الخميس 9 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

عم رمضان

وإحنا فى قلب النّيل وسابحين فى بلاد النوبة من عشرين سنة؛ حيث كانت زيارتى الأولى، وجدت الريس المراكبى جالس فى آخر المركب على الدّفة بوجه بشوش ملىء بالطيبة وعلى رأسه العمامة النوبية ذات الخمسة طوابق وكأنها تاج فرعونى ويمسك بآلة «الطنبور» النوبية فى يده ويدندن على استحياء أغانى نوبية جميلة.



 

طلبت من الجميع الهدوء، ورحت أقدّم «عم رمضان» لهم.. ورغم خجله الشديد وافق أن يأتى فى منتصف المركب ويلعب لنا بعضًا من الأغانى التراثية النوبية، فترك «عم رمضان» علامة فى قلوبنا وفى وجداننا.

دارت الأيام وبعد عشرين عامًا أتيت إلى بلاد النوبة متعطشًا للتراث وكل ماهو قديم، ولم يذهب عم رمضان من ذاكرتى، وسألت عنه ووصفته بعمامته ووجهه الجميل، فقالوا لى إنه موجود وترك المراكب ويجلس بمرسَى «مَعبد فيلة» يغنى على فرشته البسيطة للناس، طلبت منهم أن يأخذونى إليه، بالفعل ذهبنا، ووجدت بالفعل «عم رمضان» بملامحه البسيطة وقد أضفى عليها الزمن مزيجًا من الشقا والرضا والتعب والعزة، وقالوا لى بالفعل آخر من تبقى من جيل المراكبية القديم، ذهبتُ وجالسته على الأرض مستمعًا لفنّه الرائع، وطلبت منه أن أصوّره فرحّب، وأخذت أسرد عليه حكاية لقائنا منذ عشرين عامًا، عَبَّر بمشاعره بالغناء، نعم هذا الرجل أخذ من الغناء الوناسة ولغة للتواصل مع الزمن من حوله، فهو يحتضن «الطنبور» ويسرد حكايات الزمان، تارة يشكو الحال ومجريات الأمور وتارة أخرى يُعبّر عن سعادته.

تركتُ «عم رمضان» وذهبتُ لأسترجع ذكريات الزمن الجميل بفندق كتاركت، أحتسى كوب الشاى الدافئ بتراس الفندق، المطل على أحلى مكان فى النيل بأسوان، فى انتظار غروب الشمس المقدّس، سألت هل لى أن أصور بالكاميرا الاحترافية؟ فأجابونى بالقبول، واليوم التالى سألت هل ممكن أستخدم حامل الكاميرا أيضًا؟ فأجابوا بالقبول أيضًا، فاستعجبت، فسَوّلت لى نفسى أن أطمع وأطلب: هل لى أن أصعد إلى سطح الفندق لأقوم بتصوير غروب الشمس من أعلى نقطة ممكنة، فكانت  الإجابة أنهم يجب أن يأخذوا الإذن من مدير عام الفندق، فقلت: (وليه لأ، هل ممكن أن أقابله؟) فأجابونى سوف نرسل له، وبعد خمس دقائق جاءنى موظف يحمل وجهه ملامح كلها سعادة وترحاب، ويقول لى أهلاً بيك يا فنان، سيادة المدير يعرفك وسيأتى بنفسه ليرحب بك، وبالفعل لم تمُرّ دقائق حتى وجدت رجلاً محترمًا يتجه نحوى مرحّبًا أهلاً أهلاً بالمصور العالمى وجودك فى الفندق يشرفنا، وأنا من أشد المعجبين بأعمالك.

وبعد الترحاب قال لى (هتحتاج كام يوم تصور؟) قلت له ممكن أحتاج فى حدود يومين، ففوجئت به يقول اسمح لنا أن نهديك أربعة أيام استضافة لتصور كما تريد، ووضع تحت يدى فريق عمل لتسهيل مهمتى فى التحرك داخل الفندق، بالفعل أحضرت معداتى ونزلت بالفندق لأجد أنهم أهدونى جناحًا ملكيّا.

دخلتُ البَهو وإذ بى أرى أمامى صورة «عم رمضان» بالحجم الكبير يتزين بها البهو المَلكى، أدركتُ وقتها عظمة هذا الرجل وكيف أنه ببساطته وصدقه وصل لملايين السائحين من مختلف بلدان العالم وهو جالس مكانه حاضنًا «الطنبور» يُهمهم بأغانيه القديمة ويحكى بها قصص الزمان فترى أمامك عَظمته وقيمته فى الحياة.