الإثنين 8 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

من الثورة إلى السلام

من الثورة إلى السلام
من الثورة إلى السلام


يطمح هُواة جمع طوابع البريد إلى الاحتفاظ بأرشيفٍ شخصى للطوابع على مختلف أنواعها: طوابع البريد العادى أو البريد الحكومى أو البريد الجوى وبالأخصّ الطوابع التذكارية، لكن من ناحية أخرى، يتحوّل طابع البريد شيئا فشيئا ومع مرور الزمن إلى وثيقة رسمية، أو على الأقل وسيط فنّى أحيانًا، لقراءة التاريخ.
تُعبّر هيئة البريد، منذ تمصيرها، وبالتالى طوابع البريد التى تُصدرها، عن موقف الدولة وخطاباتها الرسمية مع كل حدث. يظهر هذا بالأخصّ مع الاحتفاء بثورة يوليو، ثم فيما بعد بذكرى ثورة يوليو 1952.
طوابع البريد عادة ما تستغلّ أحداثًا تاريخية ومناسبات تذكارية، وتخلّدها فى رسمٍ أو تصميم فنىّ بالأشكال والألوان والعبارات، مع التركيز على الاحتفاظ بنقل رؤية الخطاب الرسمى لكل حدث، على اختلاف وتتابع الرؤساء والحقبات، وذلك على اعتبار أن هيئة البريد جهة رسمية تحمل اسم الدولة المصرية.
الهيئة القومية للبريد هى واحدة من أعرق المؤسسات المصرية القديمة. انتقلت ملكيّتها من البوسطة الأوروبية إلى الحكومة المصرية فى الثانى من يناير عام 1865، وذلك بقرار من الخديو إسماعيل بعدما قام بشرائها. واعتُمد هذا اليوم فيما بعد يومًا تاريخيًا وعيدًا للبريد كل عام.
فى الذكرى الـ67 لثورة 23 يوليو، التى تحلّ هذا الأسبوع؛ ماذا نقرأ من التاريخ فى طوابع البريد المخصصة لتخليد الثورة ورموزها وأحداثها؟!
أكمل معنا القراءة:



ناصر الصمود وشمعة التحرير

تبدأ رحلتنا فى آلة الزمن، من عام 1968 مع العيد الـ16 للثورة.. يظهر فى طابع البريد الذى نملكه الاحتفاء ببرنامج 30 مارس الثورى ودور القوى الشعبية. نسر الجمهورية يتوسّط «ترسة» شعار العمل والعمّال فى قلب صورة طابع البريد. وفى الخلف الجامعة فى إشارة إلى العلم ثم المصانع وشبكات الكهرباء.
أمّا فى الواجهة؛ فيمتدّ طابور يتصدّره الجندى المصرى وخلفه المزارع بفأسه وعامل المصنع مع «مفتاح صامولة» والطالبة فالأستاذة الجامعية ثم الطبيبة أو الممرضة. ولا ينسى مُصمّم الطابع «سُنبلة العطاء والسلام» على جانب الطابع.
وفى الصدارة مطبوع مقولة عبدالناصر فى ختام إعلان بيان البرنامج: «إننا سوف نُحقّق كما حقّقنا، وسوف نَنتصر كما انتصرنا، ولتعلُ إرادة الحق فوق كل إرادة.. لأنها جزء من إرادة الله».
البيان أو الاستفتاء، هو الذى أعلن من خلاله الرئيس جمال عبدالناصر البدء فى انتخابات المؤتمر القومى للاتحاد الاشتراكى العربى (يقوم مقام الحزب الحاكم) بعد نتيجة الاستفتاء بنعم.
مع العيد الثامن عشر، عام 1970، يبرز شعار «الصمود والتحدّى» على طابع البريد الذى أُعدّ لهذه المناسبة. قبضة الساعد القوية تمتدّ فى قطع طولى للطابع، وحمامة السلام تُرفرف إلى جانب الساعد.
فى العام الذى يليه، مع العيد التاسع عشر لثورة يوليو، ترمز شمعة مُضيئة إلى جمال عبدالناصر الذى كُتب اسمه على الطابع، ويُصوّر التكوين عبدالناصر بالشمعة التى أضاءت أفريقيا. القارة السمراء مطبوعة خلف الشمعة بلون أسود على الطابع بقيمة 100 مليم.



يوليو مع السادات: من الثورة إلى البناء ثم السلام

مع العيد العشرين للثورة، عام 1972، يختفى اسم الجمهورية العربية المتّحدة، ويظهر لأوّل مرة اسم جمهورية مصر العربية على طابع بريد بقيمة 110 مليمات، ويظهر علم الجمهورية على خلفية ذهبية لامعة. الطابع الذى نملكه لهذه الذكرى هو للبريد الجوّى.
مع العيد العشرين كذلك، يبدأ شعار السادات الشهير «دولة العلم والإيمان» بالظهور على طوابع البريد. وهاهو واحدٌ تتصدّره العبارة الشهيرة، التى عادة ما يقرأها الواحد منّا بصوت السادات المعهود.. يَلفّ الشعار موتيفة العلم المعروفة «الذرّة».
شعار «البناء والمعركة» يظهر فى طابع بريد الذكرى الـ21 لثورة يوليو. سواعد السلاح، البندقية والسكّين، إلى جانب سواعد حاملة السنبلة و«مفتاح 16». كانت هذه هى معركة السادات فى عام 1973. الطابع لا يزال يحتفظ بحُلّته الذهبية مع اللون الأزرق الناصع.



يوليو تقرأ حرب أكتوبر
فى طابع العيد الـ22 للثورة، عام 1974، يظهر تصميمان للطابع. واحدٌ يحمل عنوان «الشرارة» بالعربية والإنجليزية، فى إشارة إلى حرب 6 أكتوبر سنة 1973، ورسمة تصوّر العبور العظيم لخط بارليف.
أمّا الطابع الآخر؛ فيصوّر الطائرات الحربية تعلوها كلمة السادات باللون الأحمر «يجب فى المرحلة المقبلة أن يسأل كلٌ منّا نفسه، ماذا يستطيع أن يُقدّم لمصر»، أما شعار طابع البريد هذا باللون الذهبىّ المعتاد، فهو السنبلة وعبارة «ورقة أكتوبر» التى ردّدها النظام طويلاً: «من روح العبور العظيم إلى الدولة العصرية».
فى عام 1975، مع العيد الـ23 لثورة 52؛ تختار هيئة البريد المصرى التعبير عن وجه «مصر السياحية».. وها هى خريطة مصر السياحية تظهر على الطابع، وتبرز مناطق مصر السياحية من الأقصر وأسوان جنوبا، حتى الإسكندرية والعلمين شمالاً.
يتغنّى هذا الطابع بمعالم وآثار مصر السياحية فى كل مدينة.
يحتفى طابع البريد فى الذكرى الـ24 للثورة، برحلة الرئيس السادات التاريخية سنة 1976. حتمًا يقصد زيارة الكنيسيت الإسرائيلى. الغريب أن الزيارة كانت فى عام 1977، أى بعد تاريخ هذا الطابع بعام! هل خطأ مطبعى!
يتصدّر هذا الطابع بورتريه بحجم صغير لرجل الحرب والسلام كما لُقّب، خريطة الكرة الأرضية باللون الرملىّ الأصفر.



الرمزية تختفى ويعلو «العلم والإيمان»

فى العيد الفضّى ليوليو (25 عاما)، يصدر طابع بريد تذكارى بقيمة 110 مليمات. تصميم بسيط وخالٍ من أى رمزيّات. نسر الجمهورية باللون الأبيض يتصدّر الطابع، وفى وسطه يُرفرف العلم المصرى.
مع العيد الـ27، يُعاود شعار العلم والإيمان الظهور على طابع البريد. فى تصميمٍ رصين خالٍ من الفنيّة، تظهر موتيفة الذرّة أو مدار الإلكترونيات على صفحتىّ كتاب أبيض مفتوح و23 يوليو 1952 مكتوبة على قرص برتقالى كأنها شمسٌ ساطعة.
فى طابع آخر بنفس العام، 1979، تتكرّر عبارة السلام على طابع تذكارى باللون الأصفر وحمامات السلام تُرفرف. طابع البريد هذا يُعطى انطباعًا بأنه صُمّم «لأداء الواجب».
بمناسبة ذكرى مرور 28 عامًا على ثورة يوليو، تحتفى هيئة البريد المصرى فى عام 1980 بعام التأمينات الاجتماعية. هنا يتحقق هدف الهيئة فى التضامن والتعبير عن موقف السيادة المصرية والاحتفاء بمنجزاتها، وأنه كلما ارتبط الإنجاز بذكرى سياسية وتاريخية ذات دلالة، كان أقوى فى التعبير واستدعاء الفخر.
وها هو عام الدفاع الاجتماعى يتصدر احتفاء طابع بريد تذكارى يتسيّده اللون الأصفر، فى الذكرى الـ29. ومع الذكرى الثلاثين يظهر العلم المصرى على شكل وردة.
وفى عصر مبارك يُعاود التمسّك بهدف وشعار السلام، لهذا تظهر السنبلة كثيرًا فى طوابع البريد منذ تولى حسنى مبارك رئاسة مصر عقب اغتيال السادات.
ومرّة أخرى، يتراجع الطابع الفنّى لطابع البريد، حيث كان فى الماضى حتى الحقبة الناصرية وجزء يسير من الحقبة الساداتية يميل فعليًا إلى كونه لوحة فنية ترسم عليها الخطوط والصور، ثم يختفى تدريجيًا الحسّ الفنى فى إنتاج الطابع البريدى مع تطوّر تقنيات الطباعة وألعاب الجرافيك، فيضحى طابعًا جافًا خاليًا من الجمالية ومليئًا بمُباشرة قويّة.. إلا أنَّ حكاية الضباط الأحرار مع طوابع البريد مثلما أرخت للثورة الأم، امتدت - كذلك - لتؤرخ لحدث فرض الإرادة المصرية فى وجه الاستعمار.. ونقصد تأميم القناة.



حُلم نابليون حقّقه ديليسيبس

ارتبط أوّل ظهور لقناة السويس فى طوابع البريد المصرية بتاريخ قُبيل افتتاحها، وتحديدًا فى عام 1868م لدى إصدار أربعة طوابع لاستيفاء أجرة البريد الذى استحدثته شركة قناة السويس فى عام 1859م، والخاص بنقل مراسلاتها بين الإدارة ومركز الحفر على طول القناة. إلا أن الدولة المصرية سحبت هذه الطوابع بعد أقل من أربعين يومًا على بدء التداول بها، بعلّة أنها شأن رسمي حصري لها.
ووفق مجلة ذاكرة مصر؛ نعرف أن هذه المجموعة من الطوابع الخاصة أدرجتها هيئة البريد المصرى باسم «شركة قناة السويس» بالفرنسية، ويحمل رسم سفينة بخارية، ضمن قسم مصر فى دليل الطوابع العالمى Stanley Gibbons.
لكن؛ لنحكى الحكاية من أوّلها..
فكّر نابليون مع قدوم الحملة الفرنسية على مصر فى إنشاء قناة السويس عام 1798، إلّا أن خطوته باءت بالفشل. وفى عام 1854 منح ديليسيبس الشركة الفرنسية امتياز حفر وتشغيل القناة لمدة 99 عامًا. استغرق بناء القناة عشر سنوات (1859 - 1869). صوّر الفنان السكندرى العريق محمود سعيد افتتاح القناة الذى أقيم له حفل مهيب وبميزانية ضخمة؛ فى لوحة مفعمة بالألوان الصارخة الداكنة التى عوّدنا عليها.
فى يوليو عام 1956 قام الرئيس عبدالناصر بتأميم قناة السويس، وهو ما تسبّب فى إعلان بريطانيا وفرنسا بمشاركة إسرائيل الحرب على مصر، فكان العدوان الثلاثي. وهنا، مع العدوان، تظهر القناة كرمز سيادى فى طابع البريد. نملك فى مجموعتنا هنا، طابع بريد عرضيًا بنيّ اللون، يُصوّر بورسعيد فى نوفمبر 1956. وكيف كان الجلاء فى 22 من ديسمبر عام 1965.
طابع البريد فى مناسبة العدوان؛ يحتفى فى مقدمته بالجندى المصرى وأبناء بورسعيد، والطابع الذى نستعرضه هنا بقيمة عشرة مليمات.
فى طابع بريدى آخر بقيمة عشرة مليمات، يَظهر العلم المصرى ذى الهلال والنجمات الثلاث، فى قطع طولى يُظهر امتداد القناة من البحر الأحمر حتى المتوسط والعكس.
يقطع اللونين الأزرق للمياه والأصفر للصحراء الشاسعة سفينةٌ بحرية ترمز إلى نشاط القناة ودورها فى تسهيل الملاحة البحرية. كُتب على هذا الطابع البريدي: تأميم شركة قناة السويس - ضمان حرية الملاحة 26 / 7/ 1956. تسبّبت حرب 1967 فى إغلاق قناة السويس لأكثر من ثماني سنوات، حتى قام الرئيس السادات بإعادة افتتاحها فى الخامس من يونيو 1975 (مع ذكرى النكسة)، بعد فض الاشتباك بين مصر وإسرائيل ووقف إطلاق النار ضمن أحداث حرب أكتوبر.
شهدت القناة بعد ذلك عدة مشاريع لتوسيع مجراها وتقليل وقت عبورها بدأت عام 1980 وكان آخرها فى السادس من أغسطس عام 2015 مع افتتاح مشروع قناة السويس الجديدة.


إرث ناصر الذى أغرى أنور السادات

إعادة افتتاح القناة ينال فى عهد الرئيس أنور السادات، اهتمامًا بالغًا من قبل هيئة البريد المصري. فى ثلاثة ألوان مختلفة لثلاثة طوابع بريدية من قيم عشرين وثلاثين و110 مليمات؛ يظهر من طوابع البريد التى بين أيدينا بمناسبة إعادة فتح قناة السويس، مُقدّمة عَبّارتين كبيرتين كُتب عليها «السلام» وصورة الرئيس السادات إلى الجانب الأيمن من الطابع، وتحت الصورة عبارة «لخير شعبنا ولخير العالم». وفى العيد الخامس لعودة الملاحة لقناة السويس تشقُّ الفلاحة المصرية وفى يدها سُنبلة القمح وتحتها تسير إحدى سفن القناة، فى مقطع طولى لطابع بريد يطغى عليه اللون البرتقالى بقيمة 140 مليمًا.
أما مع زيادة التطوير والتوسيع التى بدأت أوّل مرّة عام 1980 فى عهد السادات؛ فيظهر طابع بريد أنيق تتصدره كلمة (مصر) وباللونين الأزرق والأخضر تشّق سفينة تجارية كُتب عليها أنها تزن 60 ألف طن، فيما يقابلها سفينة أكبر (فى إشارة إلى التطوير الذى تمّ) وأنها ستزن حتى 150 ألف طن.
احتفت هيئة البريد فى هذا الطابع، بإنجاز تفريعات «التمساح» و«الدفرسوار» و«بورسعيد» فى ذلك العام.
مع العيد الفضى لتأميم قناة السويس فى عام 1981، والذى واكب الذكرى الـ29 لثورة يوليو، تظهر مقابلة طولية بين سفينتين، واحدة صغيرة عام 1956 مع بدء تأميم قناة السويس، والثانية أكبر عام 1981 فى إشارة إلى إعادة الافتتاح. يمتد خط القنال ويحيطها علم مصر فى محيط دائرى على طابع بريد أبيض فى أزرق بقيمة عشرين مليمًا.


مئوية قناة السويس

ولا تفوت هيئة البريد المصرية الاحتفاء بالذكرى المئوية لافتتاح قناة السويس (1869 - 1969). طابع البريد ذو القطع العرضى يُظهر اختصار حفر القناة على خطوط الملاحة العبور عبر رأس الرجاء الصالح، ووصل التجارة البحرية والملاحية بين أوروبا وأفريقيا.
فى طابع البريد هذا ذى العشرين مليمًا؛ لا يفوت مصلحة البريد كذلك الإشارة إلى سواعد العمّال المصريين (الفلّاحون) - فى رمزية تُعنى بمصرية القناة - هؤلاء العمّال الذين عملوا تحت أحلك وأصعب ظروف السخرة فى حفر القناة. ويظهرون مشمّرين الأكمام والجلاليب والبناطيل، حاملين الفئوس والشوانى والمشنّات فوق رؤوسهم.
قبل ذلك، فى اليوبيل الذهبى (50 عامًا)، صدر طابع بريد حمل رسم مبنى هيئة قناة السويس فى بورسعيد الذى بناه الخديوى عباس حلمى الثانى عام 1895م، والذى يعتبر تحفة معمارية على هيئة قصر من الطراز الإسلامي.


الاحتفاء بالقناة مع ذكرى ثورة يوليو

فى بداية عهد الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك، لم تختلف تشكيلة طوابع البريد عن قناة السويس وبمناسبة ذكرى الاحتفاء بثورة 23 يوليو 1952، عن تلك التى صدرت فى عهد السادات. «فها هو العلم المصرى يلفّ سنبلة القمح فى إشارة متابعة لسياسة السلام». أما المجموعة التى صدرت فى عام 1994م بمناسبة مرور 125 عامًا على افتتاح قناة السويس، فتألفت من طابعين بحلّة جديدة. حمل الطابع الأوّل رسمة القناة فى «خرطوشة»، وهى رمز فرعونى معروف للتدليل على مصرية القناة، وإعادة التأكيد على أن الفراعنة هم أوّل من فكّر بفتح قناة بين البحرين. أما الطابع الثانى فحمل رسمة احتفال الافتتاح الملوكى عام 1869م فى تذكير مقصود بالأبّهة الملوكية التى رافقت تلك الاحتفالية.


تاريخ يتكرّر

فى الخامس من أغسطس عام 2014م، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسى عن بدء العمل فى إنشاء مجرى ملاحى جديد لقناة السويس وتعميق المجرى الملاحى القائم. وفى هذه المناسبة صدرت مجموعتان من الطوابع: الأولى عام 2014م احتفالاً ببدء أعمال المشروع، والثانية عام 2015م بمناسبة افتتاح القناة الجديدة.
الطوابع الأخيرة، أقل فنيّة، ربما لأنها أقل فى حمولتها بمخزون النوستالجيا والحنين فى طوابع الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.