«فاريا ستارك» والإخوان (5) لعبة الأمم وصراع الدول الدينية
عندما وعد «بلفور» وزير خارجية بريطانيا فى 1917 اليهود بمنحهم وطنًا قومىًا لهم على الأراضى الفلسطينية كان يضرب عصفورين بحجر فإنه كان يريد دعم اللوبى الصهيونى لبلاده فى الحرب العالمية الأولى والوقوف فى وجه ألمانيا العدو الأول لليهود، والأمر الآخر هو خلق كيان غريب فى المنطقة العربية يقلقها ويكون العصا التى تخيف به بريطانيا الدول التى تقع تحت انتدابها.
إلا أن بعد أقل من عشر سنوات استشعرت بريطانيا أن الصهيونية تتمدد وتشكل خطرًا عليها هى نفسها ما جعل النخبة السياسية البريطانية تلعن «بلفور» وتفكر كيف تتغلب على هذا المأزق.
وهنا افتق ذهنهم بأن يطبقوا جزءًا من خطط (لعبة الأمم) التى بدأ الساسة العالميون يطبقونها فى هذه الآونة، وعليه بدأت بريطانيا بوضع الإطار الدينى فى تطبيق لعبتها مستفيدة من المنطق الصهيونى فى إقامة دولة يهودية على أساس ما ادعته من حق دينى لها فى هذه الأرض، ومن هنا دعمت بريطانيا (حسن البنّا) لتعظيم دور جماعته وأخذت تغازله بدولة الخلافة التى ستمنحه إياها ليقيم عليها مشروع دولته الدينية هو الآخر.
«ولكن قبل أن نكمل الأحداث علينا بذكر مفارقة هزلية قامت بها بريطانيا فى سعيها لإدارة حرب دينية فى المنطقة كانت تقوم بتدريب كل من العصابات الصهيونية وفى الوقت نفسه التنظيم السرى للإخوان لحمل الطرفين للسلاح والأكثر أنه كان يتم هذا فى معسكر واحد تفصلهم كيلو مترات قليلة عن بعضهم»، المهم أن بريطانيا حاولت أن تحجم النشاط اليهودى الذى بدأ يقلقها هى، فنجد فى عام 1940 عرفت (فاريا) أنهم صاروا فى حيص بيص من توافد فيضان الطوفان اليهودى على فلسطين، خاصة أن العرب اللاجئين المقيمين هناك سيغلبون على أمرهم لأن اليهود أفضل تنظيمًا وتمويلًا وعدة وعتادًا، مما جعلهم يتمكنون معه من التصارع على ملكية الأرض، وهنا قد تخسر بريطانيا بقاء العرب على الحياد أثناء الحرب، فحاولت إصلاح بعض من الأمر، فقامت باعتراض سفينتين كانتا فى طريقهما إلى فلسطين، وفى الوقت نفسه قامت بنقل اللاجئين إلى جزر (موريشيوس) عبر سفينة ( إس إس باتريا ) إلا أن عصابات ( الهجناة) من قوة الدفاع اليهودى حاولت تعطيل السفينة عن طريق زرع قنبلة فى جسم السفينة وانفجرت وأسفر ذلك عن موت 200 من الفلسطينيين، وعليه قامت بريطانيا بعد عامين بالرد على هذا ليس انتقامًا للفلسطينيين طبعًا ولكن من أجل إثبات القوة والنفوذ والقضاء للتجرؤ الصهيونى على سفينة بريطانية، ولذا رفض ( اللورد موين ) وزير المستعمرات دخول 769 يهوديًا رومانيًا جاءوا إلى فلسطين من أحد موانئ البحر الأسود على سفينة مخصصة لنقل المواشى تسمى (ستروما) أغلق الأتراك ممر السفينة وغمرها الماء وغرقت ولَم ينج منها سوى اثنين فقط، واحتج اليهود فى سائر أنحاء العالم بشدة، فى حين اعتبرت أمريكا ذلك عملًا همجيًّا من بريطانيا مثل أعمال هتلر، هذه الأحداث جعلت الصهاينة ينشطون فى أروقة الكونجرس الأمريكى.
ومن خلال لعبة الأمم التى لم تنضب بعد، فإن كلًا من بريطانيا وأمريكا يتسابقان من أجل دعم وتأجيج الجماعات الدينية لتنفيذ اللعبة الكبرى، وهذا يوضح لنا كيف أن أمريكا حاولت نزع المخطط البريطانى وإثبات أنها الأجدر فى تنفيذه مع الجماعة الإخوانية فى عهد (أوباما) والتى أرادت أن تكون الجائزة الكبرى فى تلك اللعبة الأممية (مصر) بعد أن قال التاريخ لهم إن مصر عصية فى وجه هذا المشروع وحاولت واشنطن بدعم الإخوان تقديم نفسها بأنها صاحبة الامتياز فى مشروع لعبة الأمم وأنها قادرة على تطويع مصر لقبوله الا أن لعبتها أفشلتها مصر وفشل معها النظام الأوبامى الكونداليزى.
والآن يدعم (ترامب) وبلا حدود إسرائيل أو ما يمكننا أن نطلق عليه القاعدة الأمريكية الأكبر فى منطقة الشرق الأوسط والتى من أجلها يقوم بهدم كل التابوهات الدينية فى المنطقة الشرق أوسطية وحتى التى قاربت على الرسوخ منها مثل (إيران) إيمانًا منه بأن (صفقة القرن) هو مشروعه فى إقامة لعبة أمم جديدة ولذلك يتكتم على مضمون صفقة القرن.
ونرجع مرة أخرى للجماعة الإخوانية والدور الذى جهزتها به بريطانيا منذ عشرينيات القرن الماضى وحتى الآن ودورها فى حرب فلسطين عام 1948 لتخرج الجماعة من تلك الحرب بسلاح وفير سطت عليه وتدريب عناصرها فى صفوف المجاهدين لاكتساب الخبرة القتالية والأكثر أنها صارت جماعة من أغنياء الحرب.. فهل كان للجماعة دور فيما عرف بـ (الأسلحة الفاسدة)؟
يتبع