الأربعاء 28 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
بين العسكرية والإنسانية.. هكذا كانوا عظامًا

بين العسكرية والإنسانية.. هكذا كانوا عظامًا

اقتربنا من نصف قرن على النصر المبين لحرب أكتوبر 73، ولكن خزانة أسرار الحرب والقادة عامرة بالجديد والمثير، وأظل محظوظة كمراسلة عسكرية لمقابلة كل القادة دون استثناء إلا ما ندر، وهم الذين رحلوا بعد الحرب بأعوام قليلة للغاية مثل المشير «أحمد إسماعيل» وزير الحربية والقائد العام أثناء الحرب، والفريق «فؤاد ذكرى» قائد القوات البحرية وقتها أيضًا.. ولقد مكثتُ سنوات كُثُر أحمل فى يدى أسماءَ القادة الذين حضروا أهم اجتماع مع الرئيس البطل «أنور السادات» ليوقّعوا بحروف من ذهب على وثيقة خوض الحرب واعتماد الخطة (بدر) فى شكلها النهائى، التى نفّذت بدقة واحترافية عالية فى 6 أكتوبر/ العاشر من رمضان، لكن هذا الاجتماع التاريخى كان يوم 5 رمضان/ الأول من أكتوبر، يعنى قبل الحرب بـ 120 ساعة؛ ليمنح لنا  (مجلس الحرب) الذى عُقد فى كوبرى القبة النصرَ واستردادَ الأرض المصرية والكرامة العربية.



وأنا فى رحلتى التى استمرت أكثر من عَشَر سنوات من 1990م حتى 2002م كان تقريبًا الأغلبية من هؤلاء القادة قد رحلوا، ولكنْ ظلت معى كلماتهم وذكرياتهم التى أغلبها لم أكتبها؛ لأننى أوَدُّ جَمعها فى كتاب، ولكنْ يشاءُ القَدَرُ أن أفتح خزائن الأسرار حوزتى وأقدّمها لمَجلتى «روزاليوسف» هدية لرئيس التحرير الابن الغالى «أحمد الطاهرى».

وسوف أبدأ بآخر قائد تقابلتُ معه بَعد رحلة شاقة للبحث عنه؛ لأنه لم يتبَقَّ من أسماء قادة الاجتماع سواه، وبَعد مشوار طويل  ساقنى القدَرُ إليه فى عام 2000م، واستمرت اللقاءات معه حتى عام 2002م؛ حيث وافته المنية بعد هذا التاريخ، وبعد أن منحنى أوراقًا بخط يده بها بعض من مذكراته الذى كان يأمل أن يجمعها فى كتاب، لكن الصحة خانته ولم يقدر على استكمالها وقال لى إنها من نصيبك، قمت بنشر أجزاء من حياته العسكرية، لكنْ ظل الجانب الآخر من حياته يطاردنى لأهميته وإنسانيته والأهم تلقائيته وصراحته، بالطبع لم يأمن لى هذا القائد العظيم إلّا بعد رحلة اختبارات وضعها لنفسه لاختبارى فى عدة مواقف، بَعدها اتصلتُ بى السيدة «فاطمة»، وهى ابنة عمّه، التى كانت تباشر السؤال عنه هى وأسرتها وأخبرتنى بأن أذهب إلى القائد العظيم لأنه سوف يتحدث معى، وبالفعل ذهبت، ولكن أتعلمون إلى أين؟ ومَن هو هذا القائد العظيم؟. 

اللواء «إبراهيم كامل» قائد منطقة البحر الأحمر فى حرب أكتوبر..

وجدته فى أحد أجنحة «مجمع الجلاء»، الذى خصص للمُسنّين من ضباط القوات المسلحة يرتدى روبه فوق البيجاما.. وجهه مريح، لكنه صارم، وقابلنى بنظرة حادة متسائلًا بدورى علىَّ ليه؟ فقلت له: لأن حضرتك القائد العسكرى الوحيد من قادة حرب أكتوبر الذى لم أتحدث معه.

هذا القائد الذى لم يعرفه الكثيرون رُغم أنه بعد الحرب وتأدية واجبه فى ميدان المعركة بمنطقة شائكة الأحداث، تقلّد أيضًا منصب محافظ مَرسَى مطروح لمدة أربع سنوات من 76: 1980م، وبعد أن أنهَى ما يمكن أن يعطيه لبلده، كان عليها رَدّ الجميل لهذا القائد الذى لم تكن له زوجة أو أولاد يقومون برعايته، لكنْ سوف أترك العَنان لمذكراته لكى تتحدث عنه؛ حيث كتب عنوانًا بإحدى أوراقه (الموقف الاجتماعى)، وقال: قام المشير عبدالحليم أبوغزالة نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع والإنتاج الحربى القائد العام للقوات المسلحة بوضع حجر الأساس لتأسيس دار الرعاية الاجتماعية لضباط القوات المسلحة- دار مُسنين بفندق الجلاء حاليًا- وذلك فى عام 1982م، ونظرًا لظروفى العائلية والاجتماعية الخاصة؛ فإنه ليس لى زوجة ولا أولاد، وأخى الوحيد القبطان «محمد كامل» نائب رئيس هيئة القنال سابقًا هاجر إلى بلجيكا مع زوجته، وأصبح العائل الوحيد لى هو ماضى خدمتى الطويلة بالقوات المسلحة وهى ستة وثلاثون عامًا ونصف العام خدمة صافية أعطيت خلالها الكثير من المناصب القيادية التى على مستوى المسئولية فى ظروف مهمة من تاريخ مصر العزيزة، ثم نالنى شرف الخدمة فى المجال السياسى لمدة أربع سنوات محافظًا لمطروح بعد قيادتى لقوات حرس الحدود بعد حرب أكتوبر، وتحديدًا عام 1974م حتى 1976م.

ويقول فى مذكراته: «كان افتتاح هذه الدار بسمة أمل لى وأمنية كنتُ أتمناها لكى أعيش الماضى فى صورة أخرى، صورة الأخذ والرعاية دون عطاء محاولًا أن أصنع من هذا الوضع حاضرى ومستقبلى باحثًا عن الأسرة البديلة، ولذا كنت أول المتقدمين إلى هذه الدار بطلب رقم واحد / إسكان 87، وكنت مستوفيًا الشروط طبقًا للائحة، وقامت إدارة النوادى بالتصديق بعد استطلاع رأى إدارة شئون الضباط والجهات الأخرى المَعنية، وبدأتُ الإقامة فى هذه الدار اعتبارًا من شهر يونيو 87م، وبدأ مشوار الأمن والأمان والاستقرار والإحساس بالأسرة بقدر ما سمحت به الإمكانيات المتيسرة».

وهنا سألته سؤالًا فى أحد لقاءاتى معه وبعد أن قرأت مذكراته التى خصّنا بها بخط يده: لماذ لم تتزوج؟

قال:  «أنا أصبتُ بالعُقم بسبب البلهارسيا، ولكنْ وأنا فى رتبة العقيد كان لدىّ بعثة لروسيا وكان يجب أن أكون متزوجًا حسب الشروط، وبالفعل تزوجت من سيدة تدعى «هيام» بعد أن عرفت أهلها حقيقة أمرى واستمر زواجنا لمدة 17 عامًا ثم زاد حنينها للإنجاب، وتركنا بعض بكل المودة والاحترام بعد أن أخذنا ثلاث سنوات تفكير فى الطلاق حتى تم، وحصلت على كل ما تستحقه من نفقة ومؤخر وبعض الأشياء مثل النجف والسجاجيد، ولكنها رغبت فى (الديب فريزر) وقالت لى إنها ستردّه لى بعد أن تشترى آخر، وكتبتْ على نفسها وصل أمانة حتى استرداده، رفضتُ الإيصال، ولكنها أصرت وقالت إن واجب زوجها الجديد أن يحضر لها هذا، وقد تزوجت من مستشار وجاء يسألنى عن سبب الانفصال وقلت له حقيقة الأمر وإننى كنت أعيش معها حياة مريحة، وشكرنى وقبَّلنى، وبعد عام اتصلت بى وأخبرتنى أنها أنجبت ولدًا أسمته «شريف»، فذهبتُ أبارك لهما ووضعتُ إيصال الأمانة الخاص بالديب فريزر فى ملابس المولود كهدية لهم، وقد أنجبتْ ابنة أخرى أسمتها «شيرين»، وكانت هى وأسرتها يسألون عنّى من وقت لآخر حتى الآن، كان عمرى وقت أن تزوجتها 40 عامًا وهى تصغرنى بـ 12 سنة، يعنى كان عمرها 28 سنة، وكانت الدولة تمنح أقارب الدرجة الأولى للمجندين والضباط على الجبهة فى سنوات الحرب وظائف؛ حيث كانت الدولة هى التى تقوم بتعيين كل الخريجين وحتى تؤمن أسَر المقاتلين ولا تجعلهم ينشغلون بأحوال أسرهم وهم على خط النار، ولذلك عُيّنَتْ «هيام» فى وظيفة بسببى».

وضحك وقال لى: «أنا لا أحب أن أذكر عمرى، ولكنى قلت لك أنا تزوجت متى من عمرى الذى لا أحسبه إلّا بالتحاقى بالكلية الحربية الذى كان عام 1940م، وكنت قد قضيت عامًا بكلية العلوم جامعة القاهرة، لكن كنت بعد أن أخذت التوجيهية تقدمت للالتحاق بالعسكرية الذى كان وقتها يجب أن يكون لدىّ واسطة  ولم أُقبَل، وبعد عاميْن ذهبتُ أنا وأصحاب لى وقدّمنا مرّة أخرى وكانت المفاجأة أننا قُبلنا دون واسطة، وفى عام 48 تطوّعت فى حرب تحرير فلسطين وكنت ضمن وحدة الميكانيكا، وهى القوة الخفيفة التى كان قائدها القائمقام البطل «أحمد عبدالعزيز»، وقد تمكنتْ قواتُنا من إحراز تقدُّم لولا مؤتمر جنيف الذى عُقد عام 49  فطلب منّا الانسحاب تحت إشراف هيئة الأمم المتحدة ونالنى شرف الحصول على نوط (الجدارة الذهبى) عن هذه الفترة، كما أننى تقابلتُ مع «جمال عبدالناصر» والرائد «كمال حسين» الذى كان صديقى».

وأضاف: «لأننى كنتُ طول عمرى أعزب وكنت أسكن بشقة فى 6 شارع الفسطاط، طلب منّى «كمال حسين» وهو من قيادات الصف الأول للضباط الأحرار ومعه «بغدادى والسادات وصلاح سالم وعماد رشدى»، فكانوا يطلبون منّى أن أترك لهم الشقة للاجتماع وأعود عندما ينتهون، وعرضوا علىّ المشاركة يوم ثورة يوليو بأن أذهب إلى أحد المطارات لتأمينها وأمنع بعض الشخصيات من الدخول للسفر للخارج هروبًا، ولكنى رفضت، فقالوا لى: طيب (الزم مكانك فى البيت ولا تتحرك)، كنت مؤمنًا بما يعملون، ولكنى شخصية عسكرية غير ثورية مثل شخصية الرئيس «محمد نجيب»، ولذا أعيب عليه الدخول فى المعترك السياسى تحت عباءة الثورة، وهى شخصية بعيدة كل البُعد عن مقومات الشخصية الثورية التى يمنحها الله لبعض الشخصيات، ولذا كانت قراراته متخبطة وأراد أن يتعامل مع الثورة بردّه وتحالف مع بعض القوى السياسية الرجعية وعلى رأسها الإخوان، فاتخذت قيادات الثورة موقفًا منه وجمّدوه وعزلوه عن أى منصب سياسى».

ونواصل مذكرات اللواء «إبراهيم» من واقع كالدينار بخط يده فيقول: «لقد اشتركت فى حرب اليمن لمدة ثلاث سنوات وكنت قائد الكتيبة 11، وذلك عام 62: 65، وكانت مجموعته التأمينية تحمل اسمى (مجموعة إبراهيم كامل) ورقم كودى 555 مهمة تطهير وتأمين محور الجوف - الخنجر)، وأتحدى أى ضابط شاف اللى شفته من الصنعاء للجوف وتأمين الحديدة».

وتحت عنوان (أرض الوطن) كتب يقول: «بعد عودة القوات المسلحة من اليمن عُينت قائدًا للواء 113 مشاة بالشلوفة ضمن التجمع التعبوى للمنطقة العسكرية الشرقية فى عام 66 للتدريب، وقد تَحرّكنا فى 16 مايو إلى وسط سيناء، وفى عام 1967م كنتُ  قائد اللواء فى الكونتللا وكانت الضربة الجوية المفاجئة جعلت الفرقة السادسة مشاة تنسحب فقال لى الفريق «عبدالقادر حسن»: خليك هنا لغاية ما أرجع.. وانسحبوا جميعًا حتى يوم 9 يونيو، وبعدين بافتح  الراديو لقيت الرئيس «عبدالناصر» بيقول حقيقة الموقف وأبعاده، وبعد تقديرى للموقف سريعًا، بلغت قادة الوحدات الفرعية  وكان معايا العميد «وفيق أحمد على» من المظلات، فجمعنا القوة وكنت وقتها أنا عميد ومشينا وماحدش قال لنا رايحين فين، ولكننا عملنا استطلاع لغاية  (متلا)  وكان الجيش واقفًا فذهبت أفتح الممر، وكان ذلك 12 يونيو من 7 ص واحنا على الأرض وانسحبت لغاية (دهشور)، وكان اللواء بتاعى بالكامل ومنهم 140 كيلو مشيًا على الأقدام، وكانت المسافة كلها 340 كيلو، فتم نقلنا بالعربات لمسافة 200 كيلو، وقد أطلق الإسرائيليون علينا (اللواء الأحمر) بعد ذلك دفعونا لخط القناة،  ورُغم ظروف حرب 67؛ فإننى أرى أن اللواء الذى كنت مسئولًا عنه قام بواجبه فى إحباط هجمات العدو وبخسائر طفيفة فى الأفراد والمعدات.

 انتصرت بنا الأمّة العربية.. وستسالم بنا ومعنا طوال الوقت

تحت هذا العنوان كتب القائد العظيم  (إبراهيم كامل) فى مذكراته: «يسعدنى أن خلال مدة خدمتى بالقوات المسلحة أعايش، بل أشارك فترة التجميع والإعداد والاستعداد والتجهيز لمعركة نصر أكتوبر، ولقد كان السلام مستحيلًا بين مصر وإسرائيل وبعد نصر أكتوبر 73 أصبح حقيقة واقعة وممكنا وأصبح سلام الأقوياء».

ويذكر أنه كان قائد الفرقة 19 مشاة فى عام 69 حتى عام 71، وهى سنوات معركة التحرير، وكان هدفنا رفع كفاءة الاستعداد القتالى والتركيز على التدريب؛ خصوصًا فتح الثغرات تحت النيران ودفع القوة للمعارك التصادمية، ولذلك أحجمنا وحاربنا وعبرنا،  وبعد ذلك عُينت رئيسًا لأركان المنطقة العسكرية  المركزية خلال عام 71 حتى نهايته، وكنت مكلفًا بتأمين المناطق الحيوية مثل الكبارى والمبانى، ثم بعد ذلك عُينت قائدًا لمنطقة البحر الأحمر العسكرية من عام 72 : 74، وكانت المهمة لهذه المنطقة فى حرب أكتوبر هى تجميع قوات مناطق البحر الأحمر من السويس شمالًا إلى حلايب جنوبًا ومهمتها التعاون مع القوات الجوية والدفاع الجوى والبحرية لتأمين منطقة البحر الأحمر، ولقد قمتُ بتشكيل مجموعة عمليات فى البحر الأحمر لتنفيذ أعمال هجومية فى منطقة جنوب سيناء، وذلك أثناء القيام بالعملية الهجومية الاستراتيجية (بدر) بواسطة مركز عمليات البحر الأحمر فى اليمين والجيش الثالث فى الوسط والجيش الثانى فى اليسار، وكان الاحتياطى العام فى المنطقة المركزية، ولقد عبرت مجموعتى ووصلت إلى (عيون موسى) وبعدها صدر أمر وقف إطلاق النار».

وهنا وقف أيضًا مدادُ قلم البطل العظيم لحرب أكتوبر  الذى زحف من البحر الأحمر إلى سيناء وأسْلم أيضًا روحَه فى عام 2004م، بعد أن قدَّم حياته لوطنه وروى لنا ما كان يجيش به صدره.. فسلامًا لروحه الطاهرة البارّة بوطنها، ولتظل ذكراه العَطرة معنا على الدوام.