الأربعاء 28 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

محاكمة أحمد مراد!

ثارت حالة كبيرة من الجدل خلال الأيام الماضية حول غلاف مجلة «عالم الكتاب»، عدد سبتمبر الجارى، الذى تتصدره صورة للروائى أحمد مراد، إذ رأى البعض أن الغلاف أشبه بـ«بوستر دعائى» للكاتب ودار النشر، وبدأ الهجوم على المجلة وسياستها التحريرية، باعتبار أن ذلك هو اعتراف من مجلة تابعة لوزارة الثقافة بنوع ردىء من الأدب، ما يُساهم فى إفساد الذوق العام.



فيما اتجه آخرون للاحتفاء بالغلاف الذى يحمل صورة كاتبهم المفضل، مستنكرين حالة الهجوم عليه، فيما أصدر رئيس تحرير المجلة، د.زين عبدالهادى، بيانًا يُعلن فيه أن الهجوم الموجّه للغلاف سببه الغيرة من المبيعات الكبيرة التى يحققها مراد، ما زاد حالة الغضب.

 

لم تستمر حالة الجدل كثيرًا حتى أعلن عبدالهادى تعديل الغلاف ليضم عددًا من العناوين والملفات التى يتضمنها العدد جوار صورة «مراد»، مشيرًا إلى أن الغلاف الذى تم نشره كان مبدئيّا. 

ربما ساعد ذلك فى هدوء حالة الهجوم على المجلة.. لكنه قطعًا لا ينهى حالة الجدل حول «أحمد مراد».. وفى السطور التالية نستعرض عددًا من الآراء حول الأدب الاستهلاكى بشكل عام وأعمال «مراد» على وجه الخصوص. 

قال د.شريف الجيار، أستاذ النقد والأدب المقارن بآداب بنى سويف، إن روايات أحمد مراد تجسد حالة تمزج بين التاريخى والفانتازيا، من خلال سردية رشيقة تجذب عددًا كبيرًا من الجماهير، مشيرًا إلى أن ذلك يظهر بوضوح فى روايتيه: 1919، أرض الإله، بينما تأتى روايته الأخيرة «لوكاندة بير الوطاويط» فى مستوى فنى أقل كثيرًا.

وعن سبب الانتشار الذى تحققه روايات مراد، أوضح الجيار أن أحد العوامل التى تسببت فى ذلك بشكل كبير كان ظهور روايته على شاشة السينما، وهو ما دعم مراد تسويقيًا بشكل كبير؛ لأن رواياته تحتوى على عناصر التشويق التى تجذب المُشاهد والقارئ، وتحقق لهما المتعة والتسلية، مضيفًا:«لا يمكن الحكم بشكل كامل على تجربة مراد الآن، خصوصًا أن تجربته وأعماله ليست على وتيرة واحدة بين الصعود والخفوت فنيًا».

يرى أستاذ النقد أن حالة الجدل التى تثار دائمًا حول روايات مراد أمر طبيعى تجاه ما يسمى بـالرواية التفاعلية، موضحًا: «الرواية بشكل خاص تتحمل أشكال الإجادة والتجريب؛ لأنها تستوعب جميع أنواع الفنون الأدبية، بالتالى تحتاج كاتبًا يمتلك رؤية وموسوعية وقدرة على بناء نص مكتمل، وفى حالة مراد ليس كل منتجه جيدًا؛ لكننا لا نستطيع الحكم على تجربة لا تزال غير مكتملة بعد.. كما يحتاج مراد لاختمار أفكاره التى يطرحها.. لكنه فى النهاية ظاهرة تستحق التناول ولا يمكن تجاهلها».

فى السياق نفسه، يرى د.حاتم حافظ، أستاذ المسرح بالمعهد العالى للفنون المسرحية، ورئيس تحرير مجلة فنون، أن هناك ميلًا لتجاهل التصنيف بين الأدب الرفيع والاستهلاكى، بالإضافة لغياب النقد الحقيقى نتيجة البحث السريع للمواقع الصحفية عن الخبر والتصريح السريع ما لا يعطى الوقت الكافى لظهور نقد محكم للأعمال التى تنتمى لفئة الأدب الاستهلاكى، بالإضافة إلى أن هناك مشكلة فى غياب النقد بشكل عام، مشيرًا إلى أن ما يكتبه أحمد مراد يعتمد بشكل أساسى على الحبكة فقط ما يجذب جمهورًا معينًا من القراء، لكن قراء ذلك النوع من الأدب الاستهلاكى يظنون طوال الوقت عدم وجود أشكال وأنماط أدبية أخرى، وذلك يرجع لقلة خبرتهم بالقراءة.

يشير حافظ إلى أن تجربة أحمد مراد والأدب الاستهلاكى بشكل عام جديرة بالنقد: «الناقد ماينفعش يتجاهل ظاهرة أدبية لمجرد أنها خفيفة.. والصحافة دورها رصد الظواهر اللى موجودة فى المجتمع.. لكن أزمة غلاف عالم الكتاب أنه ظهر وكأنه بوستر دعائى.. فكانت أزمة على المستوى البصرى بشكل مبدئى».

كل كاتب يختار جمهوره

ويضيف:«المقارنة بين الكتاب على أساس عدد القراء أمر غير منطقى ومضلل، لأن كل كاتب يختار جمهوره، والشيء الوحيد اللى يمكن الحكم على الأشياء من خلاله بعدد الأصوات هو الانتخابات فقط، فمثلًا نجد أن كافكا لم يحقق شهرة أو نجاحًا جماهيريًا فى حياته، لكن أعماله حققت نجاحًا كبيرًا بعد رحيله، بالإضافة لأننا لا نملك أرقامًا رسمية أصلًا عن حجم مبيعات الكتب فى مصر، ما يجعل الأمر محلاًّ لتلاعب الكثير من دور النشر بعدد طبعات وأرقام وهمية تجذب القارئ عديم الخبرة». 

قال هشام أصلان، نائب رئيس تحرير مجلة إبداع، إنه لا يعيب الكاتب انتشار أعماله بين شريحة معينة من المراهقين مثلًا، فأحمد خالد توفيق حقق نجاحًا كبيرًا من خلال رواياته التى يقدمها لفئة عمرية معينة، مشيرًا إلى أن ما تم استنكاره على غلاف مجلة عالم الكتاب هو ما ظهر من حالة احتفاء غير منطقية بـ«مراد» ومن دون مناسبة، موضحًا:«استفزاز صورة غلاف عالم الكتاب ليس بسبب صورة مراد فقط، لكن لاستغراب تلك الحالة من الاحتفاء بأى كاتب أيًا كان، لكن فى الوقت نفسه هناك البعض ممن يحاولون التكريس لفشل أحمد مراد نجد منتجهم الأدبى أقل منه على المستوى الفنى».

أضاف أصلان:«كون الكاتب بيست سيلر لا يعنى ذلك على الإطلاق عدم تحقق الجودة فى أعماله، فماركيز حقق انتشارًا واسعًا، وخيرى شلبى لا يزال من الكتاب الأكثر مبيعًا إلى الآن، وفى النهاية كل شخص له الحق فى كتابة أى شىء.. والتاريخ سيحكم فى النهاية». 

من جانبه قال سامح فايز، مدير تحرير مجلة عالم الكتاب، أنه يرى الهجوم على أحمد مراد غير مبرر، خصوصًا أن الأصل فى الأدب التسلية والمتعة، مشيرًا إلى أن حالة الجدل التى حدثت على غلاف المجلة تظهر بشكل واضح حالة الجمود التى يعانيها المشهد الثقافى، منذ سنوات، حيث أصبح هناك مجموعات ثقافية موازية لما يسمى بالمشهد الرسمى، مضيفًا:«أحمد مراد ظاهرة بقالها أكثر من 13 سنة نتجت عن ظروف مغايرة تمامًا وظلت مستمرة.. لذلك لا يمكن تجاهلها.. ودورى كصحفى تناول الظاهرة.. وده بيختلف عن دور الناقد».

غلاف دعائى 

كان المبرر الذى أعلنته هيئة تحرير عالم الكتاب لتصدر أحمد مراد لغلافها هو بيعه مليون نسخة من روايته الأخيرة «لوكاندة بير الوطاويط»، فى حين أن سامح فايز فى كتابه «Best Seller: حكايات عن القراءة» أكد عدم وجود أى أرقام رسمية عن حجم مبيعات الكتب فى مصر وسوق النشر.. يرد على ذلك قائلًا:«بالطبع لا توجد أرقام رسمية لكن نستدل عن حجم انتشار كاتب من خلال بعض مؤشرات منها جروبات القراءة على فيس بوك.. فمثلًا جروب «عصير الكتب» الذى يحتوى على 2 مليون مشارك يعد مؤشرًا، بالإضافة للتواصل مع المكتبات ودور النشر بشكل مباشر، لكن فى النهاية الأرقام تقريبية؛ لأن ذلك هو المتاح».

وعن ظهور غلاف المجلة بشكل دعائى سواء لأحمد مراد أو دار الشروق، قال فايز: «وهل أحمد مراد أو الشروق فى حاجة لدعاية؟.. وهذا ليس تقليلًا من شأن المجلة.. ولكنه اعتراف بالأمر الواقع.. ولا يمكن تجاهله أو التعالى عليه». 