السبت 27 فبراير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

على الحجار يكتب: عن الذى حدث مع «زباين جهنم»!

هذه الحادثة كانت قد وقعت لى أثناء تمثيلى على خشبة مسرح البالون أمام العملاق «محمود المليجى» فى مسرحية (زباين جهنم) عام 1978، حيث كنت ألعب دور (حارس الجنة) والأستاذ «محمود المليجى» يقوم بدور (حارس النار) فى المسرحية المأخوذة عن (رسالة الغفران) لـ«أبى العلاء المعرى» والتى تحكى قصة حاكم ظالم يعمل عملاً صالحًا قبل موته بساعات وعندما يحين وقت حسابه فى الآخرة، يجد نفسه حائرًا بين الجنة والنار، لا يجد مكانًا هنا أو هناك.



 

أثناء رحلته بين الجنة والنار بصحبة حارس الجنة تارة وأخرى مع حارس النار كان يتعرف على أحداث ومشاهد وشخصيات كتب لها أن تدخل الجنة بسبب أعمال خيرة أو النار بسبب أعمالهم الشريرة. وكان مشهد أسد الناصرة ضمن مشاهد رحلته فى الآخرة، وكان المخرج الكبير «فؤاد الجزايرلى» قد أصر على وجود أسد حقيقى استلمه مدير المسرح الاستعراضى من السيرك القومى وتعهد بأن يقدم له «حمارًا» كل يومين ليكون وجبته الرئيسية.

فى عودة إلى وصف المشهد كى لا أطيل عليكم: أنا أقف فى مقدمة المسرح فى المنتصف يقف عن يمينى العملاق محمود المليجى (حارس النار) وعن يسارى الممثل الكبير محمود التونى (الحاكم الظالم التائب) يجلس خلفنا الأسد فوق طاولته الضخمة التى تتسع لجلسته (بدون قفص!!!!)، وعن يمينه يقف مدرب الأسود «محمد الحلو الابن» وعن شماله عم «حسن الحلو». بينى وبينكم كنت أكره موعد الذهاب إلى هذه المسرحية لأننى كنت أرى كابوسًا عظيمًا أثناء أدائى لهذا المشهد كل يوم وكوابيس أعظم أثناء نومى فى كل ليلة من تلك الليالى، واعتدت أن أقول لنفسى يوميًا بصوت مسموع وأنا ذاهب إلى المسرح: «أنا إيه اللى جابنى هنا!» وأعتقد أن جميع المشاركين فى هذا العرض المسرحى من ممثلين وموسيقيين وكورال وراقصين وعمال وفنيين وموظفين كانوا يشاركوننى نفس الشعور ، غير أننى كنت قد وقعت عقد العمل مع هيئة المسرح، وكانت الأغانى التى كتبها الشاعر الكبير «إمام الصفطاوى» ولحنها العظيم «أحمد صدقى» رائعة، وكنت أيضًا سعيدًا جدًا بالعمل مع الفنان العظيم «محمود المليجى».

المشهد الآن يحدث كالتالى: أنا أحكى للملك الظالم التائب قصة هذا الأسد الرابض خلفى (أسد الناصرة) وقبل أن أبدأ الكلام فوجئنا بكلب يدخل إلى خشبة المسرح من ناحية الكواليس، وإذا بالأسد يقفز غاضبًا من فوق طاولته ليمسك بذيل الكلب الذى أفلت ذيله ليجرى بسرعة مذهلة أعتقد أنها كانت أسرع بكثير من السرعة التى كانت تستخدم فى شريط أفلام «شارلى شابلن». ازداد المشهد توترًا ورعبًا بعد أن أطلقت السيدة «منار أبو هيف» مديرة مسرح أنغام الشباب وقتها طلقتى رصاص من مسدسها الذى كانت تحضره معها منذ بداية هذه المسرحية العجيبة، وعلا زئير الأسد ورعب الكلب بسبب طلقات الرصاص وازداد غضب الأسد كلما أفلت منه الكلب الذى كان يحاول أن يحتمى بالعبد لله بأن يجرى حولى مرتعبًا ومن خلفه الأسد ومن ورائهما المدربان الاثنان أحدهما يمسك بسوط والآخر يمسك بشوكة ضخمة يحاول أن يصل بها إلى رقبة الأسد كى يمسك به ويدخله فى ممر طويل من الحديد كان قد بنى للأسد خلف الكواليس حتى يصل فى نهايته للقفص الذى يستقر بداخله كل ليلة. هذه المطاردة كانت تجرى وأنا أقف كعمود من الأسمنت فى منتصف خشبة مسرح البالون الواسعة، وأعتقد بأننى كنت قد لمحت الأستاذ «محمود المليجى» يسرع إلى الكالوس الأيمن والأستاذ «محمود التونى» يحاول الوصول إلى سلالم خشبة المسرح لينزل ناحية الجمهور، والموسيقيون يجرون من الحفرة المخصصة لهم تحت خشبة المسرح والجمهور يهرول إلى الشارع مع زئير الأسد الذى كان يسمعه كل سكان منطقة العجوزة، وبالطبع لم أكن لأجد الشجاعة التى تجعلنى أفعل أيًا مما فعله هؤلاء جميعًا وسط هذا المشهد الرهيب. وأذكر أننى كنت أتمتم بكل ما حفظته من القرآن دفعة واحدة بشكل غير مرتب وغير صحيح.

استطاع المدربان البطلان «محمد وحسن الحلو» السيطرة على الأسد وإدخاله لقفصه الذى كان قد أعد له خلف الكواليس وانتهى المشهد، ولكن لم تنته المسرحية.. فقد أصر المخرج «فؤاد الجزايرلى» على استكمال المسرحية وخرج إلى شارع كورنيش النيل ليقنع الجمهور والعاملين بالمسرح بأن يعودوا إلى أماكنهم لاستكمال العرض المسرحى، وبعد انتهاء العرض التف حولى كل الممثلين والعاملين بالمسرح ليحتفوا بى كأشجع رجل لأنهم لم يكونوا يعلمون السبب الحقيقى وراء عدم هروبى من المسرح مثلما فعلوا. وقد أسعدنى كاريكاتير رسمه الفنان الكبير «صلاح جاهين» بجريدة الأهرام بعد ثلاثة أيام من الحادث الرهيب وبعد أن صدر قرار سريع من وزارة الثقافة بإلغاء مشهد الأسد من المسرحية، رسم الأستاذ «صلاح» صورة للأسد يجلس على طاولته فى يمين اللوحة وأنا أقف على أقصى شمال اللوحة (وكنت نحيفًا جدًا) والأسد يشير إلى ويقول: «إيه ده.. جايبينلى واحد عبارة عن هيكل عظمى يقف جنبى فى المسرحية؟ أنا عايز محمد نوح» الذى كان يمتلك جسدًا ضخمًا.

فى انتظار تشجيعكم لى للاستمرار فى كتابة بعض الأحداث التى مررت بها أو التى مر بها بعض أصدقائى ورفاقى، وأيضًا فى انتظار صراحتكم التى أتمناها منكم بحق بأن أتوقف عن الكتابة ولا أعود إليها مرة ثانية. ولكم جزيل شكرى لصبركم على قراءة ما كتبته.