أحمد إمبابى
مثلث العودة المصرية إلى إفريقيا
«رؤية» القاهرة الجديدة لتعميق التواجد بالقارة
فى مِصر، كثيرًا ما تُرَدد النخب السياسية والمثقفة مَطالب تدعو للانفتاح على القارة الإفريقية، وتعزيز التعاون مع أقاليم بالقارة أبعد من دائرة حوض النيل؛ لتوسيع التعاون الاقتصادى والتجارى مع هذه السوق الواعدة، وكثيرًا ما تصيغ المقارنات بين فترات توصَف بالذهبية، مثل فترة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، التى دعّمت فيها القاهرة حركات التحرُّر الإفريقى من الاستعمار.
وهنا سؤال تقييم الواقع الحالى يَفرض نفسَه، فما هو حال ومستوَى الحضور المِصرى إفريقيًّا؟ وما هو موضع الدائرة الإفريقية فى سياسة مِصر الخارجية ما بَعد ثورة 30 يونيو 2013م؟، وهل استطاعت الدّولة المِصرية ومؤسّساتها استعادة حضورها القارى؟
واقع الأمر أن الدولة المصرية، وجدت نفسها، بعد ثورة 30 يونيو، أمام ميراث من التحديات الصعبة فى ملف العلاقات الإفريقية، ما بين قطيعة لكثير من دول القارة، وتجميد عضوية مصر بالاتحاد الإفريقى، وخلاف محتدم مع دول حوض النيل، بجانب أزمة السد الإثيوبى.
والواقع أن ما يميز مستوَى التفاعل المِصرى مع القارة الإفريقية فى العقد الأخير، وتحديدًا فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى، ليس فقط فى منح الدائرة الإفريقية أولوية فى سياسة مِصر الخارجية؛ وإنما فى صياغة الدّولة المِصرية لرؤية حديثة للعلاقات مع دُوَل القارة، تضع فى الاعتبار تطورات عديدة، من بينها التغير فى النخب الإفريقية، والانفتاح الإفريقى خارجيًا، ووجود منافسين دوليين آخرين.
من هنا كانت هناك عَشرات القضايا والملفات الحيوية لمصر فى إفريقيا ومنها الأمن المائى الأمْن المِصرى فى البحر الأحمر، وحماية الأمْن القومى جنوبًا وتحديدًا فى السودان شمالًا وجنوبًا، ومشروعات استثمارية كبرَى كالربط الكهربائى، والربط السّككى، وخَط مِلاحى يربط بحيرة فيكتوريا بالبحر المتوسط، وحركة تجارية متزايدة نحو السوق الإفريقية وإجمالًا يمكن استعراض أهم ثمار هذه الرؤية فى العناصر التالية:
1
التركيز على الدبلوماسية الرئاسية
إذا نظرنا لمَسار التعاطى المِصرى مع العمل الإفريقى المشترك، على مدَى عقد كامل، بَعد ثورة الثلاثين من يونيو 2013 حتى الآن، نجد أنّ هذه الفترة اتسمت بالانفتاح على جميع أنحاء وأقاليم القارة الخمسة، ولم تقتصر دوائر التحرك المِصرى فى الساحة الإفريقية بالأقاليم التى ترتبط معها بمَصالح استراتيجية، كالقرن الإفريقى ومنطقة حوض النيل والساحل الإفريقى. ولعل الشاهد على ذلك اتساع النشاط الدبلوماسى المِصرى لمناطق غابت عنها الدّولة المِصرية لعقود، وفى مقدمة ذلك جولات الرئيس عبدالفتاح السيسى التى شملت دولًا فى الأقاليم الخمسة، الشمال والغرب والوسط والشرق والجنوب، ومن بينها دُوَل لم يكن قد زارها رئيس مصرى من قبل، كما هو الحال مع جولة الرئيس السيسى فى يونيو 2023م لعَدد من دُوَل إقليم الجنوب، شملت: أنجولا وزامبيا وموزمبيق، وهى الأولى لرئيس مصرى لهذه الدول.
من هذا المنطلق، ارتكزت رؤية الانفتاح المِصرى نحو القارة على تفعيل الدبلوماسية الرئاسية؛ بحرص الرئيس السيسى على المشارَكة المستمرة فى اجتماعات القمَّة للاتحاد الإفريقى، فضلًا عن جولاته المتعددة لِدُوَل القارة حيث كانت نسبة الزيارات الرئاسية إلى إفريقيا تقارب 30 % من إجمالى الزيارات الخارجية.
2
المؤسّسية فى العلاقات مع القارة الإفريقية
على عكس النهج الذى كان متبعًا قبل 30 يونيو، فى حصر مستوَى العلاقات المشتركة مع دُوَل القارة الإفريقية على المؤسّسات البيروقراطية فى الدّولة، جاءت دولة 30 يونيو لتضع أطرًا مؤسّسية متنوعة لمجالات التعاون مع القارة، وبدا ذلك فيما نَصّ عليه الدستور المِصرى الصادر عام 2014م فى مادته الأولى التى أشارت إلى أن «مصر جزء لا يتجزأ من إفريقيا وهو ما يعنى مركزية هذه الدائرة ضمن أبعاد الهوية الوطنية للدولة المِصرية.
والمادة (144) من الدستور أكدت على أهمية الدائرة النيلية؛ حيث أكد نص المادة على «حماية نهر النيل والحفاظ على حقوق مِصر التاريخية المتعلقة به، وترشيد الاستفادة منه وتنظيمها.. واتخاذ الوسائل الكفيلة بتحقيق الأمْن المائى».
خصّص مجلس النواب لجنة خاصة للشئون الإفريقية لتسهم فى صياغة سياسات الدّولة المِصرية تجاه القارة.
3
رئاسة الاتحاد الإفريقى
تزامَنت إعادة هيكلة التفاعلات المِصرية تجاه إفريقيا بَعد ثورة يونيو 2013م، مع بدء تبنّى الاتحاد الإفريقى لأجندة إفريقيا 2063م التنموية، وبالتالى اتسقت التوجهات المِصرية مع كثير من التطلعات التى تضمنتها أجندة التنمية الإفريقية. ومع تنوُّع أطر التعاون المِصرى مع القارة حظيت الدّولة المِصرية بثقة الدُّوَل الإفريقية لرئاسة الاتحاد الإفريقى للمرة الأولى منذ نشأته فى 2019.
وشملت أولويات الرئاسة المصرية تحقيق السّلم والأمْن نظرًا لتأثيراته المتعددة بالقارة، والسعى لإنشاء مَركز الاتحاد الإفريقى لإعادة الإعمار والتنمية، وهو ما تم تدشينه بالفعل ومَقره الدائم فى القاهرة.
4
معدلات التبادل التجارى
على المستوَى الاقتصادى؛ ارتفعت معدلات التبادل التجارى بين مِصر وإفريقيا خلال العقد الماضى؛ فقد ارتفع حجم التبادل التجارى إلى 10 مليارات دولار، بعد أن كان معدل التبادل التجارى 2 مليار دولار فى 2012.
وفيما يتعلق بالاستثمارات المِصرية فى القارة الإفريقية؛ ارتفعت نسبة الاستثمارات المِصرية 12 مليار دولار، فى حين بلغ حجم الاستثمارات الإفريقية فى مِصر 3 مليارات دولار، وتشمل الاستثمارات المِصرية فى إفريقيا قطاعات البناء والتشييد والمواد الكيميائية والتعدين والمستحضرات الطبية والاتصالات. ولعل أبرز تلك الاستثمارات هو إنشاء تحالف مِصرى يضم شركتى المقاولون العرب والسويدى لإقامة سد جوليوس بتنزانيا.
5
دعم مشروعات التكامل الإقليمى
تسهم مِصر بشكل أساسى فى عملية التكامل الإقليمى مع دُوَل القارة الإفريقية لتعزيز معدلات التبادل التجارى وزيادة التجارة البينية. ولعل أبرز الجهود المِصرية كانت مساهمة مِصر فى توقيع اتفاق منطقة التجارة الحرة الإفريقية القارية تحت اسم «اتفاق التكتلات القارية فى إفريقيا» فى ختام فعاليات قمَّة الاتحاد الإفريقى بالعاصمة الرواندية 2018م؛ حيث وقّعت مِصر و43 دولة على الاتفاق، ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ خلال عام 2019م، خلال رئاسة مِصر للاتحاد الإفريقى.
6
برامج متعددة للتدريب والتأهيل
حديث الأرقام يشير لعشرات المشروعات وأشكال الدّعم الفنى مع دول إفريقيا وأيضا دُوَل حوض النيل، ولعل أبرز الجهود المقدَّمة فى هذا الإطار برامج الوكالة المِصرية للشراكة من أجل التنمية؛ حيث قدّمت مِصر نحو 700 برنامج تدريبى فى المجالات المختلفة، ووفقًا لأولويات الدول الأفريقية الشقيقة.
ولعل من أبرز هذه البرامج كان البرنامج الرئاسى لتأهيل الشباب الإفريقى على القيادة بالأكاديمية الوطنية للتدريب؛ حيث تم تخريج ثلاث دفعات من هذا البرنامج ليضم شبابًا من مختلف الدُّوَل الإفريقية، بجانب برنامج التعاون «المِصري- الإفريقى» فى مجال الفضاء، والمنح التعليمية فى الجامعات المِصرية.
7
الدبلوماسية الصّحية والقوافل الطبية والإغاثية
يُعَد المجال الطبى والصحى من أبرز مجالات التعاون المِصرى مع القارة الإفريقية، الذى ظهر بشكل واضح خلال جائحة كورونا، ففى سبتمبر 2020م وجَّه الرئيس السيسى بإرسال مساعدات عينية وطبية بقيمة 4 ملايين دولار إلى 33 دولة إفريقية خلال جائحة كورونا، كما شملت المُسَاعدات خلال عام 2020 و2021م؛ دولًا مثل: ليبيا وتونس وشمال إفريقيا والسودان وجنوب السودان والصومال وأوغندا وإريتريا وجيبوتى.
كما لعبت مِصر دورًا مُهمًا فى توفير لقاحات كورونا للدول الإفريقية فى ظِلّ غياب عدالة توزيع اللقاحات، وكان أبرز هذه الجهود مبادرة الرئيس السيسى مؤخرًا بتوفير 30 مليون جرعة من لقاح كورونا لِدُوَل إفريقيا.
كما استجابت مِصر إنسانيًا أكثرَ من مَرَّة لضحايا الفيضانات؛ خصوصًا فى السودان وجنوب السودان بإرسال مساعدات غذائية ودوائية عاجلة، هذا بجانب نشاط القوافل الطبية للدول الإفريقية.
8
دعم السِّلم والأمْن الإفريقى
وعلى صعيد دعم السّلم والأمْن الدولى؛ حصلت مِصر على عضوية مجلس السّلم والأمْن الإفريقى منذ عام 2014م فترتين متتاليتين، الأولى استمرت لمُدة ثلاث سنوات من 2016 حتى 2019م، التى تزامَنت مع عضوية مِصر فى مجلس الأمْن الدولى خلال الفترة من -2016 2017م، أمّا الفترة الثانية فهى من إبريل 2020م حتى مارس 2022م. وحاليًا مصر عضو فى مجلس السلم والأمن الإفريقى وترأس المجلس هذا الشهر وتُعَد مشاركة مِصر مؤثرة على المستويين الدولى والإقليمى؛ لأنها تتيح المشاركة المباشرة فى صياغة السياسات والقرارات المَعنية بمواجهة التحدّيات الأمنية فى إفريقيا على مختلف المستويات.
9
مواجهة الإرهاب والتدخلات الخارجية
دفَعَ النجاح المِصرى فى مقاومة الإرهاب فى الداخل وسيناء للتحرك على مستوَى الساحة الإفريقية لمقاومة الإرهاب والتطرف الدينى، فى ظِلّ تصاعُد مَخاطر الإرهاب بالساحة الإفريقية؛ حيث تُعَد القارة من أكثر المَناطق فى العالم تأثرًا بخطر الإرهاب، وهو ما أثبته تقرير مؤشر الإرهاب العالمى عن عام 2023م، الذى أشار إلى أن 5 دُوَل إفريقية ضِمن أعلى 10 دُوَل تأثرًا بالإرهاب، وأن أكثرَ نسبة وفيات من الإرهاب فى إفريقيا.
ولعل أبرز تلك الجهود، كان فى التعاون مع دُوَل الساحل والصحراء؛ لمواجهة الإرهاب؛ حيث تمّت استضافة اجتماع وزراء دفاع دُوَل الساحل والصحراء فى شرم الشيخ، وتنظيم تدريبات مشتركة فى قاعدة محمد نجيب العسكرية مع القوات المسلحة بهذه الدول، واستضافت القاهرة مركز الساحل لمحاربة الإرهاب، وفى فبراير 2020م أعلن الرئيس السيسى تشكيل قوة إفريقية مشتركة لمقاومة الإرهاب، إرساءً لمبدأ أن الحل الإفريقى هو المدخل الصحيح للمشكلات الإرهابية.
وعلى صعيد دعم السلم والاستقرار فى إفريقيا، أسهمت مصر فى صياغة مذكرة التفاهم الخاصة بالمشاركة المصرية فى بعثة الاتحاد الإفريقى لدعم الاستقرار فى الصومال، تمهيدًا للتوقيع عليها، مع حشد تمويل قدره 20 مليون دولار من صندوق السلام الإفريقى لدعم البعثة.
10
رؤية مستقبلية للشراكة
وسعيًا لتعميق الشراكة مع الدول الإفريقية، وترسيخ مكانة مصر كفاعل رئيسى فى العمل الإفريقى المشترك، تكثف الدولة المصرية من جهودها الدبلوماسية، لتعميق تعاونها الإفريقى، وفق المفهوم الذى يجمع بين ثلاثى السلم والأمن والتنمية، وظهر ذلك فى مجموعة من الفعاليات الأخيرة، كان منها ما يلى:
رئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسى، اجتماع الدورة الثالثة والأربعين للجنة التوجيهية لرؤساء دول وحكومة الوكالة الإنمائية للاتحاد الإفريقى «النيباد»، والتى أشار فيها إلى جهود مصر لدعم عمل الوكالة، وأهمها حشد التمويل للمشروعات القارية، ومنها إطلاق مبادرة «فريق إفريقيا»، لحشد تمويل قيمته 500 مليار دولار لنحو 300 مشروع تنموى فى القارة، وإطلاق مسار لإنشاء صندوق تنموى تابع للوكالة، بجانب توفير تمويل 100 مليون دولار لدعم خدمات الصحة العامة بإفريقيا.
• تبنت مصر خلال رئاستها للنيباد مقاربة شاملة، تراعى الارتباط المباشر بين السلم والأمن والتنمية وقد حرصت مصر فى إطار رئاستها للجنة التوجيهية، وبصفتها رائد ملف إعادة الإعمار والتنمية بعد النزاعات فى الاتحاد الإفريقى، على الانتهاء من تحديث سياسة الاتحاد الإفريقى لإعادة الإعمار، مع انتهاج مقاربة متطورة لبناء السلام، وتعزيز التعاون بين الوكالة؛ ومركز الاتحاد الإفريقى للتنمية وإعادة الإعمار بالقاهرة، ومنتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامين.
ولا يعنى الاهتمام بالقضايا التنموية إغفال المصالح المصرية الأساسية، بالقارة، ومن هذا المنطلق، جاءت التحركات الدبلوماسية الأخيرة لوزارة الخارجية، ومن بينها لقاء وزير الخارجية بدر عبد العاطى، مع عدد من الدبلوماسيين المصريين الذين سبق لهم العمل فى إفريقيا الأسبوع الماضى، بهدف تبادل الخبرات بشأن أفضل الممارسات حول سبل تعزيز التواجد المصرى فى إفريقيا، والبناء على ما تحقق من خبرات عملية فى مسارات العمل الدبلوماسى مع القارة، وبما يسهم فى دعم المصالح المصرية وترسيخ دور مصر كشريك فاعل فى العمل الإفريقى المشترك.
والخلاصة أن مِصر لا ترتبط بإفريقيا من أجل مياه النيل فقط؛ بل لا يجب أن يكون كذلك، ولا يجب قصر النظر إلى ضرورية الانفتاح والتواجد فى الساحة القارية على هذا البعد رُغْمَ حيويته، فهناك مَصالح استراتيجية أخرَى لا تقل أهمية، تستدعى حضورًا ثابتًا وفْقَ سردية وطنية محددة تؤسّس لشراكة مستدامة مع دُوَل القارة، فى وقت يتكاثر فيه حضور منافسين دوليين وإقليميين بحثًا عن موضع قَدَم لهم فى القارة، حتى ولو على حساب المَصالح المِصرية.







