السبت 5 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
المسكوت عنه من حكايات «سيدات القصر» الفرعونى

المسكوت عنه من حكايات «سيدات القصر» الفرعونى

تمتعت المرأة فى مصر القديمة بمكانة عالية لم تحظ بها مثيلاتها فى العالم القديم؛ بل لم تحظ بها المرأة فى العصر الحديث إلا منذ فترة قريبة، فقد كانت المرأة قديمًا تحتل مكانة اجتماعية مساوية للرجل، ومشاركة له فى الحياة، وملازمة له فى العالم الآخر؛ إذ كان الرجال يرغبون فى العودة للحياة بصحبة زوجاتهم حتى يعيشوا حياة أبدية معهن.



انعكست مكانة المرأة فى المجتمع على دورها فى الحياة السياسية؛ إذ عرفت مصر القديمة عددًا كبيرًا من الملكات منذ أقدم العصور؛ ومنهن من كنّ زوجات ملوك أو كن ملكات حاكمات لفترات طالت أو قصرت، ومنهن من حفل التاريخ بذكرهن، ومنهن من لم تصل سيرتهن إلى أسماعنا.

الملكة نيت حتب

تعتبر الملكة الزوجة والأم «نيت حتب» أقدم ملكات مصر القديمة، وكانت زوجة للملك نعرمر (أو نارمر كما يشتهر اسمه بيننا)، آخر ملوك عصر ما قبل الأسرات أو عصر التوحيد، ووالدة الملك الأشهر مينا، موحد القطرين. وترجع أصول تلك الملكة إلى دلتا نهر النيل الخالد. وكان زوجها الملك نعرمر من أهل صعيد مصر الأصيل. ويبدو أن هذا الملك الجنوبى كان قد تزوج من تلك الأميرة الشمالية كى يمهد الطريق لتوحيد قطرىّ مصر: الشمال والجنوب، أو الدلتا  والصعيد. وصور الملك نعرمر على صلايته الشهيرة، التى كانت تستخدم لصحن الكحل، منتصرًا على أهل الشمال. وعلى مقمعة نفس الملك، التى كان يقهر بها أعداءه، ربما تم تصوير تلك الأميرة الشمالية، نيت حتب، جالسة فى جوسق، مما قد يشير إلى إتمام مراسم الزواج بين ذلك الملك الجنوبى الأصل وتلك الأميرة الشمالية. وكانت تلك الملكة رفيقة كفاح زوجها الملك نعرمر فى سبيل توحيد شطرى مصر، غير أن الأقدار شاءت أن يتم ذلك التوحيد التاريخى لأرض مصر الخالدة على يديّ ابنهما، الملك مينا. أثمر زواج نارمر من نيت حتب ميلاد ولى العهد الملك، حورعحا (أى حورس المحارب) بعد ذلك، الذى حمل لقب «ِمنى»، أو مينا كما نعرفه حاليًا، بمعنى «المثبت» الذى تمكن من توحيد مصر شمالًا وجنوبًا ومنذ ذلك الحين نمت الأمة المصرية ونشأت فيها الدولة المركزية، ولم تنقسم الأمة إلا قليلًا، ولم تغير من دينها أو من لغتها إلا فى مرات معدودات على عكس غيرها من الأمم فى شتى بقاع الأرض. وتعد الأمة المصرية هى الأمة الوحيدة فى ذلك الشأن الفريد على وجه الأرض قاطبة. تعددت الآثار التى حملت اسم الملكة نيت حتب فى شمال مصر وجنوبها، مثل حلوان وأبيدوس ونقادة. ولعل أهمها هو تلك المقبرة العظيمة التى تُنسب، أغلب الظن، لتلك الملكة والتى دفنها فيها ابنها الملك الموحد حورعحا فى منطقة نقادة فى محافظة قنا. وكانت أبعاد تلك المقبرة تزيد على الخمسين مترًا فى الطول وعلى العشرين مترًا فى العرض. وعُثر بداخل تلك المقبرة على العديد من الأثاث الجنائزى الذى كان يخص تلك الملكة مثل أدوات التجميل والأوانى الحجرية والبطاقات العاجية وطبعات الأختام المصنوعة من الصلصال والتى تحمل أسماء زوجها الملك نعرمر وابنها الملك حورعحا والملكة نيت حتب نفسها.

الملكة حرنيت

لا نزال فى عصر الأسرة الأولى ومع ملكة مهمة من ملكات عصر الأسرات المبكرة وهى الملكة حرنيت. فى حوالى عام 1900 ميلادية، قام عالم الآثار البريطانى الأشهر وأبو علم المصريات الحديث السير وليام فلندرز بترى بفحص مقبرة زوجها، أغلب الظن، الملك چر، ذلك الملك الذى حكم مصر بعد الملك حورعحا فى عصر الأسرة الأولى. وتعتبر مقبرة الملك چر المقبرة الأكبر فى منطقة أبيدوس (العرابة المدفونة فى محافظة سوهاج الحالية). واكتشف وليام فلندرز بترى ذراعًا بشرية ملفوفة باللفائف الكتانية ومزينة بأربع أساور من الذهب والتركواز والجمشت واللازورد وذات خرزات ذهبية عديدة. وتعد هذه الذراع البشرية من أقدم الأشياء المحنطة فى مصر القديمة. وبعد دراسة تلك القطع الأثرية اتضح أنه قد أخفى أحد اللصوص فى العصور القديمة هذه الذراع وراء سلم المقبرة، فأنقذ تلك الكنوز الجميلة من السرقة التى حدثت للكثير من محتويات تلك المقبرة الملكية الكبيرة. وقادت قطع الحلى تلك العالم وليام فلندرز بترى إلى الافتراض أن هذه الذراع تخص إحدى زوجات الملك چر، وليس الملك چر نفسه، غير أنه من غير المؤكد إثبات صحة نظرية العالم بترى تلك. وعندما وصلت تلك الأساور الثمينة إلى المتحف المصرى بالقاهرة الذى كان تحت الإدارة الأجنبية آنذاك، ومن أجل عرض الأساور فقط، للأسف قام أمين المتحف إميل بروجش بالتخلص من الذراع البشرية واللفائف الكتانية ورميها وعدم عرضها أو دراستها أو حتى حفظها للأجيال القادمة، وركز على الأساور التى أصبحت من أهم قطع الحلى المعروضة بالمتحف. وعلى الرغم من أن مقبرة الملك چر قد احتوت على بقايا جسد لامرأة غير معروفة – وكانت من بينها جمجمة تلك السيدة التى ماتت فى سن صغيرة وربما كانت من الحريم الملكى الخاص بالملك چر – فإنها لم تكن لزوجته الملكة المعروفة حرنيت التى من المرجح أنها دُفنت فى مقبرة أخرى بعيدة عن زوجها الملك مثلها فى ذلك مثل كل الملكات زوجات ملوك عصر الأسرات المبكرة. وتم اكتشاف مقبرة الملكة حرنيت فى شمال مصر، وتحديدًا فى منطقة سقارة الشمالية فى محافظة الجيزة. وهى مقبرة كبيرة الحجم، وتقع فى جبانة استخدمها النبلاء الذين كانوا يعملون فى عاصمة البلاد التى كانت تسمى بـ«إنب حدج» أى «الجدار الأبيض» (والتى أُطلق عليها اسم «منف» أو «ممفيس» فى اللغات الأوروبية بعد ذلك). ومن الجدير بالذكر أنه يُطلق على مقابر سقارة اسم «مصطبة»، وهو اسم أطلقه عمال الحفائر المصريون الذين كانوا يعملون مع علماء الآثار الأجانب؛ وذلك لأنها تشبه المصاطب الموجودة أمام بيوتهم فى الريف المصرى،خصوصًا فى ريف الجيزة القريب من منطقة سقارة الأثرية. وكانت هذه المقابر أو المصاطب مليئة بكل أنواع القرابين والأطعمة التى كان يحتاج إليها المتوفى كى يستخدمها فى العالم الآخر.  ونُقش اسم الملك چر على بعض الأوانى فى مقبرة زوجته الملكة حرنيت، وكذلك تم العثور على بعض الآثار التى تحمل اسم خليفته، الملك دن، ابنه من الملكة حرنيت، والملك قاعا، آخر ملك من ملوك الأسرة الأولى. ويتضح من شكل مقبرة الملكة حرنيت من الخارج أنها عبارة عن مصطبة كبيرة من الطوب اللبن، غير أنه كان يوجد تل من الطمى يشبه الهرم وسط بناء المقبرة العلوى المستطيل الشكل. وتم تبطين المقبرة من الخارج بالطوب اللبن أيضًا. وتعد المقابر على شكل تلال إبداعًا قادمًا من الجنوب، بينما كان شكل المقابر على هيئة مصاطب اختراعًا شماليًا بحتًا. فهل جمعت الملكة حرنيت فى مقبرتها بين هذين الأسلوبين المعماريين كى تؤكد بشكل رسمى على العلاقة الوطيدة بين شمال مصر وجنوبها؟ أم إن اختيارها جاء بناءً على التطوُّر السريع للعمارة الجنائزية فى ذلك العصر الذى ساهم فى الوصول إلى فكرة بناء الأهرامات بعد ذلك؟ وأعنى بذلك عصر الأسرة الثالثة عندما تم بناء الهرم المدرج فى سقارة فى عهد الملك زوسر.

 

الملكة ميريت نيت

تعتبر الملكة ميريت نيت من أهم ملكات عصر الأسرة الأولى. ويعنى اسمها «محبوبة نيت». ومن الجدير بالذكر أنها الملكة الوحيدة التى عُثر لها على مقبرة فى جبانة أم الجعاب فى أبيدوس الخاصة بملوك العصر المبكر، ما جعل العلماء يعتقدون أنها حكمت مصر منفردة. وتركت الملكة عددًا من الآثار تربطها بالملوك چر وچت ودِن. ومن بين هذه الآثار طبعات الأختام وبعض الأوانى المنقوشة. وكان من اللافت للنظر والمثير للدهشة حقًا أن الأختام المستخرجة من مقبرة الملكة لم تحمل اسمها، بل اسم الملك دِن، مما أثار حيرتنا. غير أن القدر لم يشأ أن يصدمنا كلية وجعلنا نعثر على ختم قادم من سقارة من المقبرة رقم 3503 يحمل اسم الملكة اللغز، ولكن هذه المرة داخل السرخ الملكى Royal Serekh (واجهة القصر الملكي) الذى كانت تُكتب فيه أسماء الملوك، ما جعلنا نعتقد أنها حكمت مصر فى ذلك العصر المبكر من تاريخ مصر مما يدل على عظمة الشخصية المصرية ومدى تحررها وانفتاحها والسماح للملكات بأن يعتلين عرش مصر العظيم مثلهن مثل الرجال. اللافت هو عدم وجود اسم الملكة ميريت نيت فى القوائم الملكية التى كتبها أهل مصر الأقدمون تسجيلاً لتاريخ بلادهم المجيد واحتفاء بإنجازات ملوكهم السابقين، وربما كان اسم الملكة مكتوبًا فى ذلك الجزء المكسور من  حجر باليرمو المحفوظ  فى المتحف الأثرى المحلى فى هذه المدينة الإيطالية الشهيرة والذى يسجل أسماء ملوك مصر القديمة الأوائل حتى الفترة المبكرة من عصر الأسرة الخامسة التى كُتب فى عهدها ذلك الحجر. ومن المرجح أن الملكة ميريت نيت كانت ابنة الملك چر ثم تزوجت من الملك چت الذى حكم مصر فترة زمنية قصيرة ومات فجأة. ونظرًا لتلك الظروف العصيبة التى مرت بها مصر، تم تكليف الملكة الأم بحكم البلاد نيابة عن ابنها، الملك الطفل، الملك دِن. وتعد هذه الواقعة التاريخية من أوائل الحوادث فى هذا السياق، وأعنى تولى الملكات الأمهات حكم البلاد نيابة ووصاية عن أبنائهن من الأطفال الرُّضع أو الأطفال الصغار. ربما دفعت هذه الحادثة التاريخية بعض كُتاب القوائم الملكية فى الفترات اللاحقة إلى تجاهل حكم هذه الملكة وإسقاط اسمها من قوائمهم؛ وذلك نتيجة لهذا الحدث التاريخى،أو بناء على قناعاتهم الشخصية بأهمية دور النساء فى الحفاظ على عرش البلاد لأبنائهن حتى يبلغوا سن الرشد والحكم كما فعلت الربة إيزيس مع ابنها، المعبود حورس، أو إيمانًا منهم بعدم أحقية الملكات من النساء فى حكم البلاد، وتفضيل حكم الملوك من الذكور كممثلين للإله الذكر حورس ابن أوزيريس وإيزيس فى حكم مصر. ولعل ما يؤكد هذا السيناريو هو طول حكم فترة الملك دِن بشكل كبير مما جعله يحتفل مرتين بعيد «سد»، أى عيد جلوس الملك على عرش مصر والذى كان يتم الاحتفال به كل ثلاثين عامًا، ما يعنى أن هذا الملك ربما يكون قد حكم البلاد لمدة ستين عامًا، غير أنه لم يلتزم الملوك بانقضاء مدة الثلاثين عامًا، بدليل أن هذا الملك حكم مصر حوالى 42 عامًا فقط. ونظرًا لأن هذه الملكة حكمت البلاد كملك معاصر لحكم ابنها، الملك دِن، فقد تم السماح لها بتشييد مقبرة ملكية، تكريمًا وتقديرًا لها، بين ملوك مصر الخالدين من حكام مصر فى ذلك العصر. وسوف تظل ذكرى الملكة ميريت نيت خالدة فى أذهان المصريين؛ نظرًا لعظم الدور الذى قامت بها حفاظًا على حكم مصر وعرش ابنها الملك الطفل فى ذلك التاريخ المبكر من عمر مصر الخالد والعالم، مبتدعة سنة حسنة سوف يسير عليها العالم كله بعد ذلك وتصبح من أدبيات وآليات انتقال الحكم فى دنيا الحكم والسياسة.