الأحد 17 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

من فاطمة اليوسف إلى المجلس الأعلى

صلاح حافظ 



يبدأ اليوم العامُ السادسُ والخمسون من حياة هذه المجلة! 

 ولم يحدث  طوال هذا العمر المديد أن تمتعت بأى استقرار؛ سواء فى شكلها، أو موضوعها، أو قيادتها، أو أقلامها، أو توزيعها.. أو حتى سياستها! 

 الشىء الوحيد  الذى كان، ولايزال، ثابتًا فى كافة عهودها هو الرسالة  التى اختارتها: رسالة التنوير.

 كانت دائمًا مع العِلْم ضد الخرافة. ومع الجديد على حساب القديم. وفى صف المستقبل الذى لم تبزغ شمسُه بعد. وكانت الأفكار  الجديدة، والأقلام الجديدة، تولَد دائمًا على صفحاتها، وتقضى سنوات وهى تقاتل معركة الاعتراف بها. ويوم يتم هذا الاعتراف تهاجر إلى صحف أخرى. وتترك مكانها لأفكار وأقلام جديدة! 

 ولأن الحياة لا تكف عن التطور، ولا يمضى يوم فيها دون أن تفرز جديدًا؛ فقد كان محالًا أن تستقر «روزاليوسف» على حال. وسيظل قدرها ألا تستقر إلا إذا تخلت - والعياذ بالله - عن ارتباطها التقليدى بحركة الحياة، والتزامها برسالة التنوير بحقائق الحاضر،  والتبشير بحقائق المستقبل.

ولكن.. مَن الذى اختار لروزاليوسف أن  تكون هذه رسالتها. وقدرها. وحَكم عليها بألا تتمتع أبدًا بالاستقرار؟ 

 إنه بالتأكيد السيدة التى أسّستها: فاطمة اليوسف! 

 كانت عقيدتها الشخصية  أن الحاضر دائمًا أفضل من الماضى، وأن المستقبل سيأتى بما هو أفضل من كليهما. وكانت تتحمس دائمًا للقلم الجديد، والريشة الجديدة، والفكرة الجديدة. 

 ولم يحدث طوال حياتها أن تكلمت عن «العودة» إلى أى ماضٍ مجيد. ولم يضبطها  أحد تقول ولو مرّة واحدة: يا سلام على أيام زمان! 

 وكان هذا وحده، ولا شىء غيره، هو السبب فى  السّمة التى انفردت بها مجلة «روزاليوسف»، واللقب الذى اعترف لها به كافة نجوم الصحافة فى مصر: لقب  «مَدرسة الصحافة المصرية».

 ومع ذلك، فهذه السيدة لم تكن أصلًا، ولم تكن أبدًا، صحفية! 

 كانت فنانة، نعم ممثلة مسرحية نابغة، نعم مولعة بالقراءة، نعم، لكنها لم تكن صحفية حاذقة، ولا كاتبة موهوبة، ولم يكن التعبير بالقلم مهنتها، ولا هى حاولت أن تمارسها.   كانت كل صلتها بمهنة الصحافة أنها آمنت بها، واحترمتها، أحبت الدور الذى تقوم به، فوظفت ذكاءها وقدراتها فى خدمته!

  وليس  هذا شيئًا غريبًا على أى حال. 

 فما أكثر ما استفاد الطب من جهود أشخاص خدموا رسالته دون أن يكونوا أطباء. وما أكثر الذين خدموا الفنون التشكيلية دون أن يكونوا رسامين، وما أكثر الذين أوقفوا جهودهم. وأموالهم على تطوير عِلم أو فن أحبوه دون أن يمارسوه، وآمنوا برسالته  دون أن يكونوا من خبرائه أو حتى من تلاميذه. 

 وقد كان من هؤلاء السيدة فاطمة اليوسف. 

 لم تكن صحفية، ولا كاتبة، ولكن سرها كان الإيمان الحقيقى الراسخ المطلق برسالة الصحافة والكتابة. كانت عاشقة وكانت الصحافة رجلها المعشوق. وفى سبيله هانت عليها كل تضحية؛ سواء بعملها المسرحى، أو بقروشها التى لا تملك غيرها، أو براحتها كامرأة جميلة يمكن أن تستقر فى بيت زوج بالغ الثراء، أو حتى بسمعتها التى أصبحت عرضة للتجريح منذ صارت لها صحيفة تجلب عليها المتاعب والخصومات، وتعرضها للضرب تحت الحزام، وبكافة الأسلحة الأخلاقية واللا أخلاقية.

 وقد نجح هذا الإيمان وحده. وهذا العشق الحقيقى لمهنة  الصحافة، والاحترام الحقيقى لها.. فى أن يصنع من المجلة (التى قيل يوم صدورها أنها مجرد نزوة لصاحبتها) مَدرسة للصحافة المصرية، ينتمى إليها ويعتز بالتخرّج فيها معظم نجوم هذه الصحافة على امتداد نصف القرن الماضى بأكمله. 

 وفى اعتقادى أن هذا الدرس يفيدنا اليوم كثيرًا ونحن نتأهل لإعادة صياغة  الصحافة  المصرية فى ظل قانونها الجديد، ونحاول - كما نقول - أن نتلافى عيوب تجربتها المريرة منذ ثورة يوليو عام 1952. 

 إن النقد الشائع لهذه التجربة يكاد يتلخص فى أن أمور الصحافة قد عهد بها إلى غير الصحفيين. وأن المتاعب كان مصدرها جهل هؤلاء بالمهنة وعجزهم  عن فهم أسرارها  وحاجاتها ومقتضياتها.

 وهذه النظرية  نفسها هى التى حكمت موقف الصحفيين من القانون الجديد. وجعلتهم يضيقون  بوجود أشخاص لا يعملون بالصحافة داخل المجلس الأعلى للصحافة، ويتمسكون بأن تكون الأغلبية فى هذا المجلس  للصحفيين.. إذا تعذر أن يكون المجلس كله منهم.   فهل هذه النظرية صائبة؟

«روزاليوسف» 27 أكتوبر 1980