بعد الضجة التى أثارها مقترح إنشاء بنك للأنسجة
تجارب التبرع بالأعضاء فى العالم
آلاء شوقى
أثيرت خلال الأيام القليلة الماضية، قضية حيوية بطرح فكرة إنشاء بنك وطنى للأنسجة البشرية، وذلك بعدما كشفت عضو بمجلس الشيوخ أن مصر تستوردها بسبب عدم وجود بنية محلية متكاملة لعلاج حالات الحروق الشديدة، وغيرها من الحالات الحرجة، خصوصًا بين الأطفال.
التصريحات سلطت الضوء على الحاجة الحقيقية لتطوير منظومة التبرع بالأعضاء والأنسجة فى مصر، لكنها أثارت - فى الوقت ذاته - تساؤلات مهمة، منها: هل هذا الأمر قابل للتطبيق، وهل يمكن تطبيق لوائح تضمن عدم إساءة استخدام التبرعات؟
الإجابة تكمن فى التجارب الدولية (الحسنة)، حيث يحدث التبرع بالأعضاء والأنسجة فى الدول المتقدمة وفق قوانين صارمة جدًا، لا يتم فيها التعامل مع الأعضاء كبضاعة أو سلع للتجارة، بل كتبرع إنسانى يتحكم فيه إطار قانونى وأخلاقى فى قمة الدقة والرقابة والمحاسبة.
>مبادئ التبرع بالأعضاء
تتحكم فى قضية التبرع بالأعضاء حول العالم عدة مبادئ أساسية متفق عليها بشكل عام، وتعد أهم 3 مبادئ أساسية معترف بها عالميا للتبرع بالأعضاء سواء الحية أو بعد الوفاة، هي:
- (الطوعية والإرادة الحرة للمتبرع) حيث لا يحدث التبرع إلا إذا وافق الشخص طواعية، أو وافقت عائلته بحسب التشريع.
- (إنقاذ الحياة أو تحسين جودة الحياة)، حيث لا يُسمح بإجراء هذه العمليات إلا لأغراض علاجية أو إنسانية مشروعة فقط.
- (منع التجارة والاتجار بالأعضاء) حيث تجرم القوانين فى جميع الدول المتقدمة بيع وشراء الأعضاء، وتفرض عقوبات صارمة لمن يخالف القوانين أيًا كان عمله أو منصبه.
تلك المبادئ تشكل الأساس الذى تُبنى عليه كل نظم التبرع فى الدول المختلفة، وتُشرف عليها جهات حكومية وصحية لضمان العدالة والشفافية.
>قانون تنظيمى شامل
فى الولايات المتحدة تُنظَّم عملية التبرع بالأعضاء والأنسجة عبر قانون يسمى (Uniform Anatomical Gift Act)، وهو إطار تشريعى موحد اعتمده جميع الولايات الأمريكية لتنظيم كيفية الموافقة على التبرع، وتحديد الشروط التى يُسمح من خلالها بالتبرع بعد الوفاة، أو فى بعض الحالات أثناء الحياة، وفق شروط محددة وواضحة يمنها الفحص الطبى، وإثبات رضا المتبرع بموافقة مكتوبة.
وينص القانون على أن التبرع يعتبر عطية مجانية لا مقابل لها، وأنها لا تُسوق ولا تُباع، مما يجعلها خاضعة للمصلحة الطبية فقط، وليس للمادة أو المال.
وفيما يتعلق بتوزيع الأعضاء، فإن هناك تنظيمًا فيدراليًا آخر يُعرف باسم (The Final Rule)، وهو مجموعة من التعليمات الصادرة عن وزارة الصحة الأمريكية لتوزيع الأعضاء ضمن قائمة وطنية، التى تضمن أن توزيع الأعضاء يتم على أساس الحاجة الطبية، والتوافق البيولوجى، وليس حسب المكان أو المال، حيث يضمن هذا النظام أن أى مريض يحتاج لعضو معين يُدرَج فى قائمة وطنية حسب أولويته الطبية، ويُوزع العضو المتاح بأكثر الطرق عدالة وشفافية.
وتأتى تلك القوانين مجتمعة لضمان ألا تُستغل الحاجة للتبرع فى أى شكل قد يمس كرامة الإنسان، أو يحدث تمييزًا غير مبرر.
كما يُنظم التبرع بالأعضاء وقوانين التعامل فيها عبر (National Organ Transplant Act) الصادر عام 1984، والذى يجرم بيع أو شراء الأعضاء البشرية بأى شكل من الأشكال.
وينص القانون على أن أى شخص يشترى أو يبيع أو ينقل أو يستلم عضوًا بشريًا مقابل المال يُعد مخالفًا للقانون الفيدرالى، وفى هذا الصدد تكون العقوبات شديدة، وتشمل السجن حتى 5 سنوات وغرامة تصل إلى 50 ألف دولار لتأكيد الطبيعة الطوعية للتبرع، ومنع أى شكل من أشكال التجارة غير القانونية بالأعضاء.
>الموافقة الضمنية
اتخذت المملكة المتحدة، مسارًا مختلفًا فى السنوات الأخيرة من خلال اعتماد قانون التبرع بالأعضاء بنظام الموافقة الضمنية (Organ Donation “Deemed Consent” Act) الصادر عام 2019.
ودخل القانون حيز التنفيذ فى مايو 2020، وينص على أن كل شخص بالغ يُعتبر موافقًا ضمنيًا على التبرع بأعضائه بعد الوفاة، ما لم يُسجل صراحةً رفضه نظام (opt out).
ويدار النظام البريطانى من خلال برنامج التبرع بالأعضاء التابع لهيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS)، ويضع معايير دقيقة لتحديد من يشمله القانون ومن لا يشمله، بما فى ذلك استثناء الزائرين، أو من عاشوا لفترة قصيرة فى البلاد قبل وفاتهم.
كما يشمل القانون الإشراف الكامل على جمع الأعضاء، وتخزينها، ونقلها وفق معايير السلامة والأخلاق الطبية، مع التأكيد على أن الأعضاء لا تُستخدم مقابل أى شكل من أشكال المال.
ويظل قانون (Human Tissue Act) الصادر عام 2004، الإطار الأساسى الذى ينظم التبرع بالأعضاء والأنسجة البشرية فى «بريطانيا»، إذ ينص القانون على أن كل نقل، أو زرع، أو استخدام للأعضاء، يجب أن يتم بموافقة صريحة وواضحة من المتبرع.
كما يعتبر أى خرق، سواء بيعًا، أو شراء، أو استخراجًا، أو زرعًا بدون موافقة، جريمة جنائية، تصل العقوبة فيها إلى السجن، أو غرامة مالية، أو كليهما، مع تشديد العقوبة إذا شمل الانتهاك استغلال أشخاص ضعفاء، أو التورط فى شبكات اتجار بالأعضاء.
>التوثيق القانونى الصارم
فى ألمانيا، يُعتبر تنظيم التبرع بالأعضاء والأنسجة من أكثر النظم صرامة فى أوروبا، إذ يعتمد بشكل رئيس على الموافقة الصريحة المكتوبة من الشخص نفسه.
ويتطلب القانون أن تكون هناك وثيقة صريحة تُظهر رغبة المتبرع فى التبرع بعد الوفاة، سواء عبر بطاقة خاصة بالتبرع، أو وثيقة أخرى تحمل توقيع المتبرع، قبل أن يتم تنفيذ أى عملية.
كما يشترط القانون الألمانى إجراء فحوصات دقيقة لتحديد وفاة الدماغ قبل استخراج أى عضو، وذلك لضمان احترام قيمة الإنسان وكرامته.
بالإضافة إلى ذلك، يتضمن القانون حماية خاصة لمن اختاروا سحب موافقتهم فى أى وقت خلال حياتهم، ما يعنى أن إرادة المتبرع تُحترم تمامًا حتى لو تغيرت بعد تسجيل الموافقة الأولى.
أما بخصوص التبرع أثناء الحياة، فإن ألمانيا تجعل هذا ممكنًا فقط فى حالات خاصة، وغالبًا بين الأقارب من الدرجة الأولى، ويجب أن يخضع المتبرع لفحوص نفسية وطبية مكثفة، لضمان عدم وجود ضرر عليه.
>تنظيم قوي
تعد إسبانيا نموذجًا عالميًا فى معدلات التبرع بالأنسجة والأعضاء، بما يجعلها من الدول الأكثر نجاحًا فى هذا المجال.
ويعتمد النظام الإسبانى على الموافقة الضمنية، ما يعنى أنه يُفترض أن الشخص وافق على التبرع بعد وفاته ما لم يعبر صراحةً عن رفضه أثناء حياته.
وفى المقابل، يحظر القانون الجنائى بشكل صارم أى نشاط تجارى، أو غير قانونى يتعلق بالأعضاء البشرية، ويعتبر الاتجار بالأعضاء جريمة مشددة؛ تشمل: انتهاكات بيع أو شراء الأعضاء، أو التسهيل، أو التشجيع على أى معاملات غير قانونية. وتصل العقوبة إلى السجن حتى 12 سنة، خاصة إذا استغل الأشخاص لتحقيق مكاسب مالية.
>موافقة صريحة إلزامية
فى اليابان، يُنظم التبرع بالأعضاء والأنسجة عبر قانون زرع الأعضاء (Organ Transplant Law)، الذى يشدد على ضرورة موافقة صريحة من المتبرع أثناء حياته، أو موافقة العائلة إذا لم يكن هناك وثيقة واضحة عند الوفاة.
وفى هذا الصدد، يعد القانون اليابانى صارما جدًا فى منع أى استخراج أو زرع عضو بدون إذن قانونى، ويُعتبر ذلك انتهاكًا جنائيًا، حيث تشمل العقوبات حبس وغرامات مالية، خصوصًا إذا كان الانتهاك مرتبطًا بالاستغلال التجارى أو الضغط على الضحايا.
فى النهاية.. يبدو فى كل هذه النماذج الدولية، وجود قاسم مشترك واضح فيما يخص التبرع بالأعضاء والأنسجة، وهى ضرورة أن يكون مجانيًا، طوعيًا، ومراقبًا من قبل الدولة، فيما لا يسمح القانون – نهائيًا وبأى شكل من أشكال- بيع الأعضاء، أو التلاعب بتلك القضية مقابل المال.
بل على العكس، تعد مثل هذه الأفعال جريمة جنائية يعاقب عليها بالسجن، وغرامات مالية كبيرة، وسحب تراخيص المراكز الطبية أو الأطباء المتورطين، لحماية كرامة الإنسان، ومنع استغلال الفئات الضعيفة التى قد تتعرض لضغوط اجتماعية أو مادية.







