الأربعاء 11 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

عبدالرحمن.. قبل أن يصبح «الخال»

عبدالرحمن.. قبل أن يصبح «الخال»
عبدالرحمن.. قبل أن يصبح «الخال»


رحل عبدالرحمن الأبنودى الذى انضم لقائمة أنبياء الشعر، وأنه جاء للأرض لمهمة ونفذها على مدار أكثر من نصف قرن من الإنتاج الشعرى الخارج من طين جنوب مصر. وفى مطلع ثمانينيات القرن الماضى الأبنودى قال فى أحد لقاءاته: «الشعر هو اسمى وملامحى ولا معنى لوجودى فى هذه الحياة بدونه»، بينما يصف الخال الأبنودى نفسه قائلا: «أنا لست إنسانًا رائعًا ولا تجربة فريدة على مستوى الحياة، لا مال ولا جمال».. ويؤكد أنه «بدون الشعر والحب الشعبى لم يكن له أى مبرر للوجود».
نعود إلى كلماته الراسخة بين جنبات قصائده وأحاديثه، والتى تحولت من الآن فصاعدًا إلى «سيرة أبنودية» وتراث شعرى مُتداخل فى أحداث عميقة ومؤثرة منذ ماضى وحتى حاضر ومستقبل الوطن، بسبب الفترة التى انطلق فيها لسان الأبنودى فى خمسينيات القرن الماضى مرورًا بالازدهار الثقافى فى الستينيات ومرحلة الانفتاح فى السبعينيات وما تابعها من ركود فى الثمانينيات والتسعينيات وصولا إلى مرحلة الزهق الشعبى الذى أدى لانفجار عظيم فى 25 يناير.2011
ويبدو أن بلوغ الأبنودى لـ5 رؤساء حكموا مصر منذ إعلان الجمهورية عام 1952 وحتى ثورة يناير وعدم تأثر شعبيته بالمتغيرات، جعل البعض - رغم عشقهم لموهبته - يضعه فى الخانة «الرمادية»، ولم يحدد لنفسه موقفًا سياسيًا حاسمًا من فترة حكم جمال عبدالناصر وخلفائه.
وكانت علاقة الأبنودى بأنور السادات مُحيرة خاصة بعد عام 1975 وانتقاده لاتفاقية السلام مع إسرائيل «كامب ديفيد»، وعدم معارضته للرئيس المخلوع حسنى مبارك وحصوله على جوائز رسمية آخرها جائزة مبارك عام 2010 ثم أعلن الأبنودى انتماءه لثورة الشباب فى يناير 2011 بقصيدة «الميدان» التى لم تفارق الثوار فى الميادين واعتبروا كلماته إلهامًا لهتافاتهم مثلما جعلوا من أحمد فؤاد نجم أيقونة ثورية.
وعن الرئيس عبدالفتاح السيسى قال الأبنودى: «نحن الآن فى زمن السيسى، بعد أن تلوثنا بما فيه الكفاية، وهذا الرجل قطعة طيبة جاءت من عند الله فى زمن سيئ.. الآن عندنا زعيم أو رئيس لا نختلف عليه، واللى يختلف عليه يبقى هو الباطل، عندنا رجل فاضل جدًا بيحكمنا، وهذا رجل بعد كل اللى شفناه يبقى ربنا راضى عن هذا الشعب وبعتله الإنسان اللى إحنا مبنحسش بالغربة معاه».
فى فبراير 1985 قال الأبنودى فى لقاء أدبى إن «حرب أكتوبر كانت اختباراً للجندى المصرى الذى ظل سنوات على شاطئ القناة يمضغ الصبر والإهانة والذل، ورغم أنه انتقم لهذا خير انتقام، إلا أن شعر العامية لم يعبر عن هذا، لأن السلطة وقتها لم تترك له الفرصة» وأكد أنه «لا فرق بين السلطة العسكرية والبوليسية والأدبية».
ويضيف متحدثًا عن نكسة 1967: ''«النكسة أصابت المثقفين باليأس، خرجت من القاهرة وذهبت لأعيش فى السويس مع الجنود والفلاحين الذين رفضوا الهجرة، وما كتبته فى ذلك الوقت يعد من أفضل ما كتبت على الإطلاق». وعن وفاة عبدالناصر ومجىء السادات رئيسًا قال: «جاء السادات وكان لابد أن يصاب الشعر بحالات ترقب ليعلم إلى أى الطرق نسير، وفى أثناء حرب أكتوبر لم أكن أعيش فى مصر وكنت بين تونس وإنجلترا لمدة 3 سنوات وعدت عام 1974 وكانت الحرب قد بيعت بإبرام اتفاقية كامب ديفيد».
وعن تمسكه باللغة العامية فى التعبير عما بداخله من منتج شعرى، قال إنه عندما كان فى سن الـ14 عاماً: «كنت بدأت أكتب الشعر باللغة الفصحى كما تعلمت من والدى والمدرسة، وعندما عرضت ما كتبته على أصدقائى فى أبنود، لم تحدث الصلة الحميمة التى يجب أن تحدث بين شاعر وجمهوره ليستمر الشاعر.. فقررت أن أغير اللغة واتجهت للعامية وأطحت بكل ما كتبت وكل ما تعلمته بالمدرسة، وثار والدى عندما قرأ لى أبيات العامية ومزق أول ديوان شعر عامية كتبته واتهمنى بالإساءة للغة القرآن».
«من العجيب أن الدولة أسكتت هذه الأغنية فى وقت مبكر».. هكذا تحدث الأبنودى قبل 30 عامًا عن «موال النهار» الذى كتبه بعد نكسة 67 وقال إنه كان أكثر أسباب احترام العالم العربى له وأنها كانت الأغنية الوحيدة التى شهدت أنه كانت هناك هزيمة.
وعبر الأبنودى عن جيل الستينيات الذى ينتمى وعيًا وفكرًا إليه قائلاً: «هذا هو الجيل الذى ربى بعضه.. ربى نفسه بنفسه، كان من يكسب 5 جنيهات يعول جيلاً بكامله، وزُج بنا إلى السجون  عام 66 ووقتها نشأت التناقضات بيننا وبين السلطة وكان لابد أن نصطدم.. واصطدمنا».
وقال أيضًا: «هناك الشرفاء الذين آثروا الصمت، وهناك من وقف إلى جوار السلطة وهناك من وقف مع الشعب، فمن إيجابيات معاهدة كامب ديفيد العبقرية أنها حسمت قضية الانتماء.. هل أنت مع الوطن أو ضد الوطن؟.. هل أنت مع الشعب أو السلطة؟».
رحل الأبنودى بعد أن أتم الـ76 عامًا، صال وجال هنا وهناك، سُجن وثار وهدأ وكتب ما لا يمكن حصره هنا، رحل عبدالرحمن وبقت «يامنة» وغيرها من أعماله الخالدة فى أذهان وعقول جيله وأبناء وأحفاد جيله تدوى بصوته أرجاء الوطن العربى، وسواء كنت مع أو ضد الشاعر فكريًا فأنت ستكون ظالمًا إذا أنكرت موهبته ومدى تأثيره فى الذين استمعوا لكلماته ولو صدفةً.∎