الأربعاء 30 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

الإعلامى التونسى «لطفى البحرى»: طالت الغربة فى حياة بليغ حمدى

فى مثل هذا اليوم، منذ 27 عامًا، وفى مستشفى (جوستاف روسيه) على أطراف العاصمة الفرنسية، باريس، رحل الموسيقار «بليغ حمدى» بعد أن قضى نحو 35 عامًا عاكفًا فى محراب الفن، ليقدم موسيقى مختلفة، بث من خلالها روح الشباب فى صوت «أم كلثوم» بعد أن غنت من ألحانه (الحب كله، وألف ليلة وليلة) وغيرهما من الأغنيات.



 وأخرج «شادية» من عباءة الأغانى الخفيفة، فقدمت معه أغانى وطنية، وعاطفية لم تعتد تقديمها من قبل، وكون مع «عبدالرحمن الأبنودى» ثنائيًا استطاع الدفع بـ«محمد رشدى» إلى مقدمة الغناء الشعبى، كما منح «عبدالحليم حافظ» مساحة للتنوع لم يجدها مع غيره من الملحنين، لكنه ورغم كل هذا النجاح الصاخب أنهى حياته حزينًا، بعد أن استوطن السرطان فى جسده النحيل، لكن الحزن ليس سببه مرضه اللعين وحده، وإذا كان تاريخ وفاته المعلن هو 12 سبتمبر 1993، فالحقيقة أن وفاته سبقت هذا التاريخ بسنوات، وتحديدًا فى ديسمبر عام 1985، حينما قفزت المغربية «سميرة مليان» من شرفة شقته عارية، فمنحته حكمًا بالحبس سنة بتهمة هو برىء منها، ومنحته عارًا ظل يلاحقه حتى بعد عودته إلى مصر، وحصوله على حكم البراءة قبل رحيله بثلاث سنوات، لذا فقد كان يجيب فى سنواته الأخيرة عندما يُسأل عن أحواله (عايش من قلة الموت)  وبهذه المناسبة، ننفرد بحوار مع الإعلامى التونسى «لطفى البحرى» صديق «بليغ» المقرب، ورفيق رحلة المنفى والمرض، والشخص الذى وكلت إليه مهمة نقل النوت الموسيقية، والألحان للفنانين داخل مصر، عندما لم يكن هو يستطيع الحضور، لتظل ألحان «بليغ» حاضرة حتى فى غيابه، وإلى نص الحوار:

>كيف بدأت علاقتك بـ«بليغ» رغم فارق العمر بينكما، وكيف حافظت على استمرارها حتى رحيله؟

- معروف فى تونس أنى أصغر مذيع فى العالم العربى، حيث دخلت الإذاعة وعمرى ست سنوات، وعندما أتممت التاسعة كان عندى برنامج إذاعى أقدمه، وفى سن الرابعة عشرة أصبح لدىّ برنامج تليفزيونى، وكنت فى الوقت نفسه ضمن كورال الأطفال فى الإذاعة والتليفزيون، وكانوا يقومون بتدريبنا على الأغانى والموشحات والأدوار، ومن ضمن الأساتذة الذين قاموا بذلك الموسيقار التونسى «محمد التريكى» وكان صديقًا مقربًا من «بليغ»، ومعجبًا به وبألحانه، ودائمًا ما يقوم بتدريبنا عليها، فانتقل لى حبه دون أن أشعر، وظل «بليغ» فى بالى، وفى فكرى حتى عام 1969، عندما حضرت «أم كلثوم» إلى تونس لتحيى حفلاً، واختارونى لأن أقدم لها الورود عند وصولها الفندق، عرفت يومها أنه من ضمن الضيوف، فطلبت مقابلته، وأخذت أقص عليه عشقى لألحانه، وحبى له، ولأنى كنت لا أزال طفلاً وقتها، كنت أرغب أن أقول له كل ما بداخلى بسرعة، فابتسم وطلب منى أن أهدأ، وأجلسنى بجواره، ثم أخذنى إلى غرفة «أم كلثوم» وقال لها: (اسمعى بيقول إيه عن ألحانى) ومن يومها تعددت اللقاءات، وأصبح بمثابة أخى الكبير، وأحيانًا كثيرة أشعر أنه ابنى، فقد كان يحمل براءة وصدق الأطفال حتى توفى فى عمر 61 عامًا، وقد كان يستشيرنى فى كثير من أموره، ويستشعر حبى الصادق تجاهه، وفى أحد اللقاءات فى القاهرة قال له «عبدالوهاب»: (امسك فى الولد ده بإيدك وسنانك.. ماحدش بيحبك زيه).

> احكِ لنا عن زياراته لتونس  وعلاقاته بالجمهور التونسى؟

- زيارات «بليغ» لتونس كثيرة جدًا، فقد جاء مع «عبدالحليم، ومحمد رشدى» وعندما تزوج من «وردة» اُستقبل بصفة رسمية من قبل القصر الجمهورى، فقد كان الرئيس «الحبيب بو رقيبة» يقدره جدًا، وفى الحقيقة قيمة «بليغ» فى تونس كبيرة جدًا، ولدينا إحساس كبير إنه (بتاعنا وحته مننا) وقد كان يبادلنا نفس الشعور.

> من المعروف أن «بليغ حمدى» لا يحب اللقاءات الإذاعية أو التليفزيونية، كيف رضخ لأن تحاوره بسهولة وما أبرز ما جاء فى حواراته المسجلة معك؟

- بالفعل، فقد كان مقلاً جدًا فى الحوارات الإذاعية والتليفزيونية، ليس لأنه لا يمتلك ما يقوله، لكنه كان مثل الأطفال، يخشى المسئولية، ويعلم أن كل كلمة ستقال ستسجل فى تاريخه، فكان يحب أن تتحدث أغنياته عنه، أما عن الكيفية التى تمكنت من خلالها تسجيل أكثر من حوار معه، فلم أكن أطلبها منه بطريقة مباشرة، فمثلاً عندما كنت آتى إلى القاهرة، كان يستضيفنى فى منزله، وكنت أنام فى الغرفة المجاورة له، فكنت أكتب له ورقة صغيرة وأضعها بجانبه وهو نائم، أو (أسلط) عليه شقيقته «أبلة صفية» لكى تقنعه، فلم يكن يرفض لها طلبًا، أو أجلس معه بعد الغداء، بينما نحتسى الشاى سويًا، وأستفزه فى نقاش ما حول موضوع أعلم تمامًا أنه يرغب فى الحديث عنه، ويلتقط هو رغبتى فى تسجيل الحوار، فيقول مبتسمًا: (اجرى أجر كاميرا من عند جميل المغازى وتعالى صور معايا) فقد كان حينها «المغازى» من أوائل المخرجين الذين يمتلكون شركة إنتاج، ويقومون بتأجير الكاميرات لمن يحتاجها، وهنا يجدر الإشارة إلى دوره فى حياة «بليغ» فقد كان من أعز أصدقائه، وعندما كنت أذهب له لأستأجر كاميرا كان يرفض أن يتقاضى منى أى أجر، ويقول: (هو أنت حيلتك حاجة، روح صور اللقاء وهاتها بسرعة) فقد وقف بجانبى كثيرًا فى بداياتى.

• علاقته بـ«وردة» علاقة خاصة جدًا، ورغم ما ذكرته الصحافة أن طلاقهما كان سببه علاقته بمطربة أخرى فإن علاقتهما لم تنقطع حتى رحيله، فى رأيك ما السبب، وهل كنت شاهدًا على محاولات تمت لعودة حياتهما الزوجية؟

- «بليغ» لم يحب  سيدة كما أحب «وردة» وهى أيضًا لم تحب فى حياتها غيره، وليس كما كان يشيع أصحاب النفوس الضعيفة بأن علاقتهما كانت  قائمة على المنفعة، وأنها تزوجته ليلحن لها، فقد غنت من قبله من ألحان عمالقة مثل «رياض السنباطى، ومحمد عبدالوهاب» لكن علاقتهما كانت أكبر من ذلك بكثير، وقد حافظا بعد طلاقهما على الاحترام والتقدير فيما بينهما، وكان بينهما عاطفة وحنان كبيران جدًا، لم يتأثرا بالطلاق، وقد كانت دائمًا توصينى عليه، وتسألنى عن أحواله، وعن احتياجاته لكى تلبيها له، خاصة فى سنوات غربته عن مصر، فقد كانا يتحدثان بشكل شبه يومى، وعندما كانت تحدثنى كانت تقول لى: (غطيه كويس وهو نايم، اهتم بأكله) وما إلى ذلك من نصائح لا تخرج إلا من قلب محب، أما بخصوص طلاقهما الذى تم بسبب وجود مطربة أخرى فى حياته، فهذا الأمر منافٍ للحقيقة تمامًا، فكل ما فى الأمر أن «بليغ» رجل بوهيمى، و«وردة» سيدة تربت على الثقافة الفرنسية المنضبطة، فقد كانت تقدس المواعيد وتحترمها، وهو أمر لا يقيم له «بليغ» وزنًا، وبالتالى تحملت هذه الحياة 7 سنوات، ثم طلبت الطلاق بهدوء، ورغم انفصالهما، فإن العلاقة الإنسانية بينهما ظلت كما هى، وحتى علاقتهما فنيًا لم تتأثر بالانفصال، ومع ذلك لم يحاولا الرجوع عن قرار الانفصال مطلقًا، وفى إحدى المرات تصدّر غلاف الكواكب صورة تجمعهما كان عنوانها (عودة بليغ ووردة إلى عش الزوجية) وعندما شاهدا الغلاف ضحكا، ولم يعلقا على الأمر.

> منذ عام 1985 وتحديدًا بعد حادثة «سميرة مليان» أدار الزمن وجهه لـ «بليغ» لكنك رافقته فى منفاه، احكِ لنا عن حياة «بليغ» فى باريس، كيف كان يقضيها؟

- كان يسمى السنوات الخمسة التى خرج فيها من مصر ولم يتمكن من العودة إليها (سنوات الهجرة) كان يشعر خلال تلك السنوات بألم ووجع كبير، وكان يقضيها ما بين باريس ولندن، ومنزلى فى تونس، وأحيانًا كنا نذهب سويا إلى اليونان، ليلتقى ببعض المطربين  لتسجيل الأغنيات فى الاستديوهات هناك، لعدم تمكنه من الدخول إلى مصر، وهو ما كان يتم أحيانًا فى تونس أيضًا، أما فى باريس فقد كان يداوم على زيارة المتاحف، ومشاهدة عروض الأوبرا، مرتين فى الأسبوع على الأقل، وكانت تأتى له دعوات لكبار المطربين، حتى مديرة الأوبرا فى باريس عندما تعرفت على هويته أصدرت لنا بطاقات تمكننا من دخول الحفلات دون دعوات، أو تذاكر.

> من الأصدقاء الذين داوموا على السؤال عنه، ومن منهم أدار ظهره له؟

- لا أرغب فى ذكر أسماء من أداروا ظهرهم له رغم أنه كان سببًا فى نجوميتهم، فقد كان يحزنه هذا الأمر كثيرًا، لكن هناك عددا كبيرا من الأصدقاء كانوا يداومون على  السؤال عنه، منهم على سبيل المثال: «جميل المغازى، وعبدالمنعم سعد، سعد الدين وهبة، محمد عبدالوهاب، شادية، سهير البابلى، ويسرا» وجميعهم وقفوا بجانبه، وعرضوا عليه المساعدة بصدق.

> ومَنْ مِنْ بين زملائه من الملحنين كان يسأل عنه؟

- كان «حلمى بكر» يتحدث معه هاتفيًا بالساعات، وكان يواسيه، ويلقى عليه النكات بخفة دمه المعهودة، وللعلم لم تكن العلاقة بينه وبين ملحنى عصره تنافسية على الإطلاق، فقد كان يحضر البروفات معهم، ويبدى رأيه فى أغانيهم، وهم يبادلونه نفس الأمر، وعندما سألته فى أحد لقاءاتى معه ما الأغنية التى لحنها غيرك، وكنت تتمنى أن تلحنها أنت قال لى (أغدا ألقاك) لـ«عبدالوهاب» (وسلو قلبي)لـ«السنباطى».

> لم يتوقف إبداع بليغ رغم عدم قدرته على دخول مصر وكنت شاهدًا على هذا الإبداع لأنك كنت تجلب النوتات الموسيقية للفنانين فى القاهرة. احكِ لنا عن هذه الوقائع؟

- بالفعل كُتبت أغنية (وحشتينى يا مصر)  فى منزلى بتونس، ويقول مطلعها: (رغم البعد عنك عمرى ما هنسى إنك أمى وإنى ابنك وإنى حتة منك) وسجلها بصوته هناك، وطلب منى أن آخذ التسجيل والنوتات الموسيقية لـ«عفاف راضى» فى مصر لتغنيها فى حفلة أقيمت بمناسبة انتصارات أكتوبر، وليس هذه الأغنية الوحيدة التى كنت شاهدًا على خروجها إلى النور، ففى إحدى المرات جاءنا إلى تونس أحد أصدقائه، واستقبلناه وأكرمناه، وفوجئنا بعدها أنه سجل حديث «بليغ» وهو «يشتم» نظام «مبارك»، وأوصل التسجيل إليهم، فكتب بعدها أغنية (طالت الغربة) التى يقول فيها (زى الزمن طبعه الخيانة، زى الزمن خان الأمانة) وأهداها لكل من خان عشرته، أما أغنية (بودعك) فقد كتبها يوم عيد ميلاده، عندما نسيت «وردة» موعده، ولم تتصل لتهنئه، ولم يكن مطلع الأغنية كما سمعها الناس، ولكن كانت (كتبت لك زى الليلادى فى يوم ميلادى غنوة لك..أفكرك بموعدك) وبعدها تحدث عن الوداع، وقد كان يشعر أنه سيموت قريبًا.. وبخلاف الأغنيات التى كنت شاهدًا على كتابتها، فقد ذهبت معه إلى ليبيا، فى عيد الفاتح، بدعوة من «القذافى» ولحن أوبريت غنى فيه كل المطربين العرب تقريبًا، وحقق وقتها نجاحًا مدويًا، فقد كانت المزيكا حياته.

> الإنجاب هو أكثر شيء تمناه «بليغ» ولم يستطع تحقيقه، ماذا كان يقول لك عن هذا الأمر؟ ومن الشخص الذى كان فى منزلة ابنه؟

- الإنجاب حلم أى رجل أو مرأة، وقد كان مؤمنًا بمشيئة الله فى هذا الأمر، خاصة أن هناك من عوضه عن ذلك، فقد كان يعتبر أبناء إخوته مثل أبنائه، ومن لا يعلم فهو من قام بتربية أبناء أخيه الأصغر الذى رحل عن دنيانا مبكرًا جدًا.

> هل هناك أغنيات لـ«بليغ» لم تر النور حتى الآن؟

- لا يوجد أغنيات كاملة منتهية، لكن يوجد ما أستطيع تسميته مشاريع غنائية لم تكتمل، فعندى (كوبليهات) بعضها لها نوت موسيقية، وبعضها مسجل بصوته على العود، أعتقد عددها أربعة أو خمسة.

> لماذا لا تظهر هذه المشاريع واللقاءات التى قمت بها معه إلى النور؟

- أنوى ذلك، وسيشهد عام 2021 ظهور هذه النوادر إلى النور.

> كنت معه فى رحلة مرضه الأخيرة فى باريس فما ذكرياتك عن تلك الفترة؟

- كان يشعر أنه لن يعود مجددًا إلى مصر، وقال لى فى الطائرة: (أنا مبسوط لأنى قدرت أرجع وأشوف مصر، لو مت مش مهم) والحقيقة أن ذكرياتى عن تلك الفترة مؤلمة جدًا ولا أرغب فى تذكرها، فقد كان هو من يهون على رغم مرضه.

>ما أحلام «بليغ» التى لم تتحقق؟

- كان يحلم بعمل مسرحية أوبرالية عالمية عن (إخناتون)، و تواصلنا مع مكتب «فرانك سيناترا»  فى نيويورك  بخصوص هذا الموضوع، ومع أوبرا  باريس، وعرض الرئيس «القذافى» التمويل، لكن للأسف لم يمهله القدر لإتمام مشروعه.

> فى رأيك هل ظلمنا «بليغ» ولم نعطه حق قدره؟

- التركيز على حادثة «سميرة مليان» واستغلالها فى محاولة فاشلة لمحو تاريخه الغنائى كله كان ظلمًا كبيرًا له، لكن فى رأيى أن الظلم داخل فى قانون اللعبة، ولا يوجد عبقرى لم يظلم بشكل من الأشكال، وظلم «بليغ» زاد من عبقريته، وإبداعه.>