الأحد 6 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
هل عَبد المصريون القدماء الحيوانات؟

هل عَبد المصريون القدماء الحيوانات؟


غلبت روح التديُّن على المصرى القديم منذ بدايات وجوده على أرض بلاده الطيبة، وكانت الحيوانات بأنواعها المختلفة تشاركه بيئته الفسيحة المليئة بكل الكائنات، أُعجب المصرى بالقدرات الكبيرة لهذه الحيوانات والتى كان يفتقد إليها كإنسان أحيانًا، وامتازت تلك الحيوانات بقدرتها على إمداده بقدر كبير من الخيرات مثل الألبان واللحوم التى كان يقتات عليها والجلود التى كانت تقيه من قسوة البرد فى الشتاء، فنشأ بين المصرى القديم وتلك الحيوانات نوع غير محدود من الألفة غير المعلنة، فأسبغ عليها بالغ القداسة والاهتمام والتبجيل؛ نظرًا لما تقدمه له من عطاء وفير وحب وتضحية.

لم تكن لدى المصرى القديم القدرة للسيطرة على بعض الأنواع من الحيوانات، وأدرك مع الوقت أن لها قدرات عظيمة أكبر من قدرته هو ذاته، ومن هنا امتد التقديس والحب والتبجيل لهذه الحيوانات خوفًا منها، نظرًا لما لها من قدرة وقوة أكبر مما يمتلك هو.
ولا شك أن موضوع تقديس الحيوان فى مصر القديمة من أكثر الأمور التى كانت ولا تزال محل جدل ومثار عجب ودهشة لدى البعض قديمًا وحديثًا، وكان أبرزهم أبوالتاريخ أو أبوالأكاذيب المؤرخ الإغريقى الأشهر هيرودوت. واعتقد بعض العلماء أن المصريين القدماء عبدوا الحيوانات وجعلوها آلهة معينة ذات رموز خاصة، ورفض بعضهم هذا الرأى بشدة.
كان تقديس الحيوان معروفًا فى مصر منذ أقدم العصور، واختفى مع الوقت لكن صار التقديس نوعًا من الاحترام وكتقليد متوارث منذ القدم إلى العصور التاريخية، غير أن السبب الأهم فى احترام وتقديس الحيوان فى مصر القديمة يرجع، أغلب الظن، إلى تقديس الروح السامية الكامنة فى الحيوان، وليس الحيوان ذاته، فالمصرى لم يقدس كل أنواع الحيوان، كما يحدث فى الهند من تقديس لجميع أنواع الأبقار، وإنما كان الاختيار يقع على نوع محدد من الحيوان.
ولم يكن يتم تقديس كل الحيوانات من تماسيح وأبقار وكباش وصقور وغيرها. وإنما كان الاختيار يتم عن طريق مجموعة من العلماء فى «بر عنخ» أو «بيت الحياة»، مكان العلم والعلماء الموجود فى المعابد، ومتى توافرت الشروط بدقة يتم الإعلان عن اختيار ذلك الحيوان المقدس فى احتفال عظيم فى المعبدالخاص بالإله. وعندما يموت هذا الحيوان المقدس، يتم تحنيطه ودفنه فى موكب عظيم.
 كان الحيوان وسيطًا بين الإنسان المصرى القديم وبين الإله الذى كان يرمز إليه ذلك النوع من الحيوانات. وكأن قدرة المعبود تتجلى فى هذا الرمز الحيوانى. وتحول الأمر إلى نوع من القداسة التى وقَّرت روح الحيوان، لا الحيوان ذاته. وكانت روح المعبود تتجلى فى ذلك الحيوان أو هذا الطائر أو فى أى من الزواحف. وفى هذا ما يوضح ترفُّع الإله وتجرده عن الحالة المادية واختفائه عن الأنظار، وتنزه الإله وارتفاعه إلى مرتبة عليا من السمو والتنزه عن الماديات الملموسة إلى العالم السماوى اللامادى حيث السمو بالذات إلى ملكوت التجدر عن كل الصفات الأرضية.
كانت الحيوانات المنزلية تنال قدرًا كبيرًا من عطف ورعاية المصرى القديم فى محيط الأسرة المصرية باعتبارها تمثل أرواحًا طيبة فى محيط بيت الأسرة، ومال البعض إلى اعتبار عبادة الحيوان فى مصر القديمة دخيلة على المجتمع المصرى القديم، وإنما حدثت فى عصور الاحتلال والاضطهاد الدينى والسياسى، وفى العصور المتأخرة من تاريخ مصر القديمة، خصوصًا فى العصور اليونانية-الرومانية.
تم تصوير الحيوانات المقدسة فى هيئات مزجت مزجًا بارعًا بين الحيوان والإنسان، فنراها تظهر فى هيئات نصف آدمية بجسد إنسان ورأس حيوان. وكان فى هذا محاولة من المصريين القدماء إلى تقريب الصورة إلى الأذهان. وتم إطلاق اسم «أرواح المعبودات» على هذه المعبودات المقدسة. وأطلق المصريون القدماء أسماء إلهية جديدة على الحيوانات المختارة بعناية فائقة لتمثل المعبود، فنرى الصقر يُطلق عليه اسم «حورس» وليس «بيك» بمعنى «الصقر» اسمه فى اللغة المصرية القديمة. وأُطلق على البقرة «حتحور»، وليس «إيحت»، وأُطلق على التمساح لقب الرب «سوبك»، وليس «مسح»، معناه فى مصر القديمة. وأصبح الكبش يأخذ اسم «آمون» أو «خنوم»، وليس «با». وتم تصوير العجل «أبيس»، روح المعبود بتاح، فى شكل حيوانى خالص.
وهناك أنواع عديدة من الحيوانات التى قدَّسها المصريون القدماء لأسباب عدة. ونذكر هنا بعضًا منها على سبيل المثال، لا الحصر، مثل البقرة التى ارتبطت بالإلهة حتحور، وكانت تُصور على شكل إلهة بجسم سيدة ورأس بقرة. وكانت رمزًا للجمال والحب والسعادة. وانتشرت عبادة وتقديس البقرة فى مصر لما تمتاز به من الحنان والأمومة ورعايتها لرضيعها وإدرارها الألبان. وكان التمساح رمزًا للرب سوبك، الإله التمساح، الذى انتشرت عبادته فى أرجاء عديدة من مصر، خصوصًا فى منطقة الفيوم.
كان الصقر، فى أغلب الحالات يمثل الإله حورس ابن الرب أوزيريس والرب إيزيس. وكان يتم تصويره كرجل برأس صقر. وارتبط هذا الإله بالملكية المصرية المقدسة. وكان يُطلق على بعض أشكاله اسم «حورس الذهبى». وكان هذا الشكل من ضمن الألقاب الخمسة التى كان يحملها الملوك الفراعنة. وكان أبو منجل أو أيبس أو أبو قردان واحدًا من الحيوانات المقدسة التى تصور الرب تحوت إله الكتابة والحكمة، والذى اخترع جميع العلوم التى عرفها الإنسان. وكان يمثل كرجل برأس «أبو منجل».
كانت القطة تعتبر حيوانًا مقدسًا خاصًا بالإلهة القطة باستت التى كان مركز عبادتها فى منطقة تل بسطة فى الزقازيق فى الشرقية. وكانت القطة من الحيوانات الأليفة التى كانت تُربى فى المنزل المصرى القديم. وكانت كذلك من الربات الحاميات للمنزل بما فيه من أطفال ونساء. وكان القرد أو البابون من الحيوانات المقدسة؛ لأنه كان يحيى الشمس عند شروقها تحية للإله رع إله الشمس. وهذ المشهد يظهر على مسلة الملك رمسيس الثانى فى معبد الأقصر. وكانت القرود مصدرًا للمرح واللهو فى مصر القديمة. وكانت أيضًا رمزًا للرب تحوت إله الكتابة والحكمة. وكانت تُصور فى تماثيل كبيرة الحجم كما هو موجود فى الأشمونين فى المنيا، أو كما اكتُشف حديثًا فى معبد أمنحتب الثالث فى الأقصر.
حية الكوبرا أو الصل الملكى كانت رمزًا مهمًا من رموز الملكية المصرية المقدسة. وكانت رمزًا للربة واجيت سيدة الدلتا المصرية. وكانت اللبؤة تمثل بعض الإلهات مثل الإلهة سخمت، ابنة رع. وكانت تُمثل كامرأة برأس لبؤة. وعلى الرغم من أنها كانت تسبب انتشار الأوبئة والأمراض، فكانت أيضًا سبيلاً للشفاء وأداة كان يستخدمها الأطباء لشفاء مرضاهم، وأرسل تمثالها الملك أمنحتب الثالث لشفاء أحد حكام بلاد الشرق الأدنى القديم. وكانت سخمت تتميز بالقوة والشراسة والقدرة الفاتكة. وتم تقديسها اتقاءً لشرها.
وكان الجعران رمز الرب خِبرى، شمس الصباح المشرقة، أول مظاهر الإله رع. وكان الثور رمزًا مقدسًا لعدد كبير من المعبودات باعتباره رمزًا للخصوبة والقوة مثل آمون وخنوم ومنفيس ومونتو. ولعل أشهر الثيران الإله أبيس إله الخصوبة. وكان الملك نفسه يُصور فى هيئة الثور أو يُوصف بالثور القوى «كا نخت». وكان الملك يصارع الثور فى عيد «سد» أو عيد التتويج للجلوس على العرش حتى يثبت للشعب المصرى أنه قوى وقادر على إدارة البلاد بقوة وحزم.
أما ابن آوى رمز أنوبيس فكان يتم تصويره على شكل إنسان برأس ابن آوى. وكان مسئولاً عن الحفاظ على جثث الموتى. وكان يتابع شأن الميزان فى الفصل 125 الخاص بمحاكمة الموتى فى كتاب الموتى الفرعونى. وكان يساعد المومياء عند إجراء طقسة فتح الفم. وكان يطلق المصريون القدماء عليه «الحارس، وسيد الأرض المقدسة، والذى فى خيمة التحنيط، والذى يعتلى جبله». وكان الكاهن المحنط يرتدى قناع هذا الإله أثناء عملية التحنيط. وكان حيوان فرس النهر الذكر شريرًا لأنه كان يلتهم المحاصيل الزراعية ويفسد المزروعات ويدمر الأرض الزراعية، بينما كانت أنثى فرس النهر، الإلهة تاورت، ذات الجسد الأنثوى ورأس فرس نهر، ربة حامية للأمومة والطفولة.
وكانت أنثى طائر العقاب نِخبت سيدة مصر العليا، وكانت ربة حامية للفرعون، وكانت تظهر تنشر جناحيها حماية للملك. وكانت تمثل على التاج الملكى على جبهة الفرعون. وكانت الربة حقت أو حقات الضفدعة رمزًا للحياة والخصوبة والتجدد والميلاد والبعث. ومثلت هذه الربة على هيئة امرأة برأس ضفدعة. وكانت لها القدرة على تيسير اللحظات الأخيرة من الولادة. وكان العقرب رمز الربة الحامية سلكت أو سرقت المصورة كربة حامية على مقاصير الفرعون الذهبى الملك توت عنخ آمون.
وفى النهاية، أقول إن المصريين القدماء لم يقدسوا أو يعبدوا الحيوان لذاته، ولكنهم قد وجدوا فى الحيوان قوة إلهية علوية تمثلت فى روح الرب الذى كان يرمز له. وكان فى هذا تفكير عظيم من المصريين القدماء. وعبروا عن فكرهم الراقى من خلال عدد كبير من الأفكار الفلسفية بشكل يقرب أفكارهم الراقية إلى أذهان البسطاء، غير أن الإغريق عندما زاروا مصر، لم يكونوا يفطنون إلى فلسفة العقيدة والتعبُّد لدى المصرى القديم. وأشاعوا أن المصرى القديم قد عبد الحيوان الذى لم يكن له وجود فى معتقداتهم. ومع الوقت، زالت الغشاوة وعرف العالم سحر ولغز تقديس الحيوان فى مصر القديمة التى علمت العالم كله. 
*مدير متحف الآثار-مكتبة الإسكندرية