الأربعاء 5 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

سيرة «الغدر»

الاثنين 8 يونيو 1992، مساءً، كان كل شيء قد انتهى، توقّف قلب الدكتور فرج فودة.. قبلها بساعات، فى غرفة العمليات بمستشفى الميرغنى بضاحية مصر الجديدة، وفى موكب الجنازة بعدها بيوم؛ كان الحاضرون يُنهون ترتيبات آخر المشاهد فى حياة المفكر الراحل.. حياة بدت قصيرة، متلاحقةٌ تطوّراتُها، مُنبئة عن كارثة قادمة، فالأجواء كانت مشحونة قُبيل واقعة الاغتيال الفعلية بأسابيع قليلة، بسنوات على الأصحّ، الدكتور فودة نفسه كان كالقابض على جمر، ظل منذورًا لاغتيالات معنوية وفكرية سبقت وامتدت لسنوات ما قبل حكم مبارك.



 

1- بنية مجتمعيّة خرِبة

 

ذلك المساء المشئوم التقطت كاميرا الصحافة ومحطات التلفاز صور ابنتى المفكّر المغدور، وقد فشلتا فى مقاومة الدموع المنهمرة مستسلمتان للنحيب المكتوم، لم أكن أتعدّى فى هذه السنة عامى الثامن.

 

طفلة لم تكن تعى شيئًا، ستنتبه إلى كارثة أخرى حلّت فى نفس العام بمصر، يمكننا أن نجد الآن صلة بينها وبين كارثة اغتيال الدكتور فودة.

 

فى ذلك المساء؛ وصل نعش الراحل وسارت الجنازة فى أجواء مُقبِضة متحسّرة، وبين بكاء السيّدات ووجوم الرجال، كانت وجوه المشيّعين تحكى كل شيء.

 

عن انهيارٍ وتصدّعٍ فى بنية مجتمعٍ أسرت عقول أبنائه حلقات الشيوخ المتشددين فى الإعلام الرسمي.. فتاوى التكفير وإهدار الدمّ. بينما أرهقت قواه ضربات الإرهاب فى كل مكان، بدأت باغتيال رأس الدولة، بعد أشهر قليلة من نفس عام اغتيال فرج فودة، يضرب مصر زلزالٌ لم يتعد دقيقة، لكنه خلّف كارثة.

 

ضربة الطبيعة هذه المرّة عرّت انهيارًا وتصدّعًا من نوع مماثل، انهيار البنية الأساسية مرة أخرى، بنية مجتمعيّة خربة، وفساد يضرب كل شيء، سقطت بيوت الطوب اللبن والغش فى الأسمنت والحديد فوق رءوس أبرياء، صدّقوا أصحاب رأس المال والمصالح الخادعين وساروا وراءهم مُغيّبين.

 

الفساد يكتسب خطورته المضاعفة عندما يأتى بمباركة رسمية، وأخطر أنواعه؛ الفساد الذى يتّخذ الدين مطيّة، هذا ما حدث مع فرج فودة، أو كما كتبت «أدب ونقد» فى ملف نشرته فى عددها التالى لواقعة الاغتيال: «راهن فرج فودة على الدور الرسمي، على الحكومة، وخسر الرهان».

 

2- التنوير.. محطّة ترانزيت

 

تأسست «أدب ونقد» على خلفية يسارية اشتراكية بتبعيّتها لحزب التجمّع، كانت مجلة واعدة.. خطيرة مُهمّة.. تعبّر عن وجه التنوير الثقافى والفكرى والدفاع عن الحريات كما يجب أن يكون، فى سنة عصيبة هى سنة 1984، عام تأسيسها، وما تلته من أعوام.

 

بدت المجلة مع اغتيال الدكتور فرج فودة المُحارِبة الصامدة فى جبهة لم تتضمن كثيرات معها، فصفحات الأهرام مثلاً، إحدى المؤسسات الصحافية الرسمية، كانت مفتوحة لدعاةٍ وشيوخ يتحامون بدرع الأزهر العتيد، ويراهنون على وعى المواطن المتديّن بطبعه، بينما «النجوم الدينية التليفزيونية» كما أسماهم فودة منتشرون على الشاشات تظللهم فتاوى الشعراوى وخطبه ومجالسه التى كانت تزدحم وتتلقفها كاميرات المحطات التليفزيونية. كان فودة يعرف موقعه تمامًا من تلك الحرب، الإعلامية فى قسط كبير منها، نقرأ فى حواره فى عدد أدب ونقد الذى كتب على غلافه «فرج فودة.. شهيد العلمانية وحرية الفكر»؛ إن «التنوير فى مصر لم يتعدّ للأسف محطّة ترانزيت للموائمة بين العقيدة والواقع».

 

هكذا تعاملت الحكومة فى الثمانينيات والتسعينيات مع التنوير ورموزه، واجهة «تتعايق» بها، قطعة ديكور للزينة، للتباهى الزائف.

 

كانت جهود فودة ببساطة تحاول تنحية الأصوات التى «تحاول صدم الإسلام بالعصر» بينما ينحاز للفريق الذى يحاول أن «يُنجّى الإسلام من هذا الصدام» ويمهّد لهؤلاء الطريق.

 

حاول فودة، وتصادم كثيرًا واستفزّ غطرسة الإسلاميين، ودفع الثمن حياته، هل استحقّت الرحلة هذا المصير، وهل الناتج كان على قدر هذه التضحية!

 

«بعض المزايدين يحاولون الاستفادة من الحس الدينى للحصول على أكبر مكسب جماهيرى باللعب على هذا الوتر»، من كلمات فودة، وقال أيضًا: «هناك إسلام اليسار واليمين والاستنارة والإسلام السياسي»، كان يحاول تشريح الواقع بلغة البسطاء، والنفاذ إلى عقولهم.

 

تلك كانت خطورة فودة بالنسبة لأعدائه من التيارات الإسلامية التى ينبنى قوامها الفاسد وأساسها المغشوش على استمالة عقول البسطاء، فكيف يأتى الزمان بمن يحاربهم على أرضهم وفى دارهم، وبنفس تكنيكهم.

 

«فودة» كان يستميل العقول البسيطة بخطاب عقلاني، كانت هيئته وأسلوب حياته وطريقة حديثه أقرب إليهم، لكنه أبدًا لم يكن نجمًا تليفزيونيًا، ولم تمهّد له الدولة «الرسمية» فى الثمانينيات طريقًا ممهّدًا لبناء خطاب رسمى يُعلى من شأن الدولة العلمانية بالتطبيق، لا بالشعارات الرنانة.

 

كتب ونشر، وصودر كتابه «نكون أو لا نكون». لكنه ظل وحيدًا.. أعزل فى مجابهة الريح العاتية.

 

3- مغدورون يدافعون عن مغدور

 

تشاء سخريات الأقدار أن تحتفى «أدب ونقد» فى دفاعها ضدّ جريمة اغتيال فودة، باثنين طالتهما سهام التشدد الأصولى والجهادي: سيد القمنى، وحلمى سالم.

 

يكتب القمنى فى عدد «أدب ونقد» فى الشهر التالى لاغتيال فودة مقالا عنوانه «من قتل فرج فودة؟ أيّهم، فهم كُثر؟»، وهو الذى طالته بعد سنوات ليست ببعيدة دعاوى التكفير بسبب مقالاته.. وأجبِر لصد رسائل التهديد على إعلان توبته واعتذاره ونطق الشهادتين تدليلا على إسلامه الصحيح!

 

كتب القمني: «ثم لا ننسى أن ذات الشيخ «يقصد  الشعراوى» على رأس من يقدّمون للمؤسسة السياسية كافة التبريرات الدينية حتى أشدّها بُعدًا عن مصالح الجماهير وأمانيهم الوطنية والقومية... إن مثل تلك المواقف، قد نقلت الصراع الطبقى من ميدانه إلى المجال الديني، بحيث ظهر كما لو كان صراعًا بين إيمان حقيقى تمثّله الجماعات، وبين إيمان مزيّف يمثّله فقهاء المؤسسة السياسية، ولو كان ذلك صحيحًا؛ فإنى أزيد فأرى أن نظرة مدققة ستكشف أن الجميع، مؤسسة دينية رسمية، أو جماعات، إنما روافد لقلب واحد».

 

4 – تلك هى الحقيقة الغائبة

 

«دعوة الجماعات الدينية لتطبيق الشريعة ليست الهدف، بل الهدف هو إقامة «الدولة الإسلامية» أى وصول هذه الجماعات إلى السلطة، فى حين يرفض أصحاب هذه الدعوة المحمومة أن يقدموا للناس برنامجًا سياسيًا فى الاقتصاد والتعليم والإسكان... إلخ»، يكتب فرج فودة - بتصرّف مقتبس من الذاكرة - فى «الحقيقة الغائبة».

 

«انت فاكر يا عشماوى إن الهدف من اللى احنا بنعمله ده الجهاد فى سبيل الله! الهدف السياسة، إقامة الدولة يا عشماوي. عشان كدة مش كفاية تبقى مُجاهد، لازم تبقى رجل سياسة». كتب السيناريست على لسان عمر رفاعى سرور فى مسلسل «الاختيار».

5 – الجريمة الإعلامية

 

«الوجدان الشرقى يلزمه الكثير من الحذر لتمرير ما تريد أن تقوله، فمطلوب أن تكون شجاعًا وليس مطلوبًا أن تكون منتحرًا»، فرج فودة لـ «أدب ونقد».

 

لقد كان فودة منتحرًا بالفعل بمواجهته النافذة لصلب المشروع الإسلامى للحكم. عرّاه وحاججه، واستنفر بطش الردع الأصولى لدى التيارات الإسلامية.

 

وها هو الشاعر الراحل حلمى سالم، يكتب بحرقة عن اغتيال فودة، ولم يكن يتصوّر أن تناله أسهم البطش الأصولى والتطرّف. فبعدها بسنوات سيكون سالم هو الآخر ضحية دعاوى الحسبة، بعد مصادرة عدد مجلة إبداع على إثر نشر قصيدة «فى شرفة ليلى مراد» رآها إسلاميون أنها تطاولا على الذات الإلهية».

 

«سيرة الرصاصات وفقه الموتوسيكل» بيان حلمى سالم بعد شهر من اغتيال فودة يسرد بشكل مباشر وواضح تبعات الصدع وانهيار الأساس، الحكاية قديمة، متغلغلة، الحكاية من زمان.

 

يقتبس سالم من جريدة الأهالى فى عددها بتاريخ 21 مارس 1990، «فتوى تنتظر الزناد» كما أسماها، للشيخ عبد الله «يا له من اسم» قال فيها: «إن المجتمع المصرى مجتمع جاهلي، والحكومة التى تحكم حكومة كافرة، فمصر دار كفر وليست دار إسلام».

 

فى كتابه «الملعوب» نبّه فرج فودة إلى خطورة محاولات الجماعات للاستيلاء على الاقتصاد، بامتصاصهم لمدّخرات المواطنين، وتتبّع شركاتهم منذ البداية «الريّان، الشريف، السعد، الأندلسي، الحجاز», 

 

اليوم وفى ذكرى الاغتيال، وبعد كل هذه السنوات التى أهدر فيها دم فودة حتى بعد موته، ينعته «رجل المراجعات» ناجح إبراهيم على شاشة الجزيرة بـ «الأحمق»، لأنه استثار غيظ التيارات الإسلامية واستفزّها، وأن الدرس من اغتيال فرج فودة مزدوج؛ للتيارات العلمانية، بأن «التشدد» فى علمانيّتها لن يكسبها شيء، وللتيارات الإسلامية بأنها استعجلت وصنعت من الدكتور فودة شهيدًا للحرية!

 

أنتجت «الجزيرة» فيلمها الحديث/ القديم - كتب عليه إنتاج 2012، لكنه أذيع لأول مرة منذ أيام قليلة - عن جريمة اغتيال المفكّر فرج فودة تحت عنوان «الجريمة السياسية» مرتكبة جريمة مماثلة كحلقة مضافة من حلقات «الجرائم الإعلامية» فى حق مفكّرينا ورموز الصمود بالقلم فى وجه الرصاص والدمّ.

 

تبنى القناة المشبوهة فيلمها التسجيلى على خطاب صريح بأن فودة ضحيّة الدولة التى ضيّقت الخناق على الإسلاميين، وأفسحت للابتداع فى الدين!.

 

ونقول صحيح.. نعم، فودة كان ضحية الدولة، لكن لأنها أفسحت فى الثمانينيات المجال لتيارات الإسلام السياسي، وأوجدت له مظلّات دينية بالآيات والأحاديث السنيّة.

 

فى حديث نقرأه للراحل المغدور الدكتور فرج فودة بعد موته، يرى أن المناخ الفكرى التنويرى تخلّف كثيرًا بعد جيل الروّاد، وأفسح المجال لمساحات «العفن الفكرى والثقافي» و«الردّة الحضارية»، كان متحسّرًا على ما آلت إليه أوضاع بات فيها الحديث عن الحكم المدنى أم الدينى إحدى القضايا المؤرّقة، بينما لمائة عام سبقت لم نسمع فى البرلمانات المصرية دعوة حول تطبيق الشريعة الإسلامية كما سمعها فى حياته.

 

كان فودة منتحرًا فى عزيمته، ومتنبئًا بما سيحدث، وفى الوقت نفسه، كان متفائلًا بالمناخ الفكرى فى زمنه، كان مراهنا على «عودة الوعي».

 

قال فودة فى حواره الأخير: «المستقبل سيكون للتنوير وليس لجيوش الردّة والعودة إلى الخلف»، هل تحقق هذا، أم لا زلنا فى انتظار هذا المستقبل؟!