الأربعاء 5 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

ديلڤرى فلاحى!

لم ينحصر الاهتمام بـ «الأكل البيتى» داخل القاهرة فقط، لكنه امتد ووصل إلى عواصم المحافظات ثم إلى القرى التابعة لها، ولم يعد مفروضًا على المرأة أن تلازم مطبخها لتقوم بإعداد كل شىء بذاتها؛ وإنما بقيت الكلمة العليا لروتين الحياة والظروف التى دفعت الكثير من النساء للعمل، فلم يُعد لديهن الوقت لصُنع الطعام، ما جعلهن يلجأن إلى شراء الطعام الجاهز، توفيرًا للوقت والجهد.   



فى المقابل واجهت فئة أخرى من النساء ظروفًا استثنائية جعلتهن يفكرن فى تأسيس مشروع خاص يُدر عليهن دخلًا يضمن بقاءهن فى المنزل مع أولادهن، فلم يجدن خيرًا من طهو الطعام المنزلى وتقديمه بأعلى جودة وأسعار مناسبة فى الوقت ذاته، ولم يقف بعضهن عند هذا الحد بل رُحن يتجهن إلى تنظيم الحفلات والعزائم الكبرى.

 

«دلّع كرشك».. مشروع «أسماء» بعد انفصالها

«من رحم المعاناة تولد القوة»..جملة لخّصت تجربة «أسماء حسن»- 26 عامًا-، التى قرّرت أن تؤسّس مشروعًا لـ «الأكل البيتى» منذ 5 أشهُر بعد انفصالها، تقول: «اتجوزت فى بيت عيلة وكنت بخدمهم كلهم، ولمّا انفصلت قالوا عليّا مبعرفش أطبخ وإن ده سبب طلاقى، التجربة دى خلتنى أطلّع الطاقة اللى جوايا بطريقة إيجابية وأفتح مشروعى»، مؤكدة أن طعامها كان ينال إعجاب أسرتها، وهذا ما دفعها لخوض التجربة بإرادة وثقة كبيرة.

اشتهرت المرأة العشرينية باسم «ذات»، تقطن فى قرية «الصف البلد» التابعة لمحافظة الجيزة، موضحة أنها اختارت «دلّع كرشك» ليكون اسم مشروعها: «الجملة دى كنت دايمًا بقولها لأمى وأبويا وأخويا لمّا بعملّهم وصفة جديدة وشهية أول ما فكرت قالولى يبقى اسمه دلّع كرشك، والحمد لله بقوم بكل حاجة لوحدى، وبحب أخترع فى الأكل وأحاول لحد ما أنجح والحمد لله الناس معجبة جدّا بالأكل ولقيت إقبال كبير منهم».

تخرّجت «أسماء» فى المعهد الفنى الصحى قسم نساء وتوليد عام 2012م، مشيرة إلى أن هناك كثيرين فى القرية يهتمون بشراء الطعام البيتى الجاهز: «العادات والتقاليد بتتغير من وقت للتانى، واللى بيجرّب الأكل مرّة مش بينسى وبياخد منّى دايمًا، الصعوبة اللى واجهتنى فى البداية طريقة تقديم نفسى للناس، وأعَرّفهم بعمل إيه، بابا وماما وأخويا ومراته بيشجعونى دايمًا، وكل الفئات بتاخد منّى  الأكل الحمد لله».. انفصلت المرأة العشرينية عن زوجها من 8 أشهُر. اتسعت شُهرتها فى عملها سريعًا وباتت تنظم العزائم الكبرى والحفلات: «بحاول قدر المستطاع  أوفّق بين أولادى وشغلى همّا 5 و3 سنين؛ لأن هو ده مصدر رزقى؛ لأن مليش شغل تانى، بعمل كل أنواع الأكل والمُعَجنات، أحلامى وطموحى ملهمش حدود، نفسى مصر كلها تعرف ذات وتدوق أكلها، نفسى أحس إنى نجحت فى حياتى، بعد ما انفصلت ده كان دافع قوى إنى أحقق ذاتى ويبقى ليّا كيان».

بدت الأمور مختلفة فى الريف؛ حيث لا تَقدر «أسماء» على الذهاب إلى المنازل بمفردها وقت العزائم، لذا تستعين بشقيقها فى توصيل الطعام وتقديمه للعملاء بشكل لائق: «لو عندى فرح أو عزومة كبيرة أوى مرات أخويا بتساعدنى، بعمل الأكل الحلو والحادق، العزومة الجاية فى مدينة 15مايو لـ 18 فرد، بشوف الأصناف اللى بيحبوها وبجهز قبلها بيوم، لو محشى بجهّزه، لو فيه حمَام بحشيه، مكرونة بشاميل بجهز اللحمة المعصجة، بحضّر صوص الأكل زى صوص الجبنة وسَلطة البابا غنوج وأعلبهم، وبنقى الخضار بنفسى، لازم يكون رقم 1».

وصل الطعام الذى تقدمه «أسماء» إلى أطفيح و15 مايو والمعادى والقرى المجاورة لها، موضحة أنها ترسل عاملًا (دليفرى) لتوصيل الطلبات للمناطق النائية عنها: «بيوصّل الأكل وهمّا بيحاسبوه، وفى ناس بتحس إن مصاريف التوصيل غالية وبتلغى الأوردر بعد ما بعمله بس الحمد لله بيتباع فى نفس الوقت».

«أمل» اتجهت لـ «الأكل البيتى» فى المنيا بسبب «كورونا»

بالتزامن مع بدء أزمة «كوفيد- 19» باتت الحياة أكثر قسوة، لم تستسلم «أمل شعبان» ولم تتردد فى مساعدة زوجها لسداد مصاريف الأقساط، حاولت البحث عن فكرة مشروع تضمن بقاءها فى المنزل لتتمكن من الاعتناء بزوجها وأطفالها، لم تجد خيرًا من «الأكل البيتى» الذى أثبتت فيه تفوقها، تقول: «بدأتها من شهر 3 مع أزمة كورونا بالظبط؛ لأن الظروف كانت صعبة معانا جدّا، والحمد لله الفكرة عجبت ناس كتير، وبعمل الأوردرات للموظفين وغير الموظفين».

تقطن «أمل» فى مركز «العدوة»، التابع لمحافظة المنيا، مؤكدة أنها تقوم بإعداد جميع أنواع الطعام من محاشى ولحوم وحلويات، كما تحرص على شراء الخضار وتجهيزه بنفسها: «لأزم أشترى كل حاجة بنفسى عشان بجيب أعلى جودة، جوزى بيساعدنى فى شراء الطلبات وبجيب أختى كمان تساعدنى لو فى ضغط شغل، ومعايا شاب شغال دليفرى بموتوسيكل، بحاول أخلص كل الأوردرات قبل المغرب علشان بيتى وولادى؛ خصوصًا إن معايا ولد وبنت ولازم الأكل قبل ما جوزى يرجع من الشغل حتى لو تعبانة، بعمل أوردرات للعدوة ومغاغة والمنيا وبنى مزار».

مؤكدة أنها تجتهد دائمًا فى تنظيم وقتها والتوفيق بين عملها واحتياجات منزلها وأطفالها: «قبل الأوردر بجهز الطلبات الأساسية وتانى يوم بجهز الأوردر نفسه، وعندنا فى المنيا فى ناس كتير بتحب الأكل الجاهز؛ خصوصًا لمّا يبقى بيتى كويس ومعروف مصدره وسعره على قد الإيد مش غالى، والحمد لله معايا ناس بتاخد طلبات أسبوعية منّى وبعمل فطير مشلتت كمان بالسمنة البلدى وده عليه إقبال كبير جدّا».

 لم تواجه «أمل» صعوبات فى عملها سوى كيفية توصيل الطلبات، وقامت بحلها بعدما كلّفت شابّا بمهمة «الدليفرى»، وتضيف: «سهّل عليّا الموضوع جدّا، والحمد لله من بداية الشغل والدنيا ماشية حلو معانا وفى إقبال على الأكل، ودايمًا حريصة على موضوع النظافة، بستعمل دايمًا الخل والليمون فى تنضيف الحاجة، وبلبس جوانتى وأنا بعمل الأكل وبغسل كل حاجة كويس جدّا».  

«سمر» : أكلى معروف فى مدينة الباجور كلها

كانت «سمر عجور»- 33عامًا-، فى حاجة لتواجُدها مع أولادها دائمًا فى المنزل، ولأنها عاشقة للطبخ اختارته عملًا لها منذ عام 2017م، تقول: «معايا بكالوريوس طب بيطرى، اشتغلت فى شركات أدوية وبعدها فتحت صيدلية 6 سنوات، أهلى شجعونى والدى ووالدتى وأخواتى وقفوا جنبى لحد ما اتعرفت فى المدينة؛ خصوصًا إنى كنت أول سيدة تعمل المشروع ده وقتها، كنت حريصة أقعد أطول وقت ممكن مع أولادى بعد ما كبروا وفى نفس الوقت أعمل حاجة بحبها».

«الأكل البيتى ألذ» كان اسم مشروع المرأة الثلاثينية، مؤكدة أنها تقوم بإعداد الأصناف الأساسية فى قائمة الطعام الخاصة بها، أما المخبوزات مثل الخبز والفطائر فتستعين بعمّتها لتتولى عملها: «هى سيدة عظيمة وأستاذة فى المخبوزات، أنا اخترت اسم بسيط للمشروع يشرح نفسه، وهو إن مفيش ألذ ولا أحلى من الأكل البيتى، المشروع دلوقتى أثبت نفسه وبقى عليه إقبال كبير، بقى فى وعى كبير عن الأول إن الأكل اللى معمول فى البيت بيبقى مخدوم أحسن والخامات بتكون أفضل لأنها بتكون خامات فريش».

تقطن «سمر» فى مدينة «الباجور» التابعة لمحافظة المنوفية، مشيرة إلى أن أكثر زبائنها من الموظفين؛ حيث يحتاجون إلى أكل نظيف وصحى: «بيحتاجوا أكل على التسوية زى أصناف التفريز أو الخضار المتنضف أو الطيور البيتى المتنضفة، فى البداية واجهت صعوبة إنى أقنع الناس بالفكرة نفسها لأنى كنت أول سيدة تعمل المشروع فى مدينة الباجور، كمان مقارنة الأسعار عندى بالمحلات وإزاى أنا أغلى بس الحمد لله تفهموا إن الخامات عندى جودتها أعلى وكمان فريش».

تقوم المرأة الثلاثينية بإعداد جميع أنواع الطعام، وتلجأ إلى والدتها وشقيقاتها كى يساعدنها وقت المواسم وضغط العمل والأعياد: «بعمل كمان عشا العروسة، ومؤخرًا فى فترة الكورونا فكرت أستغل وجودى فى البيت بدون شغل وعملت قناة على اليوتيوب أقدّم فيها كل الوصفات اللى بقدّمها فى الجروب وكمان بقدّم فيها أفكار مختلفة للغدا أو العشا، حققت كتير من أحلامى الحمد لله، منها إنى حصلت على ثقة أهل بلدى ويكفينى إنى بكون أول اسم يُذكر لمّا حد يسأل عن أفضل حد بيعمل أكل بيتى فى المدينة، بس لسّه بحلم يكون ليّا برنامج طهى على التليفزيون بإذن الله».

 

«سهير» : نفسى أفتح مطعم

كانت حياتها هادئة مستقرة، تنام وتستيقظ وقت ما يحلو لها، ولا تفعل شيئًا فى يومها سوى تلبية احتياجات أولادها ومنزلها، انقلبت الحياة رأسًا على عقب منذ لحظة وفاة زوجها الذى رحل عنها منذ 3 أعوام يوم ميلاد ابنته الصغيرة، وجدت «سهير صبرى»- 44 عامًا- نفسها مُحاصرة بالديون والمسئوليات، إلى أن أوحى لها ابنها بفكرة مشروع «الأكل البيتى» لتعتمد على ذاتها بعدما رفضت جميع المساعدات التى عُرضت عليها، تقول: «ابنى قاللى كل اللى بيعملوا أكل بيتى شغالين محاشى ورقاق والأكل اللى أى ست بيت بتعمله، وأنا كنت دايمًا بجيب طريقة أى أكلة ناكلها فى مطعهم وأعملها فى البيت لحد ما بقيت أحسن من أى مطعم واقتنعت بالفكرة».

تقطن «سهير» فى قرية «مليج» التابعة لشبين الكوم بمحافظة المنوفية، وهى أم لـ4 أبناء،: «كنت ست بيت عادية جدّا، حياتى ماشية عادى، وجوزى الله يرحمه كان ترزى حريمى مكنش حارمنا من حاجة، بعد ما أتوفى ناس كتير وقفت جنبى لأن جوزى كان مديون بمبلغ كبير جدّا بعدها بدأت مشروعى، وسميته أكلات مليكة على اسم بنتى الصغيرة هى داخلة 4 ابتدائى لأن كلنا بنتفاءل بيها».

تؤكد المرأة الأربعينية أن جميع زبائنها من موظفى الحكومة الذين لا يملكون وقتًا لإعداد الطعام: «بتطلب فى عزومات وبنظم حفلات، وبعمل طلبات لدكاترة ومدامات مستشارين ومهندسين، وكمان أصحاب جروبات شبين بأكملها إلا عدد بسيط بيخدوا منّى ويطلبوا أوردرات رغم إنهم بيعملوا أكل».. اتجهت «سهير» إلى تهيئة الأطعمة ووضعها فى الفريزر أيضًا: «عشان أى ست تطلع وتعمل أكلها فى أسرع وقت زى استربس وكوردن بلو، برجر فراخ، برجر لحمة وبانيه وشاورما وبروست وحاجات كتير، كان معايا 7 شغالين لحد رمضان ولمّا الجو رَيّح شويّة بقوا 5».

تتمنى المرأة الأربعينية أن يكون لديها مطعم خاص بها لتقديم الطعام البيتى وأن توفر لأبنائها جميع سُبل الراحة والطمأنينة: «ربنا يقدّرنى وأكمّل مهمتى مع الكبير والصغير، ولادى ساعدونى كتير، اشتغلت 6 شهور فى شقتى وكنا بنعمل وجبات إفطار لدكتورة فى رمضان وكانوا بيناموا بعد صلاة الفجر معايا وأنا بجهز ويصحوا الساعة 8 يلفوا ويشتغلوا معايا ونقوى بعض، والحمد لله أديت شغلى حقه والحمد لله ربنا رضانى، وحاليًا بقيت ألم من أعضاء الجروب مساعدات وجبات وفلوس وأوصلها لناس تستحق».