الأحد 30 نوفمبر 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

الحالة النمطية للإعلانات الرمضانية

إذا بدأنا الحديث عن إعلانات رمضان، بالإعلان الأضخم من حيث عدد النجوم المشاركين فيه، وهو إعلان إحدى شركات المحمول الذى ظهر به عدد من النجوم أبرزهم «محمد صلاح»، وقدمت أغنية الإعلان «شيرين عبدالوهاب».. فالأغنية المصاحبة للمَشاهد المصورة لم تأتِ بجديد، فهى من ضمن «كليشيهات» الموسم الرمضانى، التى دائمًا ما تتحدث عن «اللمّة وتجمُّع الأحباب» وما إلى ذلك من المواضيع النمطية والمحفوظة والمعاد تدويرها. أيضًا التوزيع الموسيقى خرج وكأنه «ديمو» لتجربة الأداء، والبناء الموسيقى له على إيقاعات «المقسوم» المستهلكة كان مملّا لدرجة تجعلنا نشعر بأننا استمعنا إليه من قبل.



 

أيضًا مَشاهد الإعلان كانت تدور حول معاناة النجوم فى ظل ظروف الحََجْر الصحى المفروض علينا للوقاية من فيروس «كورونا»، وطريقة التعامل مع هذه الظروف بشكل يبدو طبيعيّا، ولكنه لم يتطرق بأى شكل من الأشكال إلى التعبير عن الجماهير المستهدفة من صناعة هذا الإعلان، فلم نجد أمثلة لأطباء مجبرين على النزول بشكل يومى للمستشفيات، أو المهندسين الذين لايزالون حتى الآن يستكملون مشاريع البناء، أو رجال الشرطة الذين يقضون أوقات النهار فى حفظ الأمن، والليل لضبط عملية حظر التجوال، وهؤلاء هم الفئة الأبرز التى تستهدفها الشركة بإعلانها، ولكنهم لم يكونوا موجودين، ولولا الظهور الخاص لـ«مكة محمد صلاح»، التى أعطت شعورًا حميميّا مع مَشاهد الإعلان، لصُنّف هذا العمل ضمن الأسوأ فى موسم 2020م.

 

وبمناسبة الحديث عن «صلاح»، فالنجم العالمى شارك أيضًا هذا العام فى إعلان آخر يتناقض كليّا مع مضمون وفكرة الإعلان الذى قدّمه مع شركة المحمول، ونحن نقصد الأغنية التى غنّاها بصوته لإحدى شركات زيوت السيارات، وفى رأيى الشخصى هذا الإعلان هو الأفضل هذا الموسم؛ وذلك لعدة أسباب، منها أن وجود «صلاح» كبطل فى العمل، يجعلنا نتصور للوهلة الأولى أننا سنجد النجم العالمى الذى يعرفه العالم أجمع وهو يتحدث عن إنجازاته الكروية، ولكن ما رأيناه كان مفاجئًا بشكل غير متوقع، فرأينا «محمد صلاح»، «رابر ماركة 2020م»، والأهم أنه يروى قصصًا من الحياة اليومية التى يمر بها ملايين المصريين. ومن واقعية «صلاح» ننتقل إلى خيال «محمود العسيلى وبهاء سلطان» فى إعلان أحد البنوك. الذى يتم تصميمه كل عام على كلمات التنمية البشرية المستهلكة، التى أصبحت لا تؤثر فى مشاعر أحد، فأين هو الاستثناء الذين يتحدثون عنه؟!

 

قطعًا نحن مع روح التفاؤل والأحلام، ولكن الأحلام المبنية على أساس حقيقى، وليس أحلام الشعارات المطاطة والواسعة التى تشعرنا بالسذاجة بمجرد الاستماع إليها، ولولا تواجُد الفنان «بهاء سلطان» الذى يشتاق إلى صوته الملايين، لما كان لهذا الإعلان أن يحقق أى نجاح جماهيرى من أى نوع.

 

وفى إعلان ثانٍ لشركة المحمول الثانية الذى يقوم ببطولته وغنائه الفنان «أحمد حلمى»، الذى كان مميزًا جدّا، لسببين رئيسيين؛ أولهما هو تقديم «أحمد حلمى» كمغنى راب عصرى «ماركة 2020م» مثل «محمد صلاح». أيضًا الإعلان جاء مناسبًا للجَوّ العام الذى يمر به المصريون ويوميات المواطنين أثناء فترة الحَجْر الصحى، ودور شركات الاتصالات ومن بينها الشركة صاحبة العمل فى التسهيل عليهم لقضاء الوقت بشكل أفضل من خلال العروض التى تتيحها لهم بغرض التواصل الإلكترونى تعويضًا عن غياب التواصل الحقيقى بسبب إجراءات الوقاية من فيروس «كورونا»، ولذلك هو إعلان متميز فى التعبير عن غرض الشركة بصورة مبسطة ومبتكرة أيضًا.

 

كذلك إعلان الشركة الثالثة للمحمول، الذى يُعتبر من أنجح إعلانات هذا العام، والسبب الأهم فى ذلك هو صوت الفنان «حسين الجسمى» الإماراتى الجنسية صاحب الهوية المصرية، الذى دائمًا ما نجد صوته بجانبنا فى الأوقات الفارقة مثلما حدث فى (بُشرة خير). هنا فى أغنية (سُنة الحياة) التى هى أيضًا من كلمات الشاعر نفسه «أيمن بهجت قمر» سنجد أنها لا تقل فى جودتها عن (بُشرة خير)، رُغم اختلاف الموضوعَين، ولكننا نتحدث عن حرفية شاعر قادر على التعبير عن الاشتياق للحظات التجمع التى افتقدناها، أيضًا استخدامه لمقولة (سُنة الحياة) فى «سينيو» الأغنية، كان عبقريّا رُغم أن الكلمة متداولة دائمًا بيننا كمصريين وعرب فى أحاديثنا اليومية، ولكن استخدامها فى أغنية هو ما كان جديدًا، وهذا هو المعروف عن «أيمن بهجت قمر» بقدرته على توظيف لغة الشارع بشكل أكثر من رائع فى الأغانى.

 

أيضًا لحن «محمود العسيلى» استطاع التعبير عن الكلمات بشكل جيد، والأهم هو توزيع «على فتح الله»، فربما تكون هذه هى المرّة الأولى التى نجد بها «حسين الجسمى» يغنى على إيقاعات موسيقى الـ«Tropical house»، ولذلك استمعنا إليه وكأنه يغنى لنا لأول مرّة من حيث الأداء رُغم صوته المألوف، فكل هذه العوامل كتبت للأغنية النجاح، ويكفى أن كل ذلك كان سببًا رئيسًا فى تراجُع الشاعر «أيمن بهجت قمر» عن فكرة اعتزاله لكتابة الأغانى، وهذا يكفى!.

 

وعلى النقيض تمامًا نجد تجربة غير موفقة للشاعر الكبير نفسه مع «تامر حسنى» فى إعلان شركة الاتصالات الرابعة. الذى كان محبطا تمامًا. بداية من الاسم (الأصل مصرى)، وهى كلمة كان لا بُدّ ألّا تكون هى عنوانًا لأى أغنية تتحدث عن مصر، وذلك بسبب كثرة استهلاكها، فعلى سبيل المثال الشاعر والكاتب «عمر طاهر» كان له برنامج أذيع منذ سنوات بعنوان (مصرى أصلى)، وأيضًا الفنانة «يسرا» لها إعلان هذا العام عن سيراميك وتقول كدعاية للمنتج أنه «مصرى أصلى». فمصطلح «الأصالة» رُغم صحته فإن فرط استخدامه بشكل مكثف أصبح «كليشيه»، والمفارقة أننا نجد أول مَشاهد للإعلان تصويرًا لبطل العمل من داخل تجويف «الجيتار» وهو آلة لا تُعبر عن مفهوم «الأصالة المصرية»!

 

ما يجعلنى أصف هذا الإعلان بكل تفاصيله بالـ«كليشيه» هو أننا إذا حاولنا صناعة أى أغنية وطنية وقمنا باستطلاع آراء الجمهور عن ما الذى يتوقعه وجوده فسنجد أن الإجابات ستأتى بصفات «الأصالة» و«الجدعنة»، وهو ما ظهر فى الإعلان ولم يتم توظيفه بشكل جديد، وقد ظهر من قبل فى أعمال أخرى منها مثلًا، أغنية «نانسى عجرم»، (لو سألتك إنت مصرى).

 

كذلك هدف الإعلان كما ظهر فى التعليق الصوتى فى آخر الأغنية الذى جاء يتحدث عن الظروف الصعبة التى نمُرّ بها ومنها انتشار فيروس «كورونا»، والإعلان نفسه يضرب بتعليمات منظمة الصحة العالمية عرض الحائط، ونرى فى مَشاهده تلاحمًا جسديّا بين أبطاله لدرجة التقبيل على الرأس.

 

أيضًا شعار الإعلان «إننا فى مركب واحدة»، ورُغم ذلك؛ فإننا نجد المَشاهد تدور داخل مجموعة من المراكب، وليس مركبًا واحدًا! فلماذا هذا التناقض؟!

 

كما أن «تامر حسنى» له مسئولية تامة عن كل هذا؛ لأنه دائمًا ما يقدم نفسه كفنان شامل صاحب أفكار صناعة أفلامه ويجيد الكتابة والتلحين، فلماذا إذن لم يضع فى اعتباره كل هذه الأخطاء الساذجة؟! بل أخطأ أيضًا فى حق نفسه كنجم غنائى، بسبب تقديمه لهذا إعلان؛ لأنه يظهر فى كل عام بإعلان لشركة محمول مختلفة عن الأخرى، ما يُذكرنا بشخصية «المارد» الذى ظهر مع ثلاث شركات محمول داخل مصر وكان محط سخرية من عموم مستخدمى وسائل التواصل الاجتماعى. فأهم نجوم العالم لا يقومون بالمشاركة فى إعلانات لشركات متنافسة، مثلا «ليونيل ميسى»، «كريستيانو رونالدو»، و«عمرو دياب» فتواجُد النجم مع الشركة نفسها فى مواسم متتالية يخلق نوعًا من الترابط بين جمهور الفنان ومنتجات الشركة صاحبة الإعلان، وهذا الترابط الذى تنتج عنه الذكريات، ومن ثم تعلق الجمهور بالمنتج المصنوع الإعلان لأجله، فتكون النتائج المرجوة أفضل وأعلى.>