الأربعاء 30 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

من معارك التنوير إلى وقائع التزوير محاكمة الإيمان ! (الحلقة الأولي)

يتخيل الكثيرون أن معركة التجديد أمر مستحدث؛ ويعتبرونها نقمة عصر مواقع التواصل الاجتماعى وشاشات التلفاز، بينما يتجه المتدينون وحماة الفضيلة إلى نعت كل من يتحدث عن تجديد الخطاب الدينى والفكرى بـ«الرويبضة».. وإذا عجزوا عن الرد بالمنطق والحجة القوية لجأوا لتأويل حديث «القابض على دينه كالقابض على الجمر» وكأن الدين حكر على من لا يقدر على مجاراة العصر وظروفه.



 

 

بالرجوع إلى ثلاثينيات القرن العشرين؛ خصوصا مع صدور كتاب «فى الشعر الجاهلى» للدكتور طه حسين، نجد أن المعركة بين الجديد والقديم قد بلغت ذروتها فى ذلك الوقت على صفحات المجلات والجرائد وبين العامة، كما أن معارضة العميد لسياسة الوفد وقتها جعلت الجماهير من العامة أداة ضده.

 

 قرر مصطفى صادق الرافعى أن يشعل الفتيل وبدأ الرد على العميد بسلسلة مقالات فى جريدة كوكب الشرق التى تم جمعها بعد ذلك فى كتاب «تحت راية القرآن».. الغريب أن لغة وأسلوب الرافعى فى الكتاب لم تختلف كثيرًا عما يردده أحفاده الآن فى مواجهة أى دعوة للتجديد، فالتكفير والتخوين كانت طريقته لكسب تعاطف الجماهير؛ بل يبرر ذلك فى مقدمة كتابه «فإن كان فيه من الشدة أو العنف أو القول المؤلم أو التهكم، فما ذلك أردنا، ولكنا كالذى يصف الرجل الضال ليمنع المهتدى أن يضل»!

 

لكن يبدو أن «الغل» الواضح فى كتاب الرافعى له سبب آخر غير الغيرة على الإسلام، ففى سنة 1911 أصدر كتابًا بعنوان «تاريخ آداب العرب» وانتشر الكتاب فى الأوساط الثقافية، إلا أن الرافعى فوجئ بمقال لأحد الكتاب الناشئين فى «الجريدة» سنة 1912 يقول عن كتابه: «نشهد الله أننا لم نفهم هذا الكتاب»، وحمل المقال توقيعًا لطالب فى الجامعة المصرية اسمه طه حسين.

 

بعد سنوات أصدر الرافعى كتاب «رسائل الأحزان»، انتقد العميد صعوبة لغة وصياغة الكتاب فى جريدة السياسة الأسبوعية، وهو ما اعتبره الرافعى إعلانًا للعداء، ونسجت القصص حول أن الرافعى أمهل العميد سنتين ليستطيع أن يكتب مثله وهو ما لم يكتبه أي من معاصرى المعركة، لكن تلك الحكاية تجد صداها فى الأوساط الإسلامية «جماهير الرافعى» باعتبار أنه بذلك الرد انتصر على العميد «فـبهت الذى كفر».

 

تحول الأمر من اختلاف حول أساليب ومدارس الكتابة إلى اتهام الرافعى للعميد بالكفر والعمالة بعد أن قرر نشر المحاضرات التى كان يلقيها على طلابه فى الجامعة فى كتاب بعنوان «فى الشعر الجاهلى». 

 

«شيء منكر أن يزعم كاتب أن له الحق أن يتجرد من دينه ليحقق مسألة من مسائل العلم أو يناقش رأيًا فى الأدب أو يمحص رواية فى التاريخ» بهذه الكلمات افتتح الرافعى مقاله الأول ردًا على كتاب العميد، وهى الكلمات التى ربما تتقبلها الجماهير الغاضبة من الكتاب وقتها ولا تقف عندها كثيرًا، ورغم أن الرافعى ينكر بذلك مبدأً أصيلًا من مبادئ البحث العلمى «التجرد من الأيديولوجيا» فإن تلك الكلمات لا تزال تستخدم إلى اليوم من قامات دينية كبيرة فى الرد على محاولات التجديد.

 

وقبل الخوض فى تفاصيل المعركة يمكننا التوقف قليلًا عند إحدى فقرات الكتاب الذى هاجمه الرافعى ولم ينقده أو يناظر أفكاره.. إذ يقول العميد فى كتابه تحت عنوان أسباب نحل «الشعر وإذا كان هناك شيء يؤخذ على الذين كتبوا تاريخ العرب وآدابهم فلم يوفقوا للحق فيه، فهو أنهم لم يلموا إلمامًا كافيًا بتاريخ هذه الأمم القديمة، أو لم يخطر لهم أن يقارنوا بين الأمة العربية والأمم التى خلت من قبلها؛ وإنما نظروا إلى هذه الأمة العربية كأنها أمة فذة لم تعرف أحدًا ولم يعرفها أحد، لم تشبه أحدًا ولم يشبهها أحد، لم تُؤثر فى أحد ولم يُؤثر فيها أحد، قبل قيام الحضارة العربية وانبساط سلطانها على العالم القديم».

 

تبين الفقرة السابقة غرض العميد من كتابه فى أن يقف موقف الحياد بين الحضارات القديمة للمقارنة بين منجزاتها ومعرفة أسباب قوة وضعف كل منها، وهو ما ينكره عليه الرافعى قائلًا «هو وأمثاله المجددون يسمّون كتابًا وعلماءً وأدباء.. غير أنهم على التحقيق غلطات إنسانية تخرجها الأقدار فى شكل علمى أو أدبى لتعارض بها صوابًا كاد يهمله الناس»!

 

وبالطريقة نفسها يسير الرافعى فى كتابه بالتهكم لا النقد.. مرة يصف العميد بأنه أداة أوروبية استعمارية «غرضها توهين عُرَى الإسلام» ويأخذ عليه أنه «لم يصلّ على النبى مرة واحدة فى كتابه ولو بحرف «ص» كما يفعل نصارى العرب»!

 

وعندما لم يقدر الرافعى على كتابة ردود منطقية أخذ يبدع فى نعت العميد فى مواضع مختلفة من الكتاب إما بـ«المبشر طه حسين» أو «المستر حسين»، «أبا مرجريت» و«أبا ألبرت» فى إشارة لعمالته للخارج وخدمة المشروع الغربى الذى يهدف لهدم الدين الإسلامى. 

 

لا عجب أيضًا أن تجد الرافعى ضد كيان الجامعة من الأصل فيقول: «الجامعة فى مجال العلم تشبه مستشفيات المبشِّرين فى مجال الطب»، ينتقل من ذلك إلى الإشارة للتأثير الكبير لزوجة العميد عليه ما أدى لانحرافه عن الطريق المستقيم بحسب تعبيره!

 

يفسر الرافعى يقينه فى تكفير العميد قائلًا: «لقد رسخ فى يقيننا أن الله تعالى ما أشهر أستاذ الجامعة بهذه الفضيحة «يقصد كتاب الشعر الجاهلى» إلا ليجعله خزيًا لقوم ملحدين.. وعبرة لقوم منافقين.. ومثلًا عند قوم مؤمنين».. بالسجع والغنائية القديمة هاجم وحى القلم كل فكر جديد كما اعتاد مهاجمة الأساليب الجديدة فى الكتابة.

 

تحريض صاحب «رسائل الأحزان» استمر ضد العميد فى محاولة إبعاده عن الجامعة وحث رجال الدين على تكفيره وعزله من مصر، لاقت كلمات الرافعى الخطابية والصاخبة صدى عند قطاع كبير من العوام، ووقفت الدوافع السياسية إلى جانب الرافعى تؤيده، وبلغت دعوته شيوخ الأزهر، فهموا بدعوى الدفاع عن الإسلام والقرآن، ومضى الرافعى فى حملته تؤيده كل القوى.

 

أرسل عدد من شيوخ الأزهر وقتها شكاوى للنيابة العامة تطلب عقاب العميد لـ«تعديه على القرآن وإعلانه الكفر» بحسب دعاواهم، وهنا قرر العميد أن يرد للمرة الأولى فكتب كتابًا إلى مدير الجامعة يشهده أنه مسلم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، لكن يبدو أن ذلك لم يقنع خصومه ومضوا فى التهكم والمطالبة بفصله من الجامعة!

 

لم تجد الجامعة فى النهاية حلًا غير جمع نسخ الكتاب من المؤلف ومن المكتبات لتمنع تداوله، أملًا فى تجاوز الآراء الثائرة التى تهاجم كل شيء حتى الجامعة، كما أصدر إسماعيل صدقى باشا قرارًا بإبعاد طه حسين عن جامعة القاهرة لتهدئة الرأى العام.

 

دافع زكى مبارك، تلميذ العميد عن وجوده فى الجامعة رغم ما كان بينهما من خلافات، واستمرت المعركة التى انتصر فيها العميد وعاد إلى جامعة القاهرة، ودافع أحمد لطفى السيد عن طه حسين على أساس حرية الفكر يردّ فرد الرافعى بأن كتاب العميد «لا يندرج تحت معانى حرية الرأى وأشباهها، ولكنه نزاع فى الجدل والكفر»!

 

ومن المفارقات أنه بعد موت الرافعى فى مايو 1937 كان طه حسين أول من أرسل برقية تعزية لأسرته، انتهت حياة الرافعى بعد أن رسخ لمفهوم «الفريقين» فى نقد الأفكار.. فإما أن تكون مؤمنًا أو كافرًا لا سبيل للاختلاف، ورغم مؤلفاته الكثيرة يبقى «تحت راية القرآن» بمثابة مانفستو للجماعات السلفية والدينية فى الرد على كل دعوة للتجديد. 

 

«فى الشعر الجاهلى» لـ طه حسين

 

 «تحت راية القرآن» لـ مصطفى صادق الرافعى 

 

 أرشيف «الجريدة» فى 1912 

 

 «معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين» لـ إبراهيم عوض 

 

 «مشاهير القرن العشرين» لـ هانى أبوالخير ■