن كل هذا ساعدَه على أن يجد مَلعبًا جديدًا متسعًا هو فضاء السوشيال ميديا؛ حيث الأرباح الكبيرة من الإعلانات ومُشاهدات اليوتيوب، وحيث اعتقاد الشباب أنه ممنوع بسبب آرائه وشجاعته؛ وحيث كل ممنوع مَرغوب.



 

كاريكاتير: عماد عبد المقصود
كاريكاتير: عماد عبد المقصود

 

 

هل مُنع «عبدالله رشدى» لأنه مُعارض للسُّلطة؟ فى الحقيقة لا.. إطلاقًا، هو على العكس تمامًا.. هو تعبير فَجّ عن السُّلطة بمعناها العام والفلسفى، فهو ذكورى بشكل فَجّ.. وطائفى تمامًا ومُهاجم للشيعة ولكل المختلفين.. إنه يخاطب المَناطق المُظلمة فى وعى الناس.. يخاطب غرائزَ التعصُّب والكراهية والإحساس بالتفوّق، ومن هذه المغازلة يحقق مكاسب ويجد جمهورًا يشبه جدّا جمهور محمد رمضان فى مَرحلته الأولى.. الفارق أن «رمضان» كان يخاطب نزعة العنف فى جمهوره بحركات جسدية على الشاشة، وبقصص تضع سياقًا لهذا العنف وتبرّره أخلاقيّا.. عبدالله رشدى يخاطب نزعة العنف لدَى جمهوره يفرّغ شحنات الغضب فى صورة دفقات كراهية تجاه الآخر المختلف.. المرأة والأقباط.. والشيعة والمثليين.. إلخ.. وهو فى هذا ليس مبتكرًا بقدر ماهو تابع.. يعيد إنتاج الخطاب السَّلفى الذى دخل مصرَ منذ خمسين عامًا وتربَّع فيها.. هو فقط ينتجه بطريقة تناسب الأجيال الجديدة.. تغريدات.. فيديوهات قصيرة.. تعليقات لاذعة.. لكنْ المضمونُ واحدٌ فى النهاية.

بهذا المعنَى يمكن فهم لماذا مَنعته الأوقافُ من صعود المنبر.. لأنه تعبيرٌ عن اختراق سَلفى واضح للمؤسَّسة الدينية الرسمية.. وهو نجَحَ فى هذا لبعض الوقت لدرجة أنه تم ترشيحه لتمثيل الأزهر فى مناظرة تليفزيونية مع «إسلام بحيرى» منذ خمس سنوات.. كما أنه كان خطيب مسجد كبير ومُهم مثل السيدة نفيسة.. هذا الاختراق يرتبط بصفة أساسية من صفاته، وهى القدرة على المراوَغة.. إنه يراوغ طوال الوقت.. يُظهر غيرَ ما يُبطن.. يقول إنه أشعرى ويتبنّى خطابَ السَّلفية الذى يُكفّر الأشعريين (الأشعرية عقيدة الأزهر).. يقول إنه شافعى يروّج لآراء ابن حنبل وابن تيمية.. يمدح الأتراك والخلافة العثمانية، ثم يتبع ذلك بتغريدة يُبدى فيها الاحترامَ للجيش المصرى.. يُحَمّل الضحايا مسئولية التحرّش ثم يقول إنه لا يقصد وأنه لا يبرّر التحرش.. وقد بدأ هذه اللعبة منذ فترة طويلة، والذين راجعوا ما يكتبه على صفحته منذ عام 2012 اكتشفوا هذا اللعب بين معسكرات متناقضة.. ففى أجواء الانتخابات الرئاسية ومنْع «حازم أبوإسماعيل» من الترشح يتحدّث بلسان واحد من المعسكر الإسلامى ويقول: (ظلمنا خيرت الشاطر، وأبوإسماعيل وضع رأسَنا فى الأرض).. والمعنَى أن «الشاطر» ظُلم فى حين تورَّط «أبوإسماعيل» فى تزوير أوراق ترشحه فخيَّب أمل أنصاره ومن بينهم «رشدى» فيه.. ولو رجعت لـ يناير 2011 ستجد له تغريدات متتالية يُعَبّر فيها عن تأييده لـ «مبارك» (قبل خلعه)، وينافق فيها أيضًا الموجودين فى ميدان التحرير.. وفى الانتخابات الرئاسية نفسها تجده يُعَبر عن تأييده للفريق «شفيق».. إنه هو الشخص نفسه لكنه يستخدم قدرته على المراوَغة.. كما يستخدم تأييدَه للسُّلطة فى كسب مزيد من مساحات التأثير.. هو سَلفى مَدخلى.. وهو فصيل من السَّلفية يتطرف فى تأييد السُّلطة مُقابل أن تترك له مساحة للتأثير فى المجتمع وبث أفكاره فيه.. المفارقة أن هذه الأفكار هى ضد التحديث والتقدُّم والعَصرَنة.. وهى تؤدى فى النهاية إلى سقوط السُّلطة نفسها كما حدث مع الرئيس مبارك الذى أبرَم صفقة مشابهة مع الإخوان والسَّلفيين.. عبدالله رشدى إذن ليس مُعارضًا فى الظاهر بقدر ما يهدف إلى اختراق المؤسَّسة الدينية الرسمية وبث أفكاره من خلالها.

هو سَلفى يتخفَّى خلفَ زى الأزهر.. يرفع شعارَ الاشتباك والصّدام بحثًا عن مَزيد من الشهرة والانتشار والمَكاسب.. حقق شهرته الأولى فى 2015 من مُناظرة تليفزيونية بينه وبين إسلام بحيرى.. فى هذه المناظرة طرحَ عددًا من الآراء السَّلفية.. انتبه لها إسلام بحيرى ونبَّه لها المشاهدين.. أدّى هذا إلى إحساس «محمد عبدالسلام» مستشار شيخ الأزهر بأنه تورَّط فى ترشيحه.. وهو الترشيح الذى لم يتكرّر فى المُناظرة التالية مع إسلام بحيرى، التى رشح الأزهر لها الدكتور «أسامة الأزهرى»، والداعية اليمنى «الحبيب على الجفرى».. لكنْ لعبة الأضواء كانت قد أعجبت عبدالله رشدى الذى أدرك أن عليه أن يصنع شهرته بنفسه بعيدًا عن مُساندة الأزهر، وربما بعكس تعاليم الأزهر.. هكذا قفَزَ على معركة (تكفير الأقباط)؛ حيث لم تكن المعركة معركته من البداية.. كانت الأزمة بسبب تصريحات أطلقها د.«سالم عبدالجليل» وكيل وزارة الأوقاف فى برنامج خاص به على قناة المحور قال فيها إن عقيدة الأقباط ليست عقيدة سليمة وأنهم كفار بالنسبة للمسلمين.. أثارت التصريحات أزمة، وانزوَى سالم عبدالجليل واعتصم بالصمت.. لكن عبدالله رشدى انتهز الفرصة.. وكأنه (بلطجى) أصغر سنّا يتدخل فى مشاجرة تدور أمامَه.. قال إنه يؤيد ما قاله سالم عبدالجليل، وأخذ يمارس ألعابًا لغوية عن مفهوم الكفر وكيف أن الأقباط أيضًا يرون المسلمين كفارًا.. كانت أدواته أفضل من أدوات عالم كلاسيكى مثل «سالم».. فهو أصغر سنّا، ولغته أقرب للشباب.. وله حسابات على وسائل التواصل.. هكذا قفزَ على معركة لم تكن معركته من الأساس.. وبدأ فى تكوين دوائر من عُشاق التعصُّب ومُستهلكى الكراهية.

أدرك عبدالله رشدى أن هذا الجمهور الذى يشبه «ألتراس» كرة القدم فى بعض الصفات سيكون طريقه للشهرة والثروة معًا.. فبدأ فى مغازلته.. وهكذا فى ذروة احتفاء مصر بتكريم جرّاح القلوب «مجدى يعقوب» فى مناسبة عربية كبيرة، أطلق «رشدى» تغريدته مثل ريح يطلقها أحدُهم فى فرَح.. قال إن غير المسلمين مَهما أحسنوا فى الدنيا لن يدخلوا الجنة.. إلخ.. ووضع لما يقول أسانيد من الآيات والأحاديث.. هاجمَه كثيرون ومنعته الأوقاف من صعود المنبر للمرّة الثانية، واتصل به وزير الأوقاف أثناء استضافته فى أحد البرامج ووصفه بأنه جاهل وغير حاصل على الدكتوراه.. نشرت صفحة دار الإفتاء فتوَى مضادة لفتواه.. وكذلك الأزهر، وهاجمه مئات المُغرّدين.. وسَبَّه بعضُهم.. لكن هذا كان ما يريده تمامًا أن يصبح فى بؤرة الأحداث.. أن (يركب التريند) وأن يتحوّل هو نفسه إلى (تريند).. جذب له الإيقافُ عن الخطابة جمهورًا من الإخوان والمُشككين فى مؤسَّسات الدولة.. وأظهر نفسَه فى صورة الشجاع الذى لا يخشى فى الحق لومة لائم.. رُغْمَ أنه فى حقيقة الأمر كان يريد أن يخدم وفق فهمه ووفق الكتالوج القديم لعلاقة السَّلفيين ودولة مبارك.

حقيقة الفكر السَّلفى هى الانتصارُ للأقوَى والعداءُ لكل مَن هو مختلف عن التيار السائد.. وهكذا فإن الإنسانَ السّوبر بالنسبة للسَّلفية هو الرجل المُسلم السُّنّى.. إذا كنتَ مختلفًا فى صفة عن هذه الصفات الثلاث فأنت مُنتقص الأهلية والحقوق فى الرؤية السَّلفية.. هذه الرؤية يتبنّاها عبدالله رشدى ويُنفّذها بامتياز وبطريقة تصل للشباب بسهولة.. فبَعد الأقباط انتقل إلى ملف المرأة.. ودخل ليركب «تريند» التحرش وأطلق عدة تغريدات تُحَمِّل المرأة مسئولية التحرّش بها، وقال إن عاقلًا نصح صديقه بألّا يترك سيارته مفتوحة حتى لا تتعرض للسرقة فيندم فيما بَعد.. وعندما هاجمه الكثيرون مارَسَ مناوراته وقال إنه يُدين التحرّشَ وأنه كان يتحدث عن مَلابس النساء المكشوفة كـ(سبب) للتحرش، وليس كـ(مُبرر) له.

أحدثت تغريداته عن المرأة الأثرَ الذى يريده.. هاجمه كثيرون.. ودخل كثيرون على صفحاته وأعجب به جمهور ذكورى بطبعه ورث الثقافة الذكورية عبر أجيال طويلة ويمارس التحرش فعلًا فى الشارع، ويبحث عن مَن يبرّر له هذا التحرّش.

أعجبه موضوع المرأة فأطلق عدة تغريدات تبرّر التحرشَ.. وعندما أثيرت قضية (فيرمونت) أطلق تغريدات فهمَ منها أنه يُحَمِّل الفتاة المغتصبة المسئولية.. وهكذا.

لكنْ هذه ليست كل السّمات الأساسية للمادة التى يقدمها لجمهوره من الشباب.. فهو يبحث عن الموضوعات الغريبة والمهجورة فى التراث.. وهى موضوعات لا يتحدّث فيها كثيرٌ من الدعاة والعلماء لأنها لم تَعُد مناسبة للزمن الذى نعيش فيه.. لكنه يستخرج هذه الموضوعات ويُضفى عليها لمسته العنصرية التى يمكن وصفها بأنها (بغيضة).. هكذا استخرج موضوع سَبْى النساء وأحقية الجنود المسلمين فى ممارسة الجنس معهن من داخل الكتب الصفراء، ورُغْمَ أن المسلمين والحمد لله مهزومون فى كل أنحاء العالم، ورُغْمَ أن الحروب الحديثة ومواثيق حقوق الإنسان لم تَعُد تسمح بمثل هذا الهراء؛ فإن عبدالله رشدى قرّر أن يضيف بصمته.. وقال إن الإسلام يسمح بممارسة الجنس مع السبية لأن لديها (احتياجات).. وهو التبرير نفسُه الذى يمكن أن يقدم للاغتصاب.. فضلًا عن أنه يكشف عن جهل رشدى بكل من الفقه والتاريخ والجنس معًا.. هذه التصريحات أساءت لصورة الإسلام جدّا وأدانتها مجموعات حقوق الإسلام فى العالم كله.. واعتُبرت مُبررًا للاغتصاب.. لكن «رشدى» لا يبالى مادام يركب (التريند).

فى إطار صناعة الكراهية والانتهازية السياسية أيضًا ينتج «رشدى» عددًا من الفيديوهات التى تهاجم الشيعة وتتهمهم بتكفير الصحابة والإساءة لأمهات المؤمنين ويحض على كراهيتهم.. ثم يدخل إلى الموضوع بدُعابة سمجة قائلًا: (ناس هتقول آل سعود أخدوك تحت جناحهم.. والله ما حد كلمنى ولا اتصل بيّا)..هذه الدعابة الصريحة توضّح هدفَه من الهجوم على الشيعة.. لكنه رُغم مَهارته.. محدود الذكاء ولايزال يقيس الأمورَ على مقاييس ما قبل يونيو 2013؛ حيث كانت الدول تستغل السَّلفيين فى أمور مُشابهة وتجزل لهم العطاءَ.. الأهم أن ما يفعله «رشدى» مُخالف لتوجُّهات الدولة المصرية التى تقوم على عدم التورط فى الصراعات المذهبية، وإدارة العلاقات الإقليمية وفق رؤية سياسية.

إلى جانب صناعة الكراهية والإتجار فيها يتاجر «رشدى» فى الغريب والمهجور من التراث بحثًا عن مَزيد من المُشاهَدَة فيملأ قناته على «يوتيوب» بفيديوهات عن المَسيخ الدّجال والمَهدى المنتظر وعلامات قيام الساعة، ويؤكد لجمهوره أن كل علامات ظهور المَسيخ الدّجال قد اكتملت منذ 2018.. يبدو أن المَسيخ الدّجال قد ظهَرَ بالفعل.. أليس كذلك؟!