الأربعاء 25 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

لم تمت

فتحى غانم 



خارج دار «روزاليوسف» الآن، سرادق كبير، أغلب ظنّى أنه سرادق أقيم لمناسبة وطنية هامة، فقد احتشد فيه وزراء وساسة وأصحاب أعمال وتجار وموظفون وكُتّاب وصحفيون وفنانون من السينما والمسرح وناس كثيرون.. بينهم عمال فى المصانع وطلبة فى المدارس وفلاحون من الريف وبَدو من الصحراء.

إنهم يقولون إن السيدة العظيمة التى تتشرف هذه الدار، وتتشرف هذه المجلة بحمل اسمها.. يقولون إنها ماتت.. ولكنى لا أصدق ما يقولون.

ولو كانت ماتت حقّا، لما استطعت أن أجلس لأكتب حرفًا واحدًا.. كنت بكيت، وغمرت عينى الدموع، كنت هزأت بسخف الحياة.. الحياة التى طالما نادت مجلتها.. مجلة «روزاليوسف» بأنها لا تموت.

ثم شىءٌ آخر، أنا عاجز تمامًا عن كتابة رثاء.. أى رثاء.. إن الرثاء محاولة لإحياء شىء ميّت، ومن تقاليد السيدة روزاليوسف التى هى تقاليد «روزاليوسف» المجلة، التعامل مع الحياة، وخلق الآفاق الجديدة للحياة الجديدة.

ما هذا الذى يقولونه إذن.. إن أكثر نساء الدنيا حيوية، وأكثرهن قدرة على الخَلق والابتكار، وأكثرهن اندفاعًا نحو المستقبل والآفاق الجديدة.. إن هذه الروعة الإنسانية العذبة.. قد ماتت..

لا أصدقهم..

أين إحسان عبدالقدوس ليقول لى لا تصدّقهم..

«إحسان» هناك فى السرادق.. فى المؤتمر.. يستقبل الوافدين.. تلتقى يده بأيديهم.. تلتقى عيناه بأعينهم.. تلتقى أنفاسه بأنفاسهم، إنه يعرفهم واحدًا واحدًا، يحبهم ويحبونه؛ لأنه نشأ وتربَّى وتعلم فى جامعة تلك السيدة العظيمة التى يقولون عنها إنها ماتت.. هل سمعتم عن جامعة تموت.. مستحيل.

لقد تعلم «إحسان» فى جامعة هذه السيدة العظيمة، معنَى الحب الذى بشّر به فى كل ما كتب.. تعلم معنى الشجاعة التى تسلّح بها فى كفاحه السياسى، تعلم معنى الثورة على الظلم عندما ثار على الظلم، تعلم الفن حتى استطاع أن يكون فنانًا، تعلم الرجولة.. فحتى هذه السيدة العظيمة تُعَلم الرجولة، بل قادرة على أن تصنع الرجال.

إن الذين يقولون إن السيدة العظيمة ماتت.. يقولون إن الحب مات والشجاعة ماتت والثورة على الظلم ماتت والفن مات والرجولة ماتت.. هل ماتت حقّا هذه الأشياء.. أبدًا لا أصدقهم.. هذه الأشياء باقية ما بقيت لنا حياة على هذه الأرض.. هذه الأشياء لا تموت.. إذن فالسيدة العظيمة لم تمُت.

حتى نظراتها الحنون الجميلة، وصوتها العذب الرنان، وابتسامتها المَرحة الرقيقة.. حتى أنفاسها.. حتى أناملها الدقيقة فى يدها الصغيرة الناعمة.. كل هذا لم يمُت، إنه مطبوع فى القلوب.. محفور فى لحمنا وعظامنا، موجود فى عقول وقلوب الآلاف والملايين الذين شاهدوها على المسرح أو قرأوا لها صحفها ومجلاتها التى أصدرتها، وستظل تُصدرها بنفسها لعشرات السنين الماضية.. ومئات السنين القادمة.

إن فى كل ورقة وفى كل سطر وفى كل كلمة وفى كل رسم فى هذه المجلة، أثرًا فى عينيها وابتسامتها وصوتها وأناملها الرقيقة، إلى جانب أفكارها ومشاعرها..

وليس هذا الأثر قاصرًا على مجلة «روزاليوسف» وحسب، إنه يمتد إلى كل صحيفة ومجلة تصدر فى العالم العربى، وليس هذا الأثر قاصرًا على الصحافة وحسب.. إنه يمتد كالجذور العميقة والأساس المتين.. لحرية المرأة واستقلالها..

ولنهضة الفن المسرحى وتطور الموسيقى وتقدم الرسم والتصوير.. ولرقى الأدب والشعر.. عبقريات عديدة وأسماء لامعة لا حصر لها فى كل ميادين الحياة تضم بين جوانبها نفحة منها..

منذ أسبوعين حدثتنى هذه السيدة العظيمة عن الموت..

كنا جالسين فى بنوار بمسرح الأزبكية.. وقد ترددت على المسارح فى الشهور الأخيرة بكثرة.. كانت ترقب الستار الذى لم يرفع بعد، وتتذكر أيام كانت تقف على خشبة المسرح، والمقاعد كلها مشغولة بالجمهور، وتتذكر أيام كانت تواصل التمثيل والرصاص ينطلق من بنادق الإنجليز أيام الثورة.. كانت تستمر فى التمثيل لأن المسرح يتحول إلى مأوى أمين للثائرين.. وكانت تتذكر المظاهرات السياسية التى اشتركت فيها بنفسها، أيام كانت لا تدرك من السياسة غير عاطفة وطنية تجيش فى صدرها.

كانت تتذكر كل هذا.. عندما سكتت فجأة، وسرحت بعينيها إلى الستار المسدول ثم قالت: - فى هذا المسرح رأيت الموت لأول مرة فى حياتى..

ثم عادت تقول:  ولآخر مرة..

وأكملت حديثها: كان الرجل الذى يسدل ستائر المسرح فى مكانه بأعلى الكواليس.. عندما سمعنا صوتًا غريبًا يصدر منه، وأسرعنا صاعدين إليه.. وسمعت أحدهم ينظر إليه ويقول «لقد مات»، ولكنى رفضت أن أصدقهم.. صرخت فيهم إنه لم يمُت.. ولن يموت.. فأسرعوا بإبعادى عنه..

ثم ضحكت فى حنان وقالت:

- كيف أصدق أن إنسانًا يعيش بيننا ويكلمنا ويتحرك أمامنا.. يموت.

كانت تتكلم كما لو كان الموتُ غير موجود فى الدنيا؛ لأنها من تلك القلة النادرة فى البشر الذين هوايتهم خَلق وصُنع الحياة.

إن الطاقة الهائلة المحصورة داخل غلاف، أقوى قنبلة فى العالم، لا تساوى شيئًا أمام طاقة الحياة التى أودعت داخل جسمها القليل.

وطاقة القنبلة إذا انفجرت دمرت وانتهت فى ثوان.. أمّا طاقة الحياة إذا تفجرت خلقت واستمرت وبقيت حتى الخلود.. وتجاهلت الموت، وتحدته، فماذا يأخذ الموت غير جسم قليل، أمّا كل ما عداه فباقٍ..

 وحتى هذا الجسم القليل باقٍ، إنه باقٍ فى ولديها، باقٍ وهو يتحرك على المسرح فى غادة الكاميليا وفيدورا.. باقٍ وهو يمشى على الأقدام المسافات الطوال متعبًا مكدودًا يفيض بالنشاط فى تلك الأيام الأولى من حياتها الصحفية.. باقٍ وهو يصعد درجات السّلم إلى مكتبها فى طابق التحرير، ثم يصعد السّلم إلى مكتبها فى طابق الإدارة.. باقٍ وهى تدخل أى مكان فتتجه إليها الأنظار فى احترام وتقدير وترقب، باقٍ وهى تشرف على مطبخ بيتها وتغرف الطعام لمدعويها، باقٍ وهى تشد على يد صحفيين جاءوا من الصين واليابان والهند وروسيا وأمريكا؛ ليكتبوا إلى جميع أنحاء العالم قصتها الفريدة العالمية.

لم يذهب منها شىءٌ.. حياتها باقية.. وجسمها باقٍ فى أروع مواقف وصوره.

لم تمُت.. كلّا لم تمُت.. ولن تموت.

ورُغم ذلك، خارج دار روزاليوسف الآن، سرادق كبير..

(«صباح الخير» 14 أبريل 1958)